الخميس، 26 فبراير، 2015

ثقافةُ مدن الكتب!




إذا نظرنا إلى الظواهر الاجتماعية الحياتية فإننا نجد أن لها وجهين، وجه ظاهري واضح ووجه باطني غير واضح للعيان. الوجه الظاهري هو ما نراه عبر الصور الخارجية المعبرة التي تبرز هوية المجتمع أو الأفراد. أما الوجه الباطني غير الواضح فهو الذي يعطي لتلك الظاهرة صبغة ما أو صورة واضحة المعالم. وهذه الرؤية الاجتماعية تنطبق على معظم التفاصيل الحياتية التي يحركها الوجه الباطني إذ تكمن المعتقدات واتجاهات الأفراد والمجتمعات والأمم وثقافتهم.
نلاحظ في زياراتنا إلى أية مدن أو دول، أن هناك سمات معينة يتصف بها أفراد تلك المدن أو الدول سواء كانت تلك السمات إيجابية أم سلبية. هذه السمات نلمسها عبر تعاملاتهم أو عاداتهم وتقاليدهم أو عن طريق ما يلبسونه أو يتفاخرون به ويمارسونه. لهذا فإن المدن في الدول المتقدمة حينما تقام، فإنها تقام وفق رؤى إنسانية لذلك المجتمع أو لتلك الجماعة. وهذه الرؤى لا تكون وليدة نزوة عابرة أو مشروع آني وإنما هي حصيلة ثقافية تراكمية لتلك المجموعة البشرية. والمدن في تلك الدول تراعي الثقافة الاجتماعية عند تخطيطها وبنائها عكس الدول التي لا تعير للإنسان أية أهمية فهي لا تعطي لثقافة المجتمع أية قيمة ولا تعير لها أي اعتبار، ومن ثم تغلب على تلك المدن الفوضى والعشوائية. ومن هنا نلاحظ أن تغيير اتجاهات أو ثقافات المجتمعات والأفراد ليس بالأمر السهل والهين ما لم تكن هناك خطة وطنية واضحة المعالم والرؤى تتضافر مختلف الجهود من أجل بلورتها وبأسلوب وشكل دقيق ومدروس.
"مدن الكتب" فكرة انطلقت من مخيلة إنسان عاش ضمن مجموعة بشرية آمنت بأهمية الكتاب والكلمة. وهذا الإيمان بأهمية الكتاب والكلمة تبلور في سلوكه فانطلق في بناء مدينته وتخطيطها بأسلوب يعكس ثقافتها الاجتماعية القائمة على تقديس الكتاب. لكن هل من الممكن لمثل هذه الأفكار أن تجد لها مشجعا وداعما في مجتمعات لا تتبنى ثقافة مشابهة؟ هل يمكننا أن نفهم أو نثمن الفكر والكلمة في ظل غياب الإيمان بقيمته الحضارية؟ هل يمكن أن يتضافر أفراد المجتمع صغيرهم وكبيرهم على المشاركة في فعاليات اجتماعية قرائية؟
حينما كنت أدرس في الولايات المتحدة قررنا في السكن الجامعي الذي كنا نعيش فيه أن نقوم بفعالية قرائية. فعلقت الحبال بين المساكن وكلما انتهى أحد افراد المجمع من قراءة كتاب عُلقت أوراق على الحبل تمثل عدد صفحات الكتاب. وقد كان الهدف هو قراءة عدد محدد من صفحات الكتب في مدة زمنية، إلا أننا تخطينا العدد المقرر من الصفحات لأن الأبناء والآباء والأمهات وكبار السن من الزائرين لأبنائهم عاشوا جميعا تجربة القراءة الجماعية. فهل فعالية قرائية مثل تلك ستنجح في مجتمعاتنا؟ هل المجتمع بأكلمه سيكون مستعدا للمشاركة؟ هل سيجد الأطفال آباءهم وأمهاتهم يشاركونهم تلك الفعالية؟ هل سيكون الكتاب متوفرا لدى الجميع؟ إن عدم نجاح فعالية قرائية كتلك (على سبيل المثال) لا يشير الى أن هناك خللا في الأفراد، بل في النظام التعليمي الاجتماعي الذي لم يغرس أهمية الكتاب كركن أساسي من حياة أفراد المجتمع. فالكتاب في حياتنا لم يكن ينظر إليه إلا لحفظ مادة دراسية من أجل اجتياز امتحان مدرسي، ولم نعرف أن للكتب أوجها أخرى كصديق أو رفيق. إن ثقافة الأمة هي التي تصنع مدناً حية للكتب أو للقيم وما تلك المظاهر سوى الصورة البارزة لتلك الثقافة. فمن أجل أن نبني مدينة كتبٍ حية تتألق فلابد أن نحيي ثقافة ونغير اتجاهات ومن أجل ذلك لابد أن نعيد النظر!


د/فاطمة بنت أنور اللواتية

كاتبة عمانية

الثلاثاء، 10 فبراير، 2015

والسؤال




والسؤال: لماذا تبدأ حملات الهجوم الشرسة ما أن يُغلبُ أحد المنابر الثقافية كفة الكتابة العربية على كفة ما هو محلي، وهذا المحلي مستمر في التنائي والتقلص وعندما يأتي معرض الكتاب السنوي، نتفاجأ بالكم الهائل من الكتب الحديثة العُمانية، وأصحابها يختبئون طوال العام في الظل!



هدى الجهوري من مقال تعمين "الشللية" والمنشور في جريدة عمان

الأحد، 8 فبراير، 2015

مدينة الكتب









نخطط لمدننا بعناية حتى لا تفتقد لشيء من الأشياء التي نحتاجها والتي تعكس درجة التطور في الحياة التي وصلنا إليها، لكننا نمضي في تخطيطنا وننسى المكتبات العامة التي يحتاجها هؤلاء السكان فهم ليسوا مخلوقات استهلاكية فقط، يحتاجون للغذاء الجسدي فقط لكنهم يحتاجون للغذاء الفكري الذي ينهض بهممهم ويزيد من وعيهم، ويحرك الإبداع بداخلهم ألا يمكن في ظل التخصصية التي نخطط بها مدننا أن نخصص مدينة للكتب؟ قد يقول قائل هل نبني مدينة للكتاب عندما أصبح لدينا المكتبة الالكترونية يحملها الإنسان معه أينما ذهب؟ ولكن هل يفقد الكتاب قيمته في ظل التطور التكنولوجي ما الذي يحرك عمل دور النشر الكبيرة في العالم مثل "أمازون"؟ أليس الجديد من الكتب التي تنشر في مختلف أنحاء العالم؟ نحن أولى بتأسيس مدينة للكتب التي ربما يعتقد البعض أن من المحال أن توجد في هذا العالم الذي أصبح فيه الإنسان منجذباً للسوق والترفيه أكثر من انجذابه للمكتبة والكتاب، ولكن هذه المدينة موجودة بالفعل وتسمى مدينة "هاي أون واي". تقع هذه المدينة على ضفاف نهر واي في بوويز بويلز في بريطانيا، وبدأت قصتها مع الكتب في عام 1961 عندما افتتح ريتشارد يوث أول مكتبة للكتب المستعملة في حيه، إذ استثمر هذا الرجل تراجع سوق الكتب في الولايات المتحدة خلال تلك المدة حيث أغلقت مجموعة من المكتبات، فعمل على شراء الكتب وشحنها في حاويات إلى المدينة، مما زاد من انتشار الكتب في مختلف أنحاء المدينة، وجعلها تكتسب شهرة عالمية حتى حظيت بلقب "مدينة الكتب" في السبعينيات، مما زاد من دورها السياحي في المملكة المتحدة فهي تستقبل اليوم حوالي نصف مليون سائح سنوياً يبحثون عن أفضل الأسعار عبر أكثر من 40 مكتبة، كما أنهم يقصدون مهرجان "هاي للآداب والفنون" الذي يجلب 80 ألف كاتب وناشر وداعم للآداب من جميع أنحاء العالم كل عام، هذا المهرجان يعقد في نهاية شهر مايو من كل عام، واستقطب خلال تاريخه أشهر المفكرين مثل سلمان رشدي وديفيد سايمون، وشهد في عام 2001 حضور رئيس الولايات المتحدة الأسبق بيل كلينتون، وبالتالي يبرز منه التخصصية في النهوض بالمدن من خلال تميزها بمهرجان مختلف تماما عن المهرجانات التي تعقد في دول العالم الأخرى. ومن أشهر وأغرب مكتبات المدينة مكتبة أطلق عليها اسم "مكتبة الثقة" وهي عبارة عن رفوف منتشرة في أرجاء المدينة لا يحرسها أحد ويقوم المشتري باختيار الكتب التي يريدها ووضع المال في صندوق البريد، أنها مكتبة تؤكد على السمو الأخلاقي الذين يفترض أن يصاحب السمو الفكري، هل يمكن أن نحاكي هذه المدينة بمدنية أخرى في عمان، البلد الذي لا أحد يستطيع أن يحصي عدد مؤلفات علمائه الفكرية؟ الإجابة على هذا السؤال ليست صعبة نحتاج فقط الإرادة لعمل شيء مميز يحقق أهداف ثقافية واقتصادية في الوقت نفسه.


د سيف بن ناصر المعمري
كلية التربية
جامعة السلطان قابوس

الأربعاء، 14 يناير، 2015

القراءة والحياة





عندما تقرأ كتابا كبيرا، فأنت لا تهرب من الحياة، بل تتورط فيها عميقاً. قد يكون هناك هروب سطحي- إلى دول اخرى، عادات، انماط حديث- لكن ما تقوم به أنك توسع فهمك للنواحي الرقيقة في الحياة، لتناقضاتها، لمتعها، لآلامها وحقائقها. القراءة والحياة ليستا منفصلتين لكن متكاملتان.

جوليان بارنز، كاتب روائي من بريطانيا

الاثنين، 5 يناير، 2015

أسنان الوقت، وأمشاط الأيّام



 
                                      عبدالرزّاق الربيعي



لا أعرف لماذا اعتدنا النهوض في الصباحات الأولى من كلّ عام ، منشرحين، مقبلين على الحياة بحماس أكبر، لكن هذا الشعور يتراجع شيئا، فشيئا، ويصل إلى النصف تقريبا، بعد أيّام ثم يتلاشى النصف الثاني من هذا الشعور تماما بعد أسابيع ، ونختم عليه بالشمع الأحمر بعد انتهاء الشهرالأول، أو الثاني، أوالثالث بالكثير، وبذلك يتلاشى تماما شعورنا الجميل الذي غمرنا في الصباح الأوّل، وهو يشبه شعورالتلميذ الذي يلتحق بسنة دراسيّة جديدة، بعد شهور العطلة الصيفيّة ، رغم أنّ بين عشية يوم 31 ديسمبر وصباح اليوم الأول من يناير مجرّد ساعات ، لكنّ الاختلاف في الشعور الذي يشبه وضع نقطة آخر السطر، ثم البدء بسطر جديد، هذا السطرهو اليوم الأول من العام الجديد ، ففيه ننهض متخفّفين من مشاعرنا السلبيّة ، ناظرين إلى المستقبل بعيون مفتوحة، مترعة بالأمل. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: كم سنكسب، وسننجز من أعمال لوحافظنا على هذا الشعور، طوال أيّام العام؟ بالتأكيد الكثير، و هو ليس بالأمر الصعب، ففي مقدور كلّ واحد منّا أن يفعل ذلك، وهذا لا يكون إلا إذا جعلنا كلّ يوم هو اليوم الأوّل من السنة، ونستقبل صباحه، كما استقبلنا صباح اليوم الأوّل من السنة، وعلينا مقاومة الوقوع في دوّامة التكرار ،فهذا هو الذي يفقدنا الإحساس بقيمة الزمن، بل يجعله يمرّ ثقيل الخطى، وكأنّ الدقائق ،والأيّام ،والأسابيع ،والشهور ، ليست مستقطعة من أعمارنا ! فالحياة ليست سوى تلك الثواني ،والدقائق، والأيّام ،والأسابيع ،والشهور،والسنين، والساعة التي نفرّط بها من أعمارنا دون عمل هي خسارة ، وحركة الزمن مستمرّة في كلّ الأحوال ، وهراقليطس يقول:« إنك لا تنزل في النهر الواحد الجاري مرّتين، فهناك مياه تسير به باستمرار» فاستنبط من مقولته الدارسون قانون «التبدل والتغيّر» ، فكلّ شيء حولنا رهن لحركة مستمرّة ، وإذا لم نستثمر الوقت بعمل نافع نكون قد وقعنا في فخ التكرار ، والملل، والسأم، وفي الأثر «من تساوى يوماه، فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه، فهو ملعون ، ومن لم يكن على الزيادة، فهو في النقصان »
ويوصي خبراء التنمية البشريّة كلّ فرد بوضع خطّة سنويّة ، تغطّي كلّ جوانب الحياة بانتظام : الماديّة ، والروحيّة ،والعائليّة ، والاجتماعيّة ، والوظيفيّة ،والترفيهيّة ، مؤكّدين على ضرورة كتابة الأهداف المأمولة في هذه الجوانب، على أن يتمّ شطب كلّ هدف يتمّ تحقيقه لاحقا، ويفضّلون الاستعانة بصور لتعزيز هذه الرؤية، نظرا لأهمّيّة الصور في برمجة العقل الباطن ، وتعزيز الجوانب الايجابية، وتغذيّتها ، وبالتالي تنعكس هذه البرمجة على الحياة، ولتسهيل كلّ هذا ، يوصون بكتابة تلك الخطة ،والأهداف على « بوستر» يجمعها مع وضع تاريخ تقريبي لتنفيذها ، كما يؤكّد الخبراء على وضع أهداف لكلّ أسبوع، وشهر ، فالتخطيط من الأمور التنظيميّة التي يغفل الكثيرون عنها ،فإذا وضع كلّ واحد منّا مثل هذه الخطّة ،في العمل، والحياة العامّة، سنتجاوز الكثير من الأمور التي تشتّت الذهن، وكلما تشتّت تركيزنا لظرف ما ، نستطيع استعادته بالرجوع إلى «بوستر الأهداف »،وهناك برامج خاصّة تستخدمها الشركات، والأشخاص الناجحون، يبدأ العمل بها ، من المراحل التعليميّة الأولى ، في المدارس، وللأسف هذه البرامج نفتقدها نحن العرب ، ولا تلتفت لها مناهجنا التعليميّة في مدارسنا ، فمن الطبيعي أن الكثير من تفاصيل حياتنا ، تخضع للعشوائيّة ، والارتجال ، وما دمنا في بداية سنة جديدة ، من الضروري ، رسم خطط تشغيليّة نجوّد من خلالها عملنا ، ونرتقي بحياتنا إلى الأفضل ،وإلّا سنظلّ ندور في فلك التخبّط ، ودوّامة التكرار، ورتابة الأيّام التي تشبه أسنان المشط !!
 
المصدر جريدة عمان

 

الأربعاء، 3 ديسمبر، 2014

من باب الغيرة. ثقافيًا



محمد الرحبي

alrahby@gmail.com
 

في معرض كتاب ستتأمل جناح دولة، ولنقل دولة شقيقة حيث إن خطابنا الموجه يكره المقارنات باعتبار أنه لا يفترض أن نقارن أنفسنا بأحد، علوًا ومجدًا، .. ذلك الجناح يمكن رؤية تميزه بما حظي به من اهتمام فني وجمالي، ما أن تقترب منه حتى يستقبلك أحدهم بترحيب بالغ، يدعوك للدخول وتناول القهوة، لتكتشف أن الدعوة أبعد من كل واجبات الضيافة التي يقدمونها لك، هناك ندوة في الجزء الاعلى من الجناح، ستجد جلسة انيقة تحتفي بعلم من اعلامهم في الفن التشكيلي، حسب جدول ندوات يومي وتعقبه قراءة قصصية أو شعرية، تكتب وسائل الاعلام عن كل ذلك.
في جناحنا العماني لا تلمح الفرق بينه وأي جناح عادي، فقط هناك دلة القهوة والحلوى وربما التمر.. عارضون يعبثون بهواتفهم النقالة، يرفعون رؤوسهم إذا سألهم أحد عن شيءٍ ما.. الكتب على الطاولة والهدف التخلص من الشحنة ولو بالتوزيع المجاني، الحصة المتبقية للسفارة العمانية في تلك الدولة وفق ما تقتضيه طبيعة المهمة.. أن لا تعود الكتب مشحونة في رحلة الاياب.
كما أن هناك زهدا وجدته للتحدث مع وسائل الاعلام حيث لا يرغب أحد الخروج من علبته المعتادة للتحدث عن الرسالة الحضارية التي جاء بها؛ ربما لأن علاقته بما أتى به، كتبرير وظيفي على الأقل، ضعيفة جدا، فقد ارتأت جهات حكومية ان ترسل إلى أجنحتها الخارجية موظفين من مديريات مختلفة، لتقسيم الكعكة على أكبر عدد من الموظفين قدر الإمكان، أكان محاسبًا أو مراسلاً.. (أهم شيءٍ النية).فعاليات ومشاركات وايام ثقافية هنا وهناك.. الهدف منها وضع تقرير يؤكد دسامتها، بتعبيرات ضخمة، إبراز الموروث العماني العظيم، ثقافة التسامح، التاريخ الموغل في القدم.
تلك الفعاليات أصبح من أبرز ملامحها (المعتادة) فتاة تنقش الحنا على أيدي الزوار.. سيقولون لك أن المعرض يجسد التاريخ العماني العريق.. ستتجنب سؤال نفسك عن التاريخ الذي نقدمه عن طريق الحنا وملء أفواه الزوار بالحلوى العمانية، كما سيغيب صوتك بين قارعي الطبول باعتبار أن الطبول جذبت مئات الزوار إلى ساحة العرض، وكم تبدو جميلة صورة أجنبي استطرب فرقص مع الفرقة القادمة من بلادنا.
أيها المسؤولون: فكروا في ثقافتنا وحضارتنا كما تفكرون في رحلات تغيير الجو المصاحبة.
هم مشغولون ولديهم أعمال ضخمة.. إلا أن حقيبة السفر تلغي كل انشغال.
ويا جهاز الرقابة المحسوب على الدولة ماليًا وإداريًا.. كم من عشرات الآلاف تصرف على تذاكر الطيران (العليا) فيما لا يجد النشاط الثقافي الحقيقي ربع تلك المبالغ؟

المصدر جريدة الشبيبة

الأحد، 30 نوفمبر، 2014

ماذا بعد المئة وعامين؟





قبل أن يرحل تشرين الثاني "نوفمبر" أخذ معه الشاعر اللبناني والأديب الكبير سعيد عقل، عن عمر يناهز مئة وسنتين، صرفها في قرض الشعر وكتابة الكتب.

قلم جريء

وعقل مولود في 4 تموز (يوليو) 1912 في زحلة شرق لبنان، حيث أمضى طفولة وردية في كنف والدين أنعما عليه بالحب، وعلماه الوطنية والعنفوان. تلقى علومه الأولى متفوقًا في مدرسة الإخوة المريميين بزحلة، ثم أتم فيها قسمًا من المرحلة الثانوية، عازمًا على التخصص في الهندسة، لكن الرياح لم تجر كما اشتهت سفينته.فحين كان بعد في الخامسة عشرة، مني والده بخسارة مالية كبيرة، ما اضطره إلى الانصراف عن المدرسة، ليتحمل مسؤولية البيت، ممارسًا الصحافة والتعليم في زحلة. في مطلع الثلاثينات، استقر في بيروت، وعمل كاتبًا وصحافيًا في صحف "البرق" و"المعرض" و"لسان الحال" و"الجريدة"، ثم في مجلة "الصياد "، فتميز قلمه بالجرأة.

بحر علوم

درس عقل في مدرسة الآداب العليا، وفي مدرسة الآداب التابعة للأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وفي دار المعلمين، وفي الجامعة اللبنانية. ودرس تاريخ الفكر اللبناني في جامعة الروح القدس، وألقى دروسًا لاهوتيةً في معهد اللاهوت في مار انطونيوس الأشرفية.
وقرأ روائع التراث العالمي شعرًا ونثرًا، فلسفةً وعلمًا وفنًا ولاهوتًا، فغدا طليعة المثقفين في هذا الشرق. وتعمق في اللاهوت المسيحي حتى اصبح فيه مرجعًا، آخذًا عن المسيحية المحبة والفرح والثورة حين تكون وسيلة للسلام. كما درس الإسلام وفقهه، فحببه الإسلام في أن الله رب العالمين أجمعين، وفي أن الزكاة عطاء مما وهب الله، وفي أن الجنة تحت أقدام الأمهات، وفي أن عرش الله مصنوع من خشب أرز لبنان، وفي أن الرسول قال: "إثنان ماتا من وفرة ما أحب الواحد منهما الآخر يدخلان رأسًا إلى الجنة".
أنشأ في العام 1962 جائزة شعرية من ماله الخاص قدرها ألف ليرة لبنانية، وكانت حينها مبلغًا كبيرًا، تمنح لأفضل صاحب أثر يزيد لبنان والعالم حبًا وجمالًا.

إرث خالد

في العام 1935، نشر عقل "بنت يفتاح"، وهي مأساة شعرية وأولى مسرحيات الأدب الكلاسيكي اللبناني رفيع المستوى. نالت مسرحيته جائزة الجامعة الأدبية حينها.
وفي الثلاثينات ايضًا، قال مطولته الشعرية التاريخية المشهورة "فخر الدين"، مبرهنًا بالدليل القاطع على قدرة الشعر على التأريخ، من دون أن يخسر رونقه الأدبي.
سنة 1937، أصدر "المجدلية" التي غيرت وجه الشعر في الشرق. وسنة 1944، نشر مسرحية "قدموس"، لتكون لونًا جديدًا من الملاحم. في سنة 1950، نشر ديوان "رندلى" الغزلي، وبعده سميت مئات البنات اللبنانيات بهذا الاسم. وفي سنة 1954 صدر له كتيب نثري "مشكلة النخبة"، ليصدر في سنة 1960 كتاب "كأس الخمر"، أدرج فيه مقدمات وضعها لكتب منوعة. وفي هذه السنة ايضًا، أصدر "لبنان إن حكى"، ناشرًا فيه امجاد لبنان باسلوب قصصي يتأرجح بين التاريخ والاسطورة، وكتاب "أجمل منك؟ لا... " الغزلي.
وصدر له في سنة 1961 كتاب "يارا" الشعري باللغة اللبنانية، ثم في سنة 1971 كتاب "اجراس الياسمين" الشعري في الطبيعة. وفي سنة 1972 أصدر "كتاب الورد" وهو نثر شعري عن الحب. ثم أصدر في سنة 1973 كتاب "قصائد من دفترها" وكتاب "دلزي" أكمل فيه نهج "رندلى".
في سنة 1974، صدر له كتاب "كما الأعمدة"، ثم كتاب "خماسيات" باللغة اللبنانية والحرف اللبناني في سنة 1978 ، فكتاب "خماسيات الصبا" بالفصحى في سنة 1992.
في سنة 1981، صدر لعقل ديوان " الذهب قصائد" بالفرنسية، يحمل خلاصة ما توصل عقل من فكر. وله أيضًا عدة دواوين مخطوطة وجاهزة للطبع.

قبسات من شعره

لا يمكن لمّ أفضل شعر عقل، فما كتب من الشعر إلا أفضله. ومنه هذه الأبيات من ديوان "أجمل منك؟ لا":

أخبرتها أخبرتها النجوم
انك لي،
طوقت خصري، بحت للكروم
بأنني كأسك والهموم
أقلعت عبر الصحو والغيوم
في هدبي الحلو المزلزل!

رددت من شعرك ألف شيء
اني غوى النظر،
نبض الصبا، بلورة السحر
أن على يدي
يلهو القدر،
وإن أنا أسقطت من علي
ثوبًا، فما شمس وما قمر؟!

وكدت كدت من هوًى أطير
قطفت أقحوانةً تمد
عنقًا، ورحت بيد أعد:
"يحبني، يحبني كثير،
يجن بي، يصدقني، يجد،
يكذب…لا؟... بلى" وأستجير
بالورق الأخير…
وخوف أن أصد
وأقحوانتي تقول
أنك لا تحبني، للعمر، للأبد
آخذها بيد
وبيد أنثرها بدد
ويحي! وتطوي سرك الحقول!

وفي غد أن أنا لم
أكن غرامك الوحيد
أضم
أضم، وحدي، وأشم
وكان نيسان جديد…
لا لن ترى الزهر
مجرحًا بديد
قلبي غفر
قلبي الذي يذكر ألف ش
يء

أني غوى النظر…
نبض الصبا.. بلورة السحر …
أن على يدي
يلهو القدر
وإن أنا أسقطت من علي
ثوبًا، فما شمس وما قمر؟…

ومن ديوان "كما الأعمدة":

من الينابيع، من عيني صوتك، من ضوع البنفسج، أضلاع له وحني
سر الرنين، وهل إلاك يفضحه؟ يا ناقر العود، منه العود في شجن!
والكون، قله رنين الشعر، قله صدًى لكف ربك إذ طنت على الزمن
ما العمر؟ ما نحن؟ ما هذي التي كتبت قوس الغمام وغنج الزنبق الغرن؟
تشظيات نجوم عن يد فجرت حبيبة الشيء، وجه الله منه دني
فنحن هذون، لما نبق في سفر على الرنين، نجومًا رحل السفن

حببت فيك البليل البث، لا يبسًا لليل غنى، وغنوا للضحى الخشن
من لا يضج، ويبق الآه سيدةً على الكلام، يؤخ الطير في الفنن
نسج التنهد لكن لا يهلهله سهل، ففي خيطه من شمخة القنن
ضوء خصصت به، بعض الذي احتفظت ببعضه الشمس إذ هلت على عدن

من شاعر؟ من تظل الريح دارته ترمي بأبراجها في الأفق لم تشن
حجارها شرف! فاسمع تنفسها بالنبل، قلت: به قبل الجمال عني
أكيدةً من هنا، من مقلع وقعت عليه ريا غصون الأرزة اللدن
الله نحن! أما نحيا لأغنية نشوى بها لفتة العقبان من الوكن؟
إن شدنا البحر، لا ملآن، بعد، بنا نفرغه منه أن أسكن أو بنا أنسكن!
جبالنا هي نحن: الريح تضربها نقوى وما يعط قصف الرعد نختزن
عشنا هنا لا نهم، الفقر مر بنا ومر من شبر أرض غره ففني…
للفقر قلنا: أسترح، للمستبد: أشح غدًا على
الرمل لا يبقى سوى الدمن
 
 
المصدر موقع إيلاف