الثلاثاء، 30 أبريل، 2013

لعبة قصصيّة لمّاحة




                                       قراءة هيثم حسين
 
 
 
                                     القاص حمود الشكيلي
يرمز القاصّ العمانيّ حمود حمد الشكيليّ في مجموعته «النهايات ليست مفتوحة»، «فضاءات، عمّان، 2013» إلى ثنايّات متداخلة في بعضها مؤثّرة في القرّاء والمتلقّين، باعتبارها مركزيّة التأثير في البشر، يترصّد مصائر الكائنات الورقيّة التي يرسمها، يختلق لها حيَوات، يُوهم بالواقعيّة في الوقت الذي يبعدها عن الواقع، وذلك في لعبة قصصيّة لمّاحة، والبحث عن العالم القصصيّ وعن «الكذبة» الحقيقيّة في عالم الأدب. يذكّرنا في هذه التقنية بكتاب «الحقيقة الرومنسيّة والكذبة الروائيّة» للناقد الفرنسيّ رينيه جيرار.

-        فخّ العتبات:

عبر ملاحظة تركيز القاصّ على العتبات وتكثيفه لنصوص التمهيد التي يمهّد بها لدخول عالمه، ويعبّد الطريق أمام القارئ لمقاربة القصص والحكايات المُستجلاة عبر الحقائق المطروحة، دون أن يعني ذلك أيّ فرض أو تقييد، بل يستبطن التأويل والتوجيه عبر سبل القراءة والدخول في غابته.
لا يقف فخّ العتبات عند العنوان «النهايات ليست مفتوحة» الذي يشي أنّ هناك متحكّماً في العالم، أو عن شيء قدريّ ربّما أو سلطة نافذة لا مجال لتغيير قراراتها المكتوبة المفروضة، وهذا بدوره يثير سؤال الحياة والموت ضمن دائرة الثنائيّات المطروحة، لتكون البداية مستوحاة من النهايات المغلقة. ثمّ يلي ذلك تمهيد بآية قرآنية «ويأتيه الموت من كلّ مكان وما هو بميِّت» إبراهيم آية 16، ويأتي الإهداء تالياً ليبدّد شيئاً من الغموض البدئيّ، إذ يهدي القاصّ مجموعته إلى روح صديقه علي المعمري، ويتبع إهداءه بمقطع للشاعر محمود درويش يقول: «الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء»، ليكشف النقاب عن حزن دفين يشكّل حافزاً ومحرّضاً، ومنهلاً للتثوير والمعارضة في الوقت نفسه. ويتبعه بجملة للشاعر أمل دنقل: «أنا انتظرت أن يموت الموت: أن يموت». ليزيد من قتامة المشهد، حيث الموت مخيّم وفارض نفسه كشخصيّة وفعل وبداية ونهاية..

ثمّ يكون المقطع التالي الذي يمهّد به للدخول إلى مسارب قصصه للبسيويّ يخاطب قراءه، يقول فيه: «لكلّ بيت على الأرض/ سأزوّر من موتكم قصصاً/ عسى أن أحيا بها..». وهنا ينجلي شيء من الغموض، عبر قرار مُتَّخذ مُستلَهَم من المقطع، وهو الرسالة التي يطلقها في فراغ الأمكنة والأزمنة وفضاءات الوجود، من خلال قرار تزوير القصص من الموت، في محاولة لاستعادة القدرة على الحياة. وكذلك يمهّد للفصل الثالث بمقولة لمحمود درويش حول فكرة الموت نفسها: «لم أولَد لأعرف أنّي سأموت/ بل لأحبّ محتويات ظلّ الله». وكذلك تكمّل مقولة الروائيّ اليابانيّ هاروكي موراكامي التي يمهّد بها للفصل الرابع: «يجب أن ننظر إلى الموت لا بوصفه نقيضاً للحياة، بل بوصفه جزءاً منها». لوحة الحياة التي يرسمها، وإن كان عبر كتابة الموت أو الكتابة عن الأموات.
الجدلية الوجوديّة نفسها، عبث المصائر مع معابثة الموت والتحايل عليه، ضرورة الاستمرار، كلّها أواليات تحتّم اتّخاذ قرار الكتابة، وكأنّه يستعيد بطريقة أو أخرى مقولة ماركيز «عشت لأروي..»، في إشارة إلى العيش ليقصّ، في مسعى أن تكون القصص وسيلة لاستعادة المفقود المنشود.   
يفكّ الشكيليّ ألغاز العتبات، يكون التخصيص مجالاً للتعويم والتعميم معاً، سوى أنّ قرار الحزن والرثاء يظلّ حاضراً بقوّة، وإن كان من خلال تداعيات العاشق أو المشتاق أو الملهوف أو المتلصّص أو المفقود أو أيّ صفة أو فعل آخر من أفعال الجنون المتعقّلة بين ثنايا القصص.

ويثبت مرجعاً يؤكّد اشتغاله على ثنائية الحياة والموت عبر تأكيده أنّه «تمّ بعث وإعادة خلق هذه الكائنات من نشور العدم إلى حياة القصّ في الفترة الواقعة بين 12 مايو 2010 حتّى 12 مايو 2012، لذا كلّ طين هذا الحبر من صنع خيال كاذب، ومن ابتكار مزوّر رأى الموت مراراً فدفنه بالكتابة في هذه القصص..»، ويكون في إثباته هذه «الحقيقة» محاولة تحدّ أدبيّة للموت، وقرار تأكيد أنّ الحياة تكمن في الكتابة، أو «في مكان آخر» وفق تعبير كونديرا، حيث إحياء الشخصيّات تأبيد لها في القصص، وإماتة لسلطة الموت في الإنساء والنسيان. وتكون الكتابة مخلّدة ومضادّة للنسيان المُميت بدوره.
ويختار كذلك نوعاً مختلفاً من الفهرسة، نوع ينطوي على فخاخ بدوره، مستكملاً عملية استدراج القارئ وممارسة التشويق وإثارته بحثاً عن الكامن الخفيّ والمخبوء، محدّداً «شواهد المقبرة» كبديل عن الفهرس، ومحدّداً ستّة عناوين: رياحين الموت، أقدام تحفر قبوراً، في انتظار ضيف ثقيل، المستعجلون على موتهم، شخوص وأمكنة، وليّ أمر البلاد المتخيّلة.
ينثر القصص على الفصول، بطريقة غير متساوية، ولا يكترث للمعادلة بينها، كأنّه يستكمل الفخّ نفسه عبر خلق بلبلة ما، يعيد ترتيبها لاحقاً، يهندسها عبر شخصيّاته التي تدور في فلك السارد الأنا الذي يتمحور العالم حوله، ويختطّ خطّه بين شعاب الواقع والخيال جنباً إلى جنب. فالفصل الأوّل يضمّ ثلاث قصص، والثاني ستّ، والثالث ستّ، والرابع أربع، والخامس أيضاً أربع، في حين أنّ الأخير يضمّ قصّتين فقط. يكون بينها فاصل واصل يجسّر المسافات، فالموت بكامل عدّته وعتاده ملقٍ بظلاله على العوالم والشخصيّات، وعلى النقيض منه يأتي التشبّث بالحياة المتخيّلة كدأب على الاستمرار والتفاؤل برغم سوداويّة الواقع وقهره.

-        ثورة الأموات/ الأحياء:نأن ّال

في ختام قصّته «الصرخة» يحتلّ الدويّ الكامن نهايتها وتكون الثورة الجمرة، حيث يوجب القاصّ البحث عمّن أمات الأموات، «يأمل البشريّون من ربّهم ألّا يموتوا بهذه الحالة، وعلى الآدميّين ان يتّحدوا لتدوين أغرب حالات الموت، منشئين موسوعة بعنوان «الذين ماتوا على غير العادة». على مَن يموت فينا أخذ هذه الموسوعة، كمشروع لفكرة مساءلة مَن أمات هؤلاء بهذه الصور البشعة؟». ص20 – 21. يختزل هذا المقبوس التساؤل الاستنكاريّ الباحث عن إجابة شافية في ضبابيّة الواقع وعبثيّته، وكأنّ من شأن الإجابات أو المحاولات أن تخفّف من حدّة الموت أو «توقفه أو تؤجّله».
تتتالى إيقاعات تناول الحياة ومفارقاتها، سواء كان ذلك عبر تصوير امرأة عابثة ملتهية عن ابنها أو عبر انشغالات صغيرة عن أمور هامّة، ليصل إلى ذروة التوجّه إلى المتلقّي ومخاطبته وجهاً لوجه على ملعب الورق، مزيحاً الستار عن الفواصل بين العالمين، ليجد القارئ نفسه أمام مواجهة الكاتب وشخصيّاته، مقتحماً عوالمه دون حجب، وذلك في «قصر السّيب» حين يقول: «وأنت تقرأ الآن هذه القصّة ستعرف أنّ زمن الحدث المنقول من الحقيقة في شارع قصر السّيب إلى الكذب الذي أمارسه مع الحروف على لوحة المفاتيح هو الصباح، لكنّك لن تعرف متى هو زمن ممارسة اللاحقيقة مع الحروف التي أيّد بها عالمي الخاصّ، كما أنّك لن تعي ما إذا كنت قد أخبرت أحداً عن الذي رأيته قبل نقله من وقاعه الحقيقيّ إلى خيالي الذي أمارسه معك...» ص 27 – 28.
في هذه المواجهة يدخل القاصّ قارئه كلاعب في القصّة، وذلك باللعب على وتر الإيهام بالحقيقة من جهة وبلبلة التصوّرات المسبقة من جهة أخرى، بحيث يبقي تساؤل الشخصيّة الحقيقيّة والمتخيّلة مفتوحاً على مصراعيه في ذهنه، ومتنقّلاً بين زمن القصّ وزمن وقوع الحكاية، وزمن الكتابة وزمن القراءة، ليجد نفسه أمام فضاءات أزمنة لا تتسوّر ولا تتقيّد، ويكون ذلك استكمالاً للعبة الحقيقة القصصيّة والكذبة الرومانسيّة التي تحدّث عنها جيرار في كتابه السابق الذكر.
يمكن الوقوف على أكثر من نقطة تستحقّ التأويل والدراسة في هذه المجموعة اللافتة، إذ أنّ انهمام الشكيلي بألغاز الوجود والعدم، على طريقة إدواردو غاليانو في كتابه «مرايا»، يحضر بالموازاة مع حرصه على تصوير دواخل الشخصيّات، ورسم جاليّات منتقاة، ونجد كذلك أنّ وصف المكان العُمانيّ حاضر بقوّة في عدّد من القصص، فتارة يصف شارعاً ما وحركة الناس الدائبة فيه، وتخيّله الأرواح الهائمة سارحة بين جنباته، وتارة أخرى يتغلغل في أروقة مشفى أو قصر أو بيت أو مقبرة، ليرصد ما يمور به الداخل، ليكون صورة مقابلة عن الخارج، في تفعيل للثنائيّات التي ابتدأت بالموت ومرّت بوصف مفارقات من الحياة ومشاهد ومقتطفات تؤكّد الانحياز للأمل برغم الأسى القارّ في النفوس، وعودة إلى نقطة البداية/ الموت، لتكون النهايات غير المفتوحة مغلقة بدائرة النار والموت، ويكون البشر وقود تلك الدائرة الناريّة. 

الاثنين، 29 أبريل، 2013

لغتها المُحكمة مَعبرها ومِرساها





                                                              
                                                                    قراءة  هيثم حسين




 
                                                             الكاتبة السورية نادين باخص


تبدو الشاعرة السوريّة نادين باخص في مجموعتها الشعريّة «أُخفي الأنوثة» مهجوسة بهاجس الانتصار للذوات المشيّأة، ويكون في حديثها عن التشيّؤ الحاصل محاولة شاعريّة لتبديده مع ما يصاحبه من أسى ومرارة.
باخص التي سبق لها أن نشرت رواية «وانتهت بنقطة»، تعود إلى عوالم الشعر عبر «أخفي الأنوثة»، لتقدّم ذات الشاعرة المتماهية مع العالم المحيط بها، وتكون لغتها المُحكمة مَعبرها ومِرساها في عوالمها الأدبيّة، إذ أنّها تولي عناية خاصّة باللغة، إلى درجة تتبدّى فيها في بعض المقاطع متصوّفة تتغزّل باللغة ككائن مؤنسن.
تنشغل الشاعرة في مجموعتها بمواضيع تتأرجح بين العامّ والخاصّ، تبدو في معظمها حالات نفسيّة، تنفتح من خلالها الدواخل على بعضها بعضاً في حواريّات ومناجيَات ودفع نحو التسامي في حالات بعينها.
بتأويل العنوان «أخفي الأنوثة» تتكشّف رغبة الإخفاء المعلنة عن الصدمة من الإشهار السابق أو الإعلان السالف، بحيث أنّ هناك قراراً ضمنيّاً بالإخفاء ردّاً على الممارسات التي تتمّ باسم الأنوثة وردّاً على الهدر الذي تقابَل به، والإقرار أو الإخبار بإخفاء الأنوثة يبدو تمسّكاً معلناً بالإشهار والتحدّي للإخفاء، وكأنّ إثبات المثبت نفي له في حالة كهذه، وأمّا السؤال عن السبب فينفتح بدوره على الكثير من التأويلات والتبريرات والعلل، ففي عالم يعتبر الأنوثة تهمة أو عورة ينبغي إخفاؤها أو «وأدها» بطريقة معاصرة لأنّها تسبّب «وجع» الرأس للبعض، تتقدّم الصورة المضادّة، لتعلن أنّ الإخفاء صنو الإظهار، وأنّه يستحيل ذلك، وأنّ النهوض بالفعل التالي وهو التحدّي يستهلّ بالقصيدة، وتكون قصيدتها «أجواء» استيحاء لتناقضات الواقع وفجائعه.
تدرج الشاعرة قصيدتها «أُخفي الأنوثة» في المتن، وتنصّص جملة قصيرة معرّفة: «سيرة الشعلة حين تتقنّع بالرماد»، وتورد تالياً تحذيراً من كثرة الشهرياريّين، ليأتي بعد ذلك التباهي بالأنوثة بعيداً عن أوهام الرجل بالإغواء والاستعطاف، وتعرّف الأنوثة تعريفاً خاصّاً: «ليست الأنوثةُ دموعاً سخيّةً/ ولا كعباً عالياً/ تنتعله الفتياتُ/ والنساءُ بالضرورة/ الأنوثةُ بطاقةٌ شخصيّة/ لا أُبرزها/ إلا حين تومئُ/ بالشوق../ وتأشيرةٌ مخصّصةٌ/ للسفر في عينيك». وتستكمل لعبة التعاريف لتصل في نهاية القصيدة إلى كشف النقاب عن لعبتها الأثيرة عبر التصريح: «هذه لعبتي: الأنوثةُ هي ما خفي/ ليست ما ظهر».
وفي قصيدتها «أشياء للغياب»، تنطلق من راهنية تفهّم معاني الكآبة، لتنتقل في عوالم الاغتراب والاكتشاف، حيث سلسلة من المشاعر تتداخل لتشكّل عالماً مستقلّاً يعلو فيه صوت الصدى المتعاظم داخلها. يبدو تخفّفها من أعباء الذاكرة المشحونة بالأسى والفجائع، يكون الانسلاخ عن كلّ شيء بداية للعثور على الذات والتعرّف إليها من جديد، وإكسائها حللاً مختلفة، كأنّها بصدد رسم هيكل لوحدتها، عبر إصغائها إلى عقرب الوقت الموقّت على إيقاع الشوق المتعاظم. والشوق في القصيدة شوق متمايز، يبحث عن منطلق وملتقى، شوق عابر للزمن، يكتسب ديمومته وتجدّده من الذات والذاكرة: «الآن طرَدْتُ الخلايا والروحَ والعقلَ/ وجلَسْتُ وحدي/ أُصغي لساعةِ الشوقِ/ تُطلِقُ إنذارَها الأخير../ وأراجعُ صوراً/ بدونا فيها رفّين في مكتبةِ شاعرٍ رحل/ تاركاً رفوفَه لثقَلِ الزمنِ/ يتكفّلُ بليّ أعناقها/ فتكفّ عن التوازي/ وتحقّقُ أقنومَ اللقاء../ للوقتِ قرطاسيّةٌ،/ وللذاكرة مِشْجَب/ أعلِّقُ عليه ما تبقّى من أمسِ أنفاسِكَ/ وأُسقِطُ بدفاترِ الرَّسمِ والألوان/ تاريخاً لم يقرأكَ، مُبدعة آتياً هو أنت..».
تنوس الذات الشاعرة بين الغياب والإياب، بين التجلّي والتخفّي، وحين ترهن بعض الاشياء للغياب، تتبدّى بصورة الباحث عن فكّ رهن ما، تسلّم للغياب اشياءه ليتبدّد عنها ويغترب بدوره عن أشيائها، بحيث تحضر فلسفة إعطاء بعض الشيء لتحصيل الكلّ، كأنّما هناك التفاف شاعريّ على الغياب، في محاولة للتخفيف من حدّته وتأثيراته: «يؤرجحُني البُعْدُ/ وأعرف/ لا ضرورةَ لواوِ عطفٍ تربطُنا/ ولا حرفَ جزمٍ يُسكِّنُ آخرَ ما تحرَّكَ فينا من جنون../ سيغلبُ النعاسُ على الحبرِ/ وستنطفئ أنفاسُ الشاي/ لكنَّكَ/ ستبقى اشتعالَ الأسرارِ في جدراني/ وسيبقى مركَّبُ صوتِكَ/ سِلْمُ أفكاري الوحيد..».
كما تحضر اللغة ككائن مؤنسن من قبلها، تشخّصها لتؤدّي أدوراً واقعيّة في القصيدة، وكأنّها تستلهم من أجواء الرواية، وتأتي أنسنة اللغة عبر اختيار بعض التفاصيل، كالحروف أو الضمائر لتنوب مناب الكائنات المحلوم بها، محاولة لرسم العالم الشاعريّ الذي لا يكون بديلاً عن الواقعيّ بأيّ حال من الأحوال، لكنّه يعكس الكثير من المرارة والصدمة من بؤس الواقع وكآبته المستفحلة التي تستشفي منها عبر الحديث عنها ومجابهتها والتصدّي لها كحلّ مؤقّت للاحتفاظ بالتفهّم واستحضار الغائب واستنهاض همّة العاشق وحثّه على البقاء أو العودة، لأنّ الانتظار مضنٍ، وبالتالي لا بديل عن التلاقي مهما طال الزم أو استطال الغياب: «تخدَّمَ انتظاري كاهناً يُبارِكُ ساعاتِه/ والشوقُ فيَّ/ خلعَ ضميرَ الغائبِ/ كي يتناسى أنَّ صوتَكَ ليس هنا../ في وجهكَ أستودع لغتي/ فجنينُ الروحِ أتمَّ شهرَه التاسعَ في جوفِ ما قبلَ الحبر../ أقرأُ في يديكَ خرافاتِنا/ يومَ أغرَتْنا الرّيحُ فتعلّقنا بحبلِ غسيلٍ/ لم نكترث بصدئه،/ فخلعتَ قميصكَ وارتديتَني/ وأضرَبْتُ عن تمشيطِ شَعري/ كي لا تُهرهرَ بقايا أصابعكَ من سواده المُفْتَعَل../ من يومها، والرّيحُ عاصفةٌ/ فلا أنتَ عُدْتَ لقميصكَ/ ولا شَعري عرف نكهةَ الأمشاط../ لكنّي صِرْتُ أفهمُ معنى الكآبةِ/ حينَ تغيب..».
يتجلّى انهمام باللغة الشاعريّة يصل إلى درجة التغزّل، عبر التلاعب الموفّق بالصور وابتكارها، وضبط اللغة والمفردات وفق إيقاع متصاعد، لكنّها تتحكّم بها وتبقيها رهن الحالة، لا تنساق وراءها، ولا ترتهن للعبة بانقياد فوضويّ، تبقي الاتّقاد متفعّلاً من خلال الاستئناس بحواريات الدواخل والأشياء، حتّى أنّ المفاهيم تكتسب كينونة شعريّة، قد ترتقي لمصافّ الكهنة أو الملائكة، وتكون الوحدة ملاذاً، كما يكون التمحور حول الأنا الشاعريّة المجنّحة وسيلة للتماثل مع المتلقّي في مسعى مبرّر لإبهاره.
لا تحصر الشاعرة الأنسنةَ باللغة والمفاهيم، بل تتعدّى ذلك إلى التراب، إذ نرى أنّ التراب يختنق في قصيدة «اختناق التراب»، كأنّها تواجه العدميّة بالعودة إلى الأصل الصلصاليّ للبشر، ومن خلال التذكير بالروح المنفوخة في التراب يكون الشعور بالاختناق كحالة من حالات الإخفاء، أو التجلّي الحياتيّ نفسه من خلال خاتمة القصيدة التي تنفي أيّ شيء «سوى اشتهاء التراب».
«مذكّرات أنثى يجيدها القلب»، «ما بعد الصلب»، »هذا الرجل لي»، «خطايا المسوّغات»، «حين تسقط أسوار المدينة»، وغيرها من قصائد المجموعة التي تبلغ إحدى عشرة قصيدة تكمّل لوحة العالم الذي ترسمه الشاعرة، وتبحث فيه عن إعادة الاعتبار للقيم المهدورة، وبثّ روح الشعر لأنسنة الأشياء ردّاً على تشييء الإنسان الحاصل.

 

 

الأحد، 28 أبريل، 2013

قراءة في ديوان المصطلم



 
قراءة: هيثم حسين 


 يختار الشاعر العمانيّ عبدالله البلوشيّ لمجموعته الشعريّة «المصطلم» عنواناً أقرب إلى العنوان الروائيّ، ويتجلّى التقارب أكثر حين محاولة التأويل والتنقيب في بعض المرامي التي ينشدها الشاعر من اختياره لهذا العنوان الذي يبدو غريباً في تركيبته البنيويّة، إلّا أنّ الغموض يتبدّد رويداً رويداً ليحلّ محلّه سؤال البحث عن الآخر في مرآة الذات الشاعرة، وسؤال التماهي والحلول والإحياء والترميز. ذلك أنّ «المصطلم» يعرف بأنّه أحد الألقاب التي أطلقت على الحلّاج (858 – 922 م) الذي قضى بطريقة مأسويّة، والذي يظلّ من الشخصيّات الأكثر إشكاليّة عبر التاريخ الإسلاميّ.   
يتحرّك الشاعر البلوشيّ تحت هيمنة اسم الحلّاج وأفعاله البطوليّة وقصائده الزاخرة بالجميل والمبتكر والجريء، ويبدو مشغوفاً به مستمتعاً باقتفاء أثر كلماته وأصدائها عبر الحقب، ابتداء بالعنوان، مروراً بالإهداء الذي يقول فيه: «إلى الحسين بن منصور رماداً في النهر وروحاً في السماوات»، ومروراً بالقصائد (المبتدأ، المنتهى، من الفيض) التي تناجي الحلّاج وتستأنس بحضوره الطاغي فيها. فنقرأ في «المبتدأ»: «ليس ثمّة ما أكتبه عنك/ سوى وجهك المضاء في الريح/ وأنت تقطع الطرقات بقلبك الغضّ/ من معبر إلى آخر/ كمثل ورقة أينعت في بحيرة دم». ما يؤكّد أنّ الحلّاج مبتدأ القول ومنتهاه/ خبره. وتحضر المخاطبة والمناجاة والاعتراف بانعدام الحياة أمام هول المصاب وفداحة الخسارة، ومن هنا تكون الكتابة الشعريّة وسيلة متاحة لاسترداد تلك الشخصيّة الفذّة ونفخ روح الشعر فيها، عبر إحياء المآثر، وذلك في مسعى لإعادة العمل برؤاه وتصوّراته الثوريّة، وإعلاء لمذهبه الصوفيّ في الحبّ والتوحّد مع الذات الإلهيّة، وما شكّله من شرارة للتثوير اللاحق، بحيث أنّه غدا علماً لا يمكن القفز على اسمه أو تجاهله.
لا يقف الأمر عند استلهام مآثر الحلّاج واستذكار مناقبه، ولا توظيف فضائله لغايات معاصرة، بل يتعدّاه إلى استقاء مقاطع من رؤاه التأمّليّة في ديوانه «الطواسين»، حيث يحضر فيض صوفيّ وتمثّل لحالات الوجد والشغف، ويكون الاستئناس أحد تجلّيات الاقتداء، وربّما أحد نيّات الافتداء في حال الإمكان، ثمّ يكون البوح مرسال الشاعر إلى شاعره الأثير، مبرهناً له، ولأعدائه وأصدقائه ومحبّيه، أنّ آثاره ما تزال باقية فعّالة ومؤثّرة بجدّتها وجرأتها. ومتحدّياً فكرة إبقائه بعيداً عن الضوء، وكأنّ من شأن ظهوره حجب الأضواء عن الآخرين الذين يسعون لحجبه وإبقائه بعيداً على أمل إبعاد شبح تأثيره، يقول: «يريدون أن يبقوك بعيداً/ أو ربّما على مقربة من أجسادهم/ تلك التي تقطّعت من فرط بكائهم الليليّ/ إذ لم يكن أمامك سوى الرحيل إلى منائر الضوء/ لترجع بعدها مرتدياً بظلّ الليل/ وموقناً أنّ الخلاص غائر بعمق السماوات». ص13.

تحتلّ ثنائيّة الظلّ والضوء الكثير من المقاطع، تفرش ظلالها وأضواءها بنوع من التعاقب والتواتر، تتكرّر في عدّة مقاطع، وكأنّ الهمس ينوس بين الظلّ والضوء، وكأنّها تدليل على أنّ كلمات «المُصطلم» تظلّ في الضوء وتتصدّر المشهد مهما حاول أعداء الضوء والنور التعتيم عليها وإبقائها بعيدة قابعة في الظلّ عسى أن تظلّ حبيسة ظلمتها وظلامها. نراه حاضراً بصيغ متبدّلة، تارة تسكره الظلمات، وتارة أخرى ينبلج عمره، ثمّ نراه يصفه بنديم الليل المتهجّد في العراء.. وغيرها من التوصيفات التي تضفي عليه حالة من الأمْثَلة والفرادة والتميّز، وذلك في تحدّيه حالات الاغتراب والاستلاب الحاصلة معه، والتي ضيّقت عليه حتّى أودت به، وهو المنفيّ خارج الأزمنة والأمكنة، يجد مستقرّه في أرواح الشعراء وعشّاق الحقيقة، الذين يستلهمون من فيوض المعرفة وينهلون من ينابيع عطائه المتجدّدة.
نداءُ الغائب المستحضر يتخلّل صفحات المجموعة كلّها، يبلغ ذروته في صرخة الشاعر المدوّيّة وندائه الأخير لشخصيّته الأثيرة: «أناديك من أعلى سلّم الكون/ قلت اكفني كلّ هذا الخوف/ أنا القريب كأنّني الغائب/ وأنا الذاهب إلى مستقرّ دائم/ ثمّة أستظلّ بشعاع نجمة لامعة» ص 87. يستعين به ليبدّد وحشة أيّامه ولياليه ويدلّه إلى طريق النور بعيداً عن ظلمة الواقع وظلّه.
 
يستطرد عبدالله البلوشيّ في مناجيَاته للحلّاج، والتي تعبّر عن اشتياق دفين دائم الاستعار لا يهدأ للتماهي معه، ولو من باب القول الممكن، وكأنّه يعمل بالمثل القائل: ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه. وكأنّه بصدد تقصّي الحالة والنبش في الخلفيّات التاريخيّة، وإدانة التكفير ومزاعم الزندقة والهرطقة، وتبديد حالة احتكار النطق باسم الإله، أو المعاقبة تحت زعم الدفاع عنه، وهو الذي لا يحتاج إلى تلك الطرائق البائسة في الدفاع، والتي تسيء لقيم الدين أكثر ممّا تزعم حمايتها له، ويكون في سعي الشاعر لإحياء بعض من شؤون الحلّاج تنقيب عن الشجون الكامنة ومَتْح من بئر الذات المتماهية مع الآخر المنشود رمزاً وغاية في ذاته. 

لا يقتصر التداخل الأجناسيّ بالاقتراب من عنوان روائيّ، بل إنّ تقنية إحياء شخصيّة تاريخيّة بصيغة أدبيّة تتجلّى كتقنية روائيّة، وقد تكرّرت في العديد من الروايات التي تقارب التاريخ، أو تستذكر شخصيّات تاريخيّة مؤثّرة، ويمكن هنا التذكير بالعديد من الروايات التي اعتمدت هذه اللعبة الفنّيّة، والتي تكمن خلفها الكثير من المرامي الواقعيّة والمستقبليّة، سواء كان ذلك من باب البحث عن اعتبار واجب للشخصيّة أو ردّ اعتبار واحتفاء بها ولها. وفي كلّ الأحوال تكون الشخصيّة؛ موضع الاعتبار والاحتفاء، محتلّة الحيّز الأهمّ ومنفتحة على تأويلات المبدعين ومتفعّلة بتأثيرها عبر إبداعاتهم وكتاباتهم. وفي حالة «المصطلم» يلوح طيف رغبة في الانتماء للفعل البطوليّ للحلّاج، مع تركيز بادٍ على إبداعاته الشعريّة الثوريّة.
يشار إلى أنّ «المُصْطلم» صدرت عن دار «الانتشار العربيّ - بيروت» بدعم من مدوّنة «ساعي البريد».

الأحد، 14 أبريل، 2013

هلال يفوز للمرة الثانية



 
فاز الطالب هلال المعمري من كلية العلوم بجامعة السلطان قابوس بجائزة ساعي البريد للقراءة للمرة الثانية وقام هذه المرة بتقديم عروض لثلاث كتب وكاد أن يدخل السحب الكبير على الجائزة الكبرى ولكنه مع الأسف أضاع القرص الممغنط الذي كان يرافق إحدى الكتب فحرم من دخول السحب هذه المرة ونتمنى له كل التوفيق في المرات القادمة ولجميع المشاركين.

الكتابة والتغيير




أؤمن بقدرة الكتابة على التغيير.. لكن هذا التغيير لا يتم بالشكل الميكانيكي كما يتصور البعض، فكل نص حقيقي لا بد أن يترك أثراً ما في نفس قارئه. كيف يحدث هذا؟ لا أدري لأن الأمر يتوقف على أمور كثيرة، منها شخصية القارئ نفسه، وثقافته، والفضاء الذي ينتمي إليه، والزمن الذي يقرأ فيه النص.
الحبيب السالمي، كاتب وروائي تونسي.

 

الأربعاء، 10 أبريل، 2013

ماذا وراء تدني مستوى القراءة عند العمانيين؟!



 
بقلم مصطفى محسن اللواتي



بكل صراحة، لم أفاجأ إطلاقاً حينما كنت أقرأ ملخصًا عن دراستين دوليتين أجراهما باحثون من جامعة بوسطن الأمريكية، بأن سلطنة عمان تذيلت القائمة في القراءة الدولية. وقد عقدت بفندق قصر البستان مؤخرًا ندوة بعنوان: "ندوة مناقشة نتائج الدراسة الدولية في الرياضيات والعلوم"، حيث ركزت هذه الندوة على مجالي الرياضيات والعلوم، كما هو واضح من العنوان، ولم تتطرق إلى نتائج الدراسات في مجال القراءة. وفقط للعلم، فإنّ مقالي هذا كتبته قبل هذه الندوة بشهرين، ولم تسنح لي فرصة نشره لبعض الانشغالات. ورغم تحفظي الشديد على أمثال هذه الدراسات التي غالباً ما تكون "مجيرة" سياسياً أو لمصالح آنية محددة، أو لأغراض دعائية معينة، وأيضاً لافتقاد الملخص الذي قرأته للمؤشرات التي تم اعتمادها، والفئات العمرية التي أجريت الدراسة عليها، وكذلك نوعية القراءة، وغيرها من الأمور التي تساعد في استكشاف مواطن القوة والضعف في الدراسة. إلا أنني أخذت الدراسة كمؤشر يوضح حالة "الضعف" الذهني و"الترهل" الفكري الذي وصلت إليه دولنا وبلداننا العربية عامة، والخليجية منها خاصة، وأخص هنا عمان التي هي محل حديثي في هذا المقال.
ورغم أن معرض الكتاب في عمان يعد "الأنشط" و"الأكثر" بيعاً، حسب ما ينقله لنا العارضون، إلا أن نظرة لنوعية الكتب النشيطة تنبئنا عن المستوى الذوقي المتدني، فكتب الطبخ، والغرائب والعجائب، وأهوال القبر والقيامة والحشر، وشعر- وأقسم أنه ليس بشعر إطلاقاً- الغزل والسحر وتفسير الأحلام والجن...إلخ مع بعض كتب التراث الديني هي ما يتحرك ويباع في هذا المعرض، أما غيرها فالحركة عليها قليلة وتكاد تكون معدومة.
أعيد وأقول أني لم أفاجأ إطلاقا بهكذا وضع لأن سياسات التعليم، والسياسات الإعلامية، والسياسات الأمنية كلها مجتمعة كان لا بد لها أن تؤدي إلى هذه النتيجة الحتمية من تراجع في المستوى الفكري والثقافي، أو ابتعاد كلي عن القراءة.

السياسات والنظم التعليمية

مما لا شك فيه أن وزارة التربية ومنذ السبعينيات وبسياساتها "المرتجلة" و"غير المدروسة" كان لها دور كبير في هذا الوضع، وسأضرب بعض الأمثلة مع التأكيد أن هناك الكثير منها ، والكثير جدًا.
- سياسة التعليم لأجل الوظيفة؛ حيث ساهمت هذه السياسة في حرمان قطاع كبير من الشباب العماني من الحصول على شهادات جامعية وأكاديمية، فكانت السلطنة "تتخبط" في ما يسمى بالتعليم المهني، فكانت هناك ثانوية تجارية، وأخرى صناعية، وتارة زراعية، ومرة تدريب مهني، وكان الطالب الذي ينهي الإعدادية بعلامات دونية لا يحق له الدخول في الصفوف الثانوية، ويتم ترحيله إلى مدارس ثانوية مهنية، فيحرم من الجامعة، ويتخرّج الطالب من هذه المدارس "عاملا" -وأنا افتخر بكل عامل لأني أراه مجاهدًا كما وصفه الإسلام- لا يملك حصانة علمية، ولا ثقافة كبيرة، تساعده في إيجاد وظائف أفضل وإن كان خارج البلد، أو الحصول على خلفية علمية تعينه في تربية أبنائه وتثقيفهم، فحرمت السلطنة من تخريج أجيال كان يمكن لها أن تكون نواة علمية، وذخيرة ثقافية تنهض بالبلد باكراً، بدلاً من أن تتحول هذه الأجيال إلى مجرد "طلاب" رزق همهم توفير القوت ( مع عدم الاستهانة بذلك).
يشار إلى أنه نتيجة لهذه السياسة فإن من يدخل سلك التعليم هم مخرجات الثانوية غير المتفوقين ممن لم يحصلوا على فرص جامعية!!
كان يمكن تخريج جامعيين كثر، ومثقفين كثر، لو سمحت لهم الوزارة بمواصلة تعليمهم الثانوي، وكان الأجدى - في حال عدم استطاعة الحكومة توفير وظائف برواتب جامعية- أن نرى عمالاً يحملون شهادات جامعية، لأنّهم سيكونون عوناً لأبنائهم، وطاقة جبارة للبلد مهما كانت وظائفهم، فالعلم سلاح جبار ينهض بالمجتمعات والأوطان، وليس مجرد وسيلة للحصول على المال.

الكتاب الغائب

ظل الكتاب -عدا المدرسي- غائبًا عن الطلبة، ولم تحاول الوزارة إيجاد وسائل ومحفزات وأساليب لتشجيع طلبة المدارس الابتدائية والإعدادية على القراءة، وعلى تداول الكتاب، وعلى كيفية اختيار الكتاب.ظل الكتاب مغيباً عن المدارس، وكانت المدارس لا تحوي مكتبات قد يلجأ لها من يريد الكتاب، وإن وجدت في "بعض" المدارس مكتبة، فستكون مكتبة "مغبرة" و"فقيرة" تعبأ بإصدارات وزارة التراث القومي، وكأن الطلبة مطلوب منهم قراءة أمثالها نوعاً وعددًا، وبالكاد تجد عليها مشرفًا، وإن وجد فستكون المكتبة مسؤوليته الثانوية التي لا يجد لها وقتًا. تغييب الوزارة للكتاب، عوّد الطالب على تغييب القراءة، وبالتالي غاب التفكير، وغابت الثقافة، فكان الفراغ -وما يستتبعه من ممارسات سلبية- البديل الجاهز.

المناهج المتأرجحة
 
الوزارة بمهارتها في "التخبط" جعلت مستوى المناهج - فيما يخص نصوص الأدب والفكر- هابطاً جداً، فمنذ أيام المناهج القطرية التي طبقت في بدايات التعليم بعمان، ومروراً ببدايات المناهج العمانية وانتهاءً بما نحن فيه، ظلت المناهج في نزول مستمر في مستواها -إلا ما ندر- ، ونظرة سريعة لهذه المناهج ستجعل المتفحص لها يضع يده على أوجه خلل عديدة، وسيرتفع ضغط المتفحص حالما يرى كم هبط مستوى هذه المناهج تدريجياً بحيث يتخرج طالب الإعدادية وهو لا يعرف أسماء أدباء ومفكرين كان طالب الابتدائية أيام المناهج القطرية يحفظ نصوصهم فضلاً عن أسمائهم وتاريخهم.

الإعلام
كان للإعلام أيضاً دور كبير في وصول العماني لهذه النتيجة الطبيعية. فالإعلام مارس ولا يزال في كثير من الأحايين دورًا ساعد في هذا "التخلف" الذي أشارت إليه الدراستان
                                               
الرقابة العتيدة
فإلى وقت قريب كان الكتاب، وكانت المجلة، وكانت المطبوعات بأشكالها تدخل البلد بعد أن يعمل بها مقص الرقيب تشويهاً ومسخًا.
كنّا نأخذ المجلة فنلاحظ فيها عدداً من الصفحات الناقصة، أو صفحة تم تقطيع نصفها.وكنا نسأل المكتبة عن كتاب معين، أو عدد معين لمجلة، فيأتي الجواب أن الرقابة منعت العنوان الفلاني، والعدد الفلاني.
كانت لي تجربة في الثمانينيات إذ كنت أساعد صاحب مكتبة في النهوض بها، وكنّا نعاني الأمرّين والثلاثة والعشرة في سبيل إنقاذ كتاب من أعين الرقيب، وكنّا نعرف أن الرقيب الفلاني إذا أتى فسيمنع عناوين معينة، في حين لو أتى آخر فسيكون المنع لعناوين أخرى.
كان لاجتهادات الرقيب ومزاجه أثرًا في منع مجلة أو كتاب، ولكن ظلت الوزارة هي صاحبة إعطاء الرقيب هذا الحق الذي كان يستمتع بممارسته.
والشيء بالشيء يذكر فإن وزارة التراث القومي والثقافة ساهمت بنفس الدور في الأشرطة السمعية والبصرية، ولم تكن تقلّ عن وزارة الإعلام في ترسيخ ما وصلنا إليه.

تغييب الوعي بالكتاب والثقافة

 فالإعلام كله - المقروء والمسموع والمرئي- تجاهل الجانب الثقافي وتنميته في المواطن، وكانت المساحات المعطاة لهذا الجانب قليلة جدًا، ففي الجرائد تشاهد صفحة ثقافية أسبوعية يتيمة، وفي التلفزيون أو الإذاعة كانت الثقافة شبه مغيّبة إلا على استحياء، ولم يمارس الإعلام دورًا يذكر في النهوض بهذا الجانب إطلاقاً ورفع مستوى وعي المواطن الثقافي والفكري بل كانت المنوعات والتسالي والرياضة هي سيدة الميدان في كل الإعلام العماني، فساهمت في "تردّي" الذوق، و"تمييع" الاهتمامات، و"إنزال" المستوى. ولا يجب أن ينسى أيضاً ما قام به الإعلام الديني في خطابه الإعلامي و"الجمعوي" والمسجدي" من التركيز على تخويف العباد من النار والجحيم، وما يرافق القبر من عذاب أليم، بغية إشغاله بهموم النار والنعيم، فأصبح القارئ من شدة الخوف سقيماً، وأصبحت حياته في بلاء عظيم.

الرقابة الصحفية
إذ ساهمت العقلية "الأمنية" التي كانت تدير الصحافة من وزارة الإعلام في "زرع" أو "تفعيل" عامل الخوف في دواخل الصحفيين ومديري التحرير وربما بعض رؤساء التحرير أيضاً، فترسخ في نفوسهم مبدأ "الرقابة الذاتية" ، فأصبح الصحفي ومديره ورئيسه أشد رقابة من الرقيب، وصاروا يمنعون حتى المسموح به، ولا زلت أتخيل ذلك اليوم الذي رجع فيه رئيس تحريرنا من "زفة" رتبت لرؤساء التحرير لأنهم تحدثوا "بحماسة" زائدة عن هزيمة منتخبنا آنذاك. حتى الرياضة كان النقد المطلوب فيها له حدود تقررها وزارة الإعلام، ومعها الهيئة الشبابية للرياضة والثقافة آنذاك. وهذه السياسة الرقابية أفقدت الإعلام العماني مصداقيته في عين القارئ، ولم تكن للجرائد العمانية "منزلة" تذكر سوى ما كان فيها من منوعات وتسالٍ وصفحات رسائل القراء المليئة بالغزل والنثر والشعر المتدني في مستواه. وهنا أيضاً الشيء بالشيء يذكر، فتعيينات الصحفيين كانت تخضع للذهنية الأمنية، لا الحرفية، وتجربتي الخاصة جداً كانت الأساس في انسحابي من عالم الصحافة، إذ بقيت أكثر من عشر سنوات انتظر البطاقة الصحفية دون جدوى، ودون إخطاري أو المؤسسة الصحفية التي كنت أعمل بها بالأسباب أو مناقشتها معنا، في حين عاشرت أناساً لا علاقة لهم بالكتابة حصلوا عليها في شهرين وثلاثة، ولولا رئيس التحرير الشجاع آنذاك الذي كان يصر على بقائي لكان غيره قد ركلني خارجاً خوفاً من "الأمن".

التشدد الأمني

هذا الموضوع ساهم ويساهم في "تكريس" الابتعاد عن الاهتمامات الجادة والناهضة بالمجتمع والوطن، فما كان يحدث ولازال من اعتقالات "الرأي" أو ما يمكن تغليفه بعناوين "الأمن" المطاطة، في أوساط المثقفين والمفكرين وأصحاب الآراء الجريئة، يجعل من المستحيل لهذا البلد أن يتقدم وينهض، وما أنا واثق منه أن "زراعة" هذا الخوف، وهذا الهاجس الداخلي، قد تساهم في هجرة العقول النيرة، أو ابتعادها عن ساحات العمل لأجل خدمة البلاد، أو سكوتها على كثير من أوجه الفساد الذي سينشط حتماً في ظل غياب صوت يصرخ عليه ويراقبه. على المعنيين في البلد أن يكونوا أنضج وأوعى من الولوج في هذا المنزلق الخطر، و"الحوار" مع من يختلف معنا، وفتح القنوات معهم ومع غيرهم أنفع للبلد وأجدى، كما أنه من المهم عدم التشكيك في النيات، فما يقوم به المثقفون من أبناء هذا الوطن نابع من حرص وحب لتراب هذه الأرض التي نريدها أن تبقى معطاءة لشعبها الأبي العزيز وإن كان أسلوب بعضهم لا يناسب الجهات الأمنية للبلد، فالحوار الهادئ هو السبيل للوصول إلى نقاط اشتراك، لا التهديدات والاعتقالات التي بدورها تولد ردود أفعال أقسى وأقوى لا تتناسب والمواطن العماني المعروف بتسامحه وهدوئه. وأتصور أنّه من السهولة بمكان التعرف على المغرضين والمندسين من غيرهم من الشرفاء من أبناء هذا الوطن الذين يتحدثون بإخلاص وحب لهذا الوطن وقائده.
المصدر: جريدة الرؤية العمانية والصادرة بتاريخ 7\4\2013م

 

 

الأربعاء، 3 أبريل، 2013

كتب الجيب





 
حينما كنت في المدرسة وتحديدا في المرحلة الإعدادية،  قررت إدارة المدرسة افتتاح مكتبة صغيرة فيها مجموعة من الكتب المتنوعة المواضيع للطلاب الراغبين في القراءة والاستعارة، مستغلين فترة الاستراحة ما بين الحصص الدراسية. تفاجأت بزميل لي يذهب كل فسحة لتلك المكتبة، أحيانا يقرأ، وأحيانا يستعير الكتب. ولم أكن أعرف عنه ذلك من قبل. ذهبت معه عدة مرات، وأحببت الذهاب كل مرة. في البداية كان عدد الطلاب الزائرين للمكتبة قليلا ثم تضاعف العدد كثيرا مع مرور الأيام وأصبح من الصعب القراءة في المكتبة بسبب عدد الطلاب الكثير، كما أنها لم تكن مهيأة لتكون غرفة القراءة في جانب وغرفة الكتب في جانب آخر. وفي الفصل الدراسي الثاني تغير الأمر فقد قررت إدارة المكتبة تقنين الأمر وذلك بغلق الأبواب إلا للأعضاء الذين سجلوا أسماءهم وأصدرت بطاقات عضوية لهم، وضرورة إبرازها في كل مرة يرغبون الدخول إلى المكتبة، إضافة إلى عمل اجتماعات لهم بين الفترة والأخرى. وبالنسبة لي لم أكن أحب التعقيدات كثيرا فلم أعد أذهب للمكتبة بل كنت أنظر إليها كأنها حصن مسور، كذلك صديقي. وربما فعلت إدارة المكتبة  ذلك بسبب فوضى الطلاب أنفسهم أو فقدان العديد من الكتب.
كانت كتب الجيب الصغيرة "الرجل المستحيل"  البوليسبة، والمغامرات، متوفرة في مختلف محلات بيع المواد القرطاسية، كما هي الآن. أحيانا يشتري بعض الأصدقاء تلك الكتب للاستمتاع بالمغامرات والخيال والإثارة الموجودة في تلك القصص. ويقال بأن "اينشتاين" العبقري صاحب النسبية، كان يحب قراءة  القصص البوليسية. أتذكر بوجود كتاب اسمه كليلة ودمنة لابن المقفع الذي يحكي الحكمة على لسان الحيوان، كان جميلا لأنه أقرب ما يكون إلى قلب الصغار، مع تبسيط وشرح للمفردات. كذلك الكثير من الروايات والقصص الممتعة لأدباء كبار التي غالبا ما تحمل هدفا غير مباشر، كقصة "فرانكشتاين"  "وروبن  هود" و "بيتر بان" على سبيل المثال.
أجد كل يوم أناس شغوفين بالقراءة إلى درجة كبيرة. وعندما أسألهم كيف بدأتم القراءة يقولون بالاستمتاع بها بالكتب البوليسية والمغامرات أيام المدرسة. وأظن من وجهة نظري ، أن تشجيع الطلاب والأطفال على القراءة يبدأ بتوفير الكتب الممتعة والتي تحمل مضامين هادفة كقصص القرآن والقصص الخيالية والمغامرات وقصص الحيوان والقصص الغريبة الهادفة، وتسهيل الحصول على الكتاب في جو ملائم. وغالبا ما يبدأ ذلك ليس من المدرسة وحدها بل من البيت خصوصا عندما يجد الصغار لديهم مكتبتهم الخاصة المتنوعة.



محمد بن سعيد القري
 Zaloo79@yahoo.com

خمسة مصريين وفلسطيني يتقاسمون ثلاث جوائز




                                          مهند صلاحات
 
أعلنت مساء الاثنين، الأول من شهر نيسان الحالي، النتائج الرسمية لمسابقة ديوان العرب التي تم تخصيصها العام الماضي ٢٠١٢ للقصة القصيرة، حيث جاء في بيان وزعته مجلة ديوان العرب أن لجنة التحكيم التي تتكون من أستاذ الأدب العربي في جامعة حلب د. أحمد زياد محبك، والأديب والشاعر المصري إبراهيم سعد الدين، وأستاذ الأدب العربي في جامعة القنيطرة د. مصطفى يعلى، الناقد المغربي د. بوشعيب الساوري، الناقد المغربي د. شعيب حليفي، وأستاذة الأدب العربي في جامعة سيدني الإسترالية د. نجمة حبيب، قد أنهت عملية قراءة وتقييم المجموعات القصصية المشاركة حيث استمرت عملية القراءة والفرز والتقييم لثمانية شهور.

وأوضح الأديب الفلسطيني المقيم في الولايات المتحدة عادل سالم الذي ييتولى رئاسة مجلة ديوان العرب والإشراف العام على المسابقة: أن المجموعات المشاركة بالمسابقة قد قدُمت للجنة التحكيم دون أسماء، لتكون نتائج المسابقة حيادية تماماً، وكانت النتائج التي أعلنت هذا العام فوز خمسة متسابقين من جمهورية مصر العربية بالإضافة لمتسابق واحد من فلسطين، لتكون نتائج المسابقة كالتالي:

في المركز الأول فاز مناصفة كل من القاصان المصريان عبد المؤمن أحمد عبد العال عن مجموعته القصصية ليلة غير عادية، ومصطفى السيد سمير مصطفى عن مجموعته حاري ليلي للسماء، وفي المركز الثاني جاء القاص الفلسطيني مهند صلاحات بمجموعته القصصية "بالنسبة لي" وتقاسمها مناصفة مع القاص المصري أحمد راشد البطل عن مجموعته "وهج"، بينما حل في المركز الثالث كل من القاصتان المصريتان سعدية صديق عن مجموعتها "شهوة خضراء" وتقاسمتها مناصفة مع إيمان أحمد عن مجموعتها "العهد الجديد".

واضاف سالم: اعتمدت المسابقة نظام المشاركة عبر مجموعات قصصية غير منشورة مسبقاً، وأن لا يتجاوز عمر المتسابق فيها الأربعين عاماً، وأن تكون المجموعات المقدمة منقحة لغوياً وإملائياً كشرط لدخولها المنافسة، حيث خصصت ديوان العرب كما اعتادت دائماً في كل مسابقاتها السنوية تقديم درع تكريم للفائزين بالإضافة لجوائز نقدية للمراكز الثلاث الأولى تسلم لهم في احتفالية تقام عادة في العاصمة المصرية.