الثلاثاء، 31 مارس، 2015

التحدي الأشد



"إن كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة، والمهم بالنسبة للكاتب اكتشاف تلك التقنية. فعلى الدوام القصة موجودة، لكنها غير متاحة لشحيحي الخيال، إنها هناك تحت القشور والمظاهر الخادعة للواقع. لكن عثورك على خيط قصتك لا يعني أنك فزت بكل شيء، لأن صياغتها كحكاية جيدة هو التحدي الأشد صعوبة في الأدب عامة، مما يعني أنك بمواجهة ما هو جوهري في فن الإبداع القصصي أو السينمائي، إنها التقنية التي تجعل من القصة قصة وليس أي شيء آخر"


جابرييل جارسيا ماركيز

الأحد، 1 مارس، 2015

ملف مدن الكتب: مدينة الأحلام




قام ريتشارد يوث في عام 1961 بافتتاح مكتبة للكتب المستعملة، مستغلا تراجع سوق الكتب في تلك المدة وإغلاق المكتبات بشراء الكتب وجلبها في حاويات إلى مدينته "هاي أون وياي" في بريطانيا، لتُعرف فيما بعد بمدينة الكتب. مثل هذه المشاريع تشعرنا بفرح غامر ونحن نقرأ عنها، ولكن حين يرتد البصر إلى واقعنا في البلدان العربية وندرة وجود المكتبات العامة التي تسقي عطش المعرفة؛ فإن ذلك كاف كي يحيل الفرح إلى غصة ضمن سلسلة الخيبات المعلقة على رقابنا. حين نفكر في مشروع إقامة مدن للكتب علينا أن نفكر أولا في أن مدن الكتب لن تنشأ في عالم خال من المكتبات أصلا، أي في مجتمع لا يقرأ، والسؤال الأجدى: ليس من سيبادر في إنشاء مدينة الكتب؟، ولكن من سيشارك في فاعلية هذه المدن إذا كان المجتمع لا يمتلك ثقافة القراءة؛ لأنه ببساطة ليست لديه مكتبة ولم تنشأ لديه ثقافة القراءة؟
إن توفر المكتبات العامة وانتشارها ليس مرتبطا بوصول المعلومة فقط في ظل ثورة المعلومات، وإنما يكمن أولا في زرع بذرة القراءة ورعايتها حتى تغدو وارفة كسنديانة في كل عقل. وهو الدور الذي ركنته وزارة التربية والتعليم جانبا، والبكاء يطول في محراب أخطائها.
ولو قمنا بمسح لعدد المكتبات العامة الموجود في السلطنة فإن النتيجة ستكون مخيبة، إذ لا تتجاوز المكتبة العامة التي أنشأتها شركة نفط عمان تحت إدارة ديوان البلاط السلطاني، ومكتبة النادي الثقافي وهي مكتبة نوعية إلى حد ما، ومكتبة الجامع الأكبر التي يمكن حصر مجموعاتها في حقلين أو أكثر، وعدد ضئيل لا يتجاوز أصابع يد واحدة من المكتبات الأهلية. هذه ما يمكن أن نطلق عليها مكتبات مفتوحة للمجتمع، أما مكتبات الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية والخاصة فتلك تخدم شريحة الدارسين في أغلب الأحيان.
إن "مدن الكتب" جملة مغرقة في الرومانسية بالنسبة لواقع الحال لدينا، وهي مناسبة جدا للحالمين بهذه المكتبات، بأن يغمضوا أعينهم ويسبحوا في حلم مدينة للكتب، وعالم مليء بالورق والمعرفة، وبشر يتجادلون في أهمية كتاب أو موضوع ما، وشاعر يتحلق حوله عدد من قرائه، ومثقف يبيع كتبه المستعملة ليستبدل بثمنها كتبا أخرى. لأنهم بأي حال من الأحوال لن يبصروا هذه اللحظة، وربما يبصرها جيل لاحق، فالمعطيات الحالية لا تبشر بمكتبة في مدينة، فما بالك بمدينة للكتب. لذا فمن نافل القول طرق موضوع كهذا، إلا إذا كان صاحب الموضوع/الفكرة حالما أكثر مما ينبغي، أو أنه يتمنى الجمل، كي يتحقق له أكل لحم الأرنب. أما عن تأسيس هذه المدن فإنني سأستبدلها بتأسيس المكتبات العامة، ونشر القراءة، وهنا أتساءل عن دور المؤسسات المعنية بشؤون الثقافة قبل مطالبة الأسر الأهلية بإنشاء هذه المكتبات، كأن تنشئ وزارة التراث والثقافة مكتبات تابعة لفروعها الموجودة في المحافظات، أو تبادر جمعية الكتاب بوضع اللبنة الأساسية لمكتبات صغيرة تتبع فروع الجمعية، تقوم فيما بعد المبادرات الشخصية والمؤسسات الخاصة برفد هذه المكتبات بالكتب أو المال اللازم لشرائها. وهذه أمثلة على إمكانية تأسيس مكتبات يأمها مريدو المعرفة. ولكن العذر دائما أن ذلك ليس من الاختصاص، وهنا أتساءل: أين وصل مشروع المكتبة الوطنية؟ أم أنها ستتحقق في خطة 2050.
وبرأيي إن وجود المكتبات الافتراضية لا يلغي المكتبات الواقعية، ولا يسقط دور الكتاب الورقي في نشر المعرفة، فعلى سبيل المثال كل منا يمتلك جهازا يستطيع بداخله أن يتضمن مقتنيات مكتبة واقعية بشكل رقمي، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك، فبالرغم من الثورة التكنولوجية في مجال نشر المعرفة، لا تزال أممنا لا تقرأ. فالمكتبة الواقعية مجال حقيقي يتيح لك تلمس الصفحات ويعلمك الوصول إلى المعرفة عن طريق البحث المضني عنها. وهي ساحة تفاعلية لتبادل الكتب وتداول الأفكار بين مرتاديها، والاستفادة من أنشطتها المختلفة، هذا بالإضافة إلى دورها التنويري من خلال أنشطتها الثقافية والاجتماعية.
أما المكتبات الخاصة التي تضطلع في بيع الكتب، فهي تكاد تكون غير موجودة، باستثناء المكتبات الشرائية التي يبيع بعضها عددا بسيطا من الكتب، كتلك التي يحتاجها الطلاب، أو الكتب الدينية، ونتفا قليلة من المعارف العامة.
وبما أن رقي الدول يمكن قياسه بمدى تعلم أبنائه، ووجود مكتبات تمدهم بالوقود المعرفي، ليسهموا بالمشاركة في دفع التنمية فإن على القائمين على شأن الثقافة التركيز على إنشاء هذه المكتبات والسعي لتوزيعها على رقعة الوطن، وإن كان بشكل مصغر في بادئ الأمر، إلا أنها ستجد من ينميها ويرعاها. وعلى الإعلام أيضا أن يكون مدماكا يدق غفلة القائمين على الثقافة كي يَرْشُدُوا إلى حاجة البشر للغذاء المعرفي، كما أن مؤشرات تدني القراءة في بلدنا هي نتاج غض الطرف عن دور المكتبات.



علي الفارسي
كاتب عماني

الخميس، 26 فبراير، 2015

ملف مدن الكتب: ثقافةُ مدن الكتب!




إذا نظرنا إلى الظواهر الاجتماعية الحياتية فإننا نجد أن لها وجهين، وجه ظاهري واضح ووجه باطني غير واضح للعيان. الوجه الظاهري هو ما نراه عبر الصور الخارجية المعبرة التي تبرز هوية المجتمع أو الأفراد. أما الوجه الباطني غير الواضح فهو الذي يعطي لتلك الظاهرة صبغة ما أو صورة واضحة المعالم. وهذه الرؤية الاجتماعية تنطبق على معظم التفاصيل الحياتية التي يحركها الوجه الباطني إذ تكمن المعتقدات واتجاهات الأفراد والمجتمعات والأمم وثقافتهم.
نلاحظ في زياراتنا إلى أية مدن أو دول، أن هناك سمات معينة يتصف بها أفراد تلك المدن أو الدول سواء كانت تلك السمات إيجابية أم سلبية. هذه السمات نلمسها عبر تعاملاتهم أو عاداتهم وتقاليدهم أو عن طريق ما يلبسونه أو يتفاخرون به ويمارسونه. لهذا فإن المدن في الدول المتقدمة حينما تقام، فإنها تقام وفق رؤى إنسانية لذلك المجتمع أو لتلك الجماعة. وهذه الرؤى لا تكون وليدة نزوة عابرة أو مشروع آني وإنما هي حصيلة ثقافية تراكمية لتلك المجموعة البشرية. والمدن في تلك الدول تراعي الثقافة الاجتماعية عند تخطيطها وبنائها عكس الدول التي لا تعير للإنسان أية أهمية فهي لا تعطي لثقافة المجتمع أية قيمة ولا تعير لها أي اعتبار، ومن ثم تغلب على تلك المدن الفوضى والعشوائية. ومن هنا نلاحظ أن تغيير اتجاهات أو ثقافات المجتمعات والأفراد ليس بالأمر السهل والهين ما لم تكن هناك خطة وطنية واضحة المعالم والرؤى تتضافر مختلف الجهود من أجل بلورتها وبأسلوب وشكل دقيق ومدروس.
"مدن الكتب" فكرة انطلقت من مخيلة إنسان عاش ضمن مجموعة بشرية آمنت بأهمية الكتاب والكلمة. وهذا الإيمان بأهمية الكتاب والكلمة تبلور في سلوكه فانطلق في بناء مدينته وتخطيطها بأسلوب يعكس ثقافتها الاجتماعية القائمة على تقديس الكتاب. لكن هل من الممكن لمثل هذه الأفكار أن تجد لها مشجعا وداعما في مجتمعات لا تتبنى ثقافة مشابهة؟ هل يمكننا أن نفهم أو نثمن الفكر والكلمة في ظل غياب الإيمان بقيمته الحضارية؟ هل يمكن أن يتضافر أفراد المجتمع صغيرهم وكبيرهم على المشاركة في فعاليات اجتماعية قرائية؟
حينما كنت أدرس في الولايات المتحدة قررنا في السكن الجامعي الذي كنا نعيش فيه أن نقوم بفعالية قرائية. فعلقت الحبال بين المساكن وكلما انتهى أحد افراد المجمع من قراءة كتاب عُلقت أوراق على الحبل تمثل عدد صفحات الكتاب. وقد كان الهدف هو قراءة عدد محدد من صفحات الكتب في مدة زمنية، إلا أننا تخطينا العدد المقرر من الصفحات لأن الأبناء والآباء والأمهات وكبار السن من الزائرين لأبنائهم عاشوا جميعا تجربة القراءة الجماعية. فهل فعالية قرائية مثل تلك ستنجح في مجتمعاتنا؟ هل المجتمع بأكلمه سيكون مستعدا للمشاركة؟ هل سيجد الأطفال آباءهم وأمهاتهم يشاركونهم تلك الفعالية؟ هل سيكون الكتاب متوفرا لدى الجميع؟ إن عدم نجاح فعالية قرائية كتلك (على سبيل المثال) لا يشير الى أن هناك خللا في الأفراد، بل في النظام التعليمي الاجتماعي الذي لم يغرس أهمية الكتاب كركن أساسي من حياة أفراد المجتمع. فالكتاب في حياتنا لم يكن ينظر إليه إلا لحفظ مادة دراسية من أجل اجتياز امتحان مدرسي، ولم نعرف أن للكتب أوجها أخرى كصديق أو رفيق. إن ثقافة الأمة هي التي تصنع مدناً حية للكتب أو للقيم وما تلك المظاهر سوى الصورة البارزة لتلك الثقافة. فمن أجل أن نبني مدينة كتبٍ حية تتألق فلابد أن نحيي ثقافة ونغير اتجاهات ومن أجل ذلك لابد أن نعيد النظر!


د/فاطمة بنت أنور اللواتية

كاتبة عمانية

الثلاثاء، 10 فبراير، 2015

والسؤال




والسؤال: لماذا تبدأ حملات الهجوم الشرسة ما أن يُغلبُ أحد المنابر الثقافية كفة الكتابة العربية على كفة ما هو محلي، وهذا المحلي مستمر في التنائي والتقلص وعندما يأتي معرض الكتاب السنوي، نتفاجأ بالكم الهائل من الكتب الحديثة العُمانية، وأصحابها يختبئون طوال العام في الظل!



هدى الجهوري من مقال تعمين "الشللية" والمنشور في جريدة عمان

الأحد، 8 فبراير، 2015

مدينة الكتب









نخطط لمدننا بعناية حتى لا تفتقد لشيء من الأشياء التي نحتاجها والتي تعكس درجة التطور في الحياة التي وصلنا إليها، لكننا نمضي في تخطيطنا وننسى المكتبات العامة التي يحتاجها هؤلاء السكان فهم ليسوا مخلوقات استهلاكية فقط، يحتاجون للغذاء الجسدي فقط لكنهم يحتاجون للغذاء الفكري الذي ينهض بهممهم ويزيد من وعيهم، ويحرك الإبداع بداخلهم ألا يمكن في ظل التخصصية التي نخطط بها مدننا أن نخصص مدينة للكتب؟ قد يقول قائل هل نبني مدينة للكتاب عندما أصبح لدينا المكتبة الالكترونية يحملها الإنسان معه أينما ذهب؟ ولكن هل يفقد الكتاب قيمته في ظل التطور التكنولوجي ما الذي يحرك عمل دور النشر الكبيرة في العالم مثل "أمازون"؟ أليس الجديد من الكتب التي تنشر في مختلف أنحاء العالم؟ نحن أولى بتأسيس مدينة للكتب التي ربما يعتقد البعض أن من المحال أن توجد في هذا العالم الذي أصبح فيه الإنسان منجذباً للسوق والترفيه أكثر من انجذابه للمكتبة والكتاب، ولكن هذه المدينة موجودة بالفعل وتسمى مدينة "هاي أون واي". تقع هذه المدينة على ضفاف نهر واي في بوويز بويلز في بريطانيا، وبدأت قصتها مع الكتب في عام 1961 عندما افتتح ريتشارد يوث أول مكتبة للكتب المستعملة في حيه، إذ استثمر هذا الرجل تراجع سوق الكتب في الولايات المتحدة خلال تلك المدة حيث أغلقت مجموعة من المكتبات، فعمل على شراء الكتب وشحنها في حاويات إلى المدينة، مما زاد من انتشار الكتب في مختلف أنحاء المدينة، وجعلها تكتسب شهرة عالمية حتى حظيت بلقب "مدينة الكتب" في السبعينيات، مما زاد من دورها السياحي في المملكة المتحدة فهي تستقبل اليوم حوالي نصف مليون سائح سنوياً يبحثون عن أفضل الأسعار عبر أكثر من 40 مكتبة، كما أنهم يقصدون مهرجان "هاي للآداب والفنون" الذي يجلب 80 ألف كاتب وناشر وداعم للآداب من جميع أنحاء العالم كل عام، هذا المهرجان يعقد في نهاية شهر مايو من كل عام، واستقطب خلال تاريخه أشهر المفكرين مثل سلمان رشدي وديفيد سايمون، وشهد في عام 2001 حضور رئيس الولايات المتحدة الأسبق بيل كلينتون، وبالتالي يبرز منه التخصصية في النهوض بالمدن من خلال تميزها بمهرجان مختلف تماما عن المهرجانات التي تعقد في دول العالم الأخرى. ومن أشهر وأغرب مكتبات المدينة مكتبة أطلق عليها اسم "مكتبة الثقة" وهي عبارة عن رفوف منتشرة في أرجاء المدينة لا يحرسها أحد ويقوم المشتري باختيار الكتب التي يريدها ووضع المال في صندوق البريد، أنها مكتبة تؤكد على السمو الأخلاقي الذين يفترض أن يصاحب السمو الفكري، هل يمكن أن نحاكي هذه المدينة بمدنية أخرى في عمان، البلد الذي لا أحد يستطيع أن يحصي عدد مؤلفات علمائه الفكرية؟ الإجابة على هذا السؤال ليست صعبة نحتاج فقط الإرادة لعمل شيء مميز يحقق أهداف ثقافية واقتصادية في الوقت نفسه.


د سيف بن ناصر المعمري
كلية التربية
جامعة السلطان قابوس

الأربعاء، 14 يناير، 2015

القراءة والحياة





عندما تقرأ كتابا كبيرا، فأنت لا تهرب من الحياة، بل تتورط فيها عميقاً. قد يكون هناك هروب سطحي- إلى دول اخرى، عادات، انماط حديث- لكن ما تقوم به أنك توسع فهمك للنواحي الرقيقة في الحياة، لتناقضاتها، لمتعها، لآلامها وحقائقها. القراءة والحياة ليستا منفصلتين لكن متكاملتان.

جوليان بارنز، كاتب روائي من بريطانيا

الاثنين، 5 يناير، 2015

أسنان الوقت، وأمشاط الأيّام



 
                                      عبدالرزّاق الربيعي



لا أعرف لماذا اعتدنا النهوض في الصباحات الأولى من كلّ عام ، منشرحين، مقبلين على الحياة بحماس أكبر، لكن هذا الشعور يتراجع شيئا، فشيئا، ويصل إلى النصف تقريبا، بعد أيّام ثم يتلاشى النصف الثاني من هذا الشعور تماما بعد أسابيع ، ونختم عليه بالشمع الأحمر بعد انتهاء الشهرالأول، أو الثاني، أوالثالث بالكثير، وبذلك يتلاشى تماما شعورنا الجميل الذي غمرنا في الصباح الأوّل، وهو يشبه شعورالتلميذ الذي يلتحق بسنة دراسيّة جديدة، بعد شهور العطلة الصيفيّة ، رغم أنّ بين عشية يوم 31 ديسمبر وصباح اليوم الأول من يناير مجرّد ساعات ، لكنّ الاختلاف في الشعور الذي يشبه وضع نقطة آخر السطر، ثم البدء بسطر جديد، هذا السطرهو اليوم الأول من العام الجديد ، ففيه ننهض متخفّفين من مشاعرنا السلبيّة ، ناظرين إلى المستقبل بعيون مفتوحة، مترعة بالأمل. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: كم سنكسب، وسننجز من أعمال لوحافظنا على هذا الشعور، طوال أيّام العام؟ بالتأكيد الكثير، و هو ليس بالأمر الصعب، ففي مقدور كلّ واحد منّا أن يفعل ذلك، وهذا لا يكون إلا إذا جعلنا كلّ يوم هو اليوم الأوّل من السنة، ونستقبل صباحه، كما استقبلنا صباح اليوم الأوّل من السنة، وعلينا مقاومة الوقوع في دوّامة التكرار ،فهذا هو الذي يفقدنا الإحساس بقيمة الزمن، بل يجعله يمرّ ثقيل الخطى، وكأنّ الدقائق ،والأيّام ،والأسابيع ،والشهور ، ليست مستقطعة من أعمارنا ! فالحياة ليست سوى تلك الثواني ،والدقائق، والأيّام ،والأسابيع ،والشهور،والسنين، والساعة التي نفرّط بها من أعمارنا دون عمل هي خسارة ، وحركة الزمن مستمرّة في كلّ الأحوال ، وهراقليطس يقول:« إنك لا تنزل في النهر الواحد الجاري مرّتين، فهناك مياه تسير به باستمرار» فاستنبط من مقولته الدارسون قانون «التبدل والتغيّر» ، فكلّ شيء حولنا رهن لحركة مستمرّة ، وإذا لم نستثمر الوقت بعمل نافع نكون قد وقعنا في فخ التكرار ، والملل، والسأم، وفي الأثر «من تساوى يوماه، فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه، فهو ملعون ، ومن لم يكن على الزيادة، فهو في النقصان »
ويوصي خبراء التنمية البشريّة كلّ فرد بوضع خطّة سنويّة ، تغطّي كلّ جوانب الحياة بانتظام : الماديّة ، والروحيّة ،والعائليّة ، والاجتماعيّة ، والوظيفيّة ،والترفيهيّة ، مؤكّدين على ضرورة كتابة الأهداف المأمولة في هذه الجوانب، على أن يتمّ شطب كلّ هدف يتمّ تحقيقه لاحقا، ويفضّلون الاستعانة بصور لتعزيز هذه الرؤية، نظرا لأهمّيّة الصور في برمجة العقل الباطن ، وتعزيز الجوانب الايجابية، وتغذيّتها ، وبالتالي تنعكس هذه البرمجة على الحياة، ولتسهيل كلّ هذا ، يوصون بكتابة تلك الخطة ،والأهداف على « بوستر» يجمعها مع وضع تاريخ تقريبي لتنفيذها ، كما يؤكّد الخبراء على وضع أهداف لكلّ أسبوع، وشهر ، فالتخطيط من الأمور التنظيميّة التي يغفل الكثيرون عنها ،فإذا وضع كلّ واحد منّا مثل هذه الخطّة ،في العمل، والحياة العامّة، سنتجاوز الكثير من الأمور التي تشتّت الذهن، وكلما تشتّت تركيزنا لظرف ما ، نستطيع استعادته بالرجوع إلى «بوستر الأهداف »،وهناك برامج خاصّة تستخدمها الشركات، والأشخاص الناجحون، يبدأ العمل بها ، من المراحل التعليميّة الأولى ، في المدارس، وللأسف هذه البرامج نفتقدها نحن العرب ، ولا تلتفت لها مناهجنا التعليميّة في مدارسنا ، فمن الطبيعي أن الكثير من تفاصيل حياتنا ، تخضع للعشوائيّة ، والارتجال ، وما دمنا في بداية سنة جديدة ، من الضروري ، رسم خطط تشغيليّة نجوّد من خلالها عملنا ، ونرتقي بحياتنا إلى الأفضل ،وإلّا سنظلّ ندور في فلك التخبّط ، ودوّامة التكرار، ورتابة الأيّام التي تشبه أسنان المشط !!
 
المصدر جريدة عمان