الأربعاء، 3 ديسمبر، 2014

من باب الغيرة. ثقافيًا



محمد الرحبي

alrahby@gmail.com
 

في معرض كتاب ستتأمل جناح دولة، ولنقل دولة شقيقة حيث إن خطابنا الموجه يكره المقارنات باعتبار أنه لا يفترض أن نقارن أنفسنا بأحد، علوًا ومجدًا، .. ذلك الجناح يمكن رؤية تميزه بما حظي به من اهتمام فني وجمالي، ما أن تقترب منه حتى يستقبلك أحدهم بترحيب بالغ، يدعوك للدخول وتناول القهوة، لتكتشف أن الدعوة أبعد من كل واجبات الضيافة التي يقدمونها لك، هناك ندوة في الجزء الاعلى من الجناح، ستجد جلسة انيقة تحتفي بعلم من اعلامهم في الفن التشكيلي، حسب جدول ندوات يومي وتعقبه قراءة قصصية أو شعرية، تكتب وسائل الاعلام عن كل ذلك.
في جناحنا العماني لا تلمح الفرق بينه وأي جناح عادي، فقط هناك دلة القهوة والحلوى وربما التمر.. عارضون يعبثون بهواتفهم النقالة، يرفعون رؤوسهم إذا سألهم أحد عن شيءٍ ما.. الكتب على الطاولة والهدف التخلص من الشحنة ولو بالتوزيع المجاني، الحصة المتبقية للسفارة العمانية في تلك الدولة وفق ما تقتضيه طبيعة المهمة.. أن لا تعود الكتب مشحونة في رحلة الاياب.
كما أن هناك زهدا وجدته للتحدث مع وسائل الاعلام حيث لا يرغب أحد الخروج من علبته المعتادة للتحدث عن الرسالة الحضارية التي جاء بها؛ ربما لأن علاقته بما أتى به، كتبرير وظيفي على الأقل، ضعيفة جدا، فقد ارتأت جهات حكومية ان ترسل إلى أجنحتها الخارجية موظفين من مديريات مختلفة، لتقسيم الكعكة على أكبر عدد من الموظفين قدر الإمكان، أكان محاسبًا أو مراسلاً.. (أهم شيءٍ النية).فعاليات ومشاركات وايام ثقافية هنا وهناك.. الهدف منها وضع تقرير يؤكد دسامتها، بتعبيرات ضخمة، إبراز الموروث العماني العظيم، ثقافة التسامح، التاريخ الموغل في القدم.
تلك الفعاليات أصبح من أبرز ملامحها (المعتادة) فتاة تنقش الحنا على أيدي الزوار.. سيقولون لك أن المعرض يجسد التاريخ العماني العريق.. ستتجنب سؤال نفسك عن التاريخ الذي نقدمه عن طريق الحنا وملء أفواه الزوار بالحلوى العمانية، كما سيغيب صوتك بين قارعي الطبول باعتبار أن الطبول جذبت مئات الزوار إلى ساحة العرض، وكم تبدو جميلة صورة أجنبي استطرب فرقص مع الفرقة القادمة من بلادنا.
أيها المسؤولون: فكروا في ثقافتنا وحضارتنا كما تفكرون في رحلات تغيير الجو المصاحبة.
هم مشغولون ولديهم أعمال ضخمة.. إلا أن حقيبة السفر تلغي كل انشغال.
ويا جهاز الرقابة المحسوب على الدولة ماليًا وإداريًا.. كم من عشرات الآلاف تصرف على تذاكر الطيران (العليا) فيما لا يجد النشاط الثقافي الحقيقي ربع تلك المبالغ؟

المصدر جريدة الشبيبة

الأحد، 30 نوفمبر، 2014

ماذا بعد المئة وعامين؟





قبل أن يرحل تشرين الثاني "نوفمبر" أخذ معه الشاعر اللبناني والأديب الكبير سعيد عقل، عن عمر يناهز مئة وسنتين، صرفها في قرض الشعر وكتابة الكتب.

قلم جريء

وعقل مولود في 4 تموز (يوليو) 1912 في زحلة شرق لبنان، حيث أمضى طفولة وردية في كنف والدين أنعما عليه بالحب، وعلماه الوطنية والعنفوان. تلقى علومه الأولى متفوقًا في مدرسة الإخوة المريميين بزحلة، ثم أتم فيها قسمًا من المرحلة الثانوية، عازمًا على التخصص في الهندسة، لكن الرياح لم تجر كما اشتهت سفينته.فحين كان بعد في الخامسة عشرة، مني والده بخسارة مالية كبيرة، ما اضطره إلى الانصراف عن المدرسة، ليتحمل مسؤولية البيت، ممارسًا الصحافة والتعليم في زحلة. في مطلع الثلاثينات، استقر في بيروت، وعمل كاتبًا وصحافيًا في صحف "البرق" و"المعرض" و"لسان الحال" و"الجريدة"، ثم في مجلة "الصياد "، فتميز قلمه بالجرأة.

بحر علوم

درس عقل في مدرسة الآداب العليا، وفي مدرسة الآداب التابعة للأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وفي دار المعلمين، وفي الجامعة اللبنانية. ودرس تاريخ الفكر اللبناني في جامعة الروح القدس، وألقى دروسًا لاهوتيةً في معهد اللاهوت في مار انطونيوس الأشرفية.
وقرأ روائع التراث العالمي شعرًا ونثرًا، فلسفةً وعلمًا وفنًا ولاهوتًا، فغدا طليعة المثقفين في هذا الشرق. وتعمق في اللاهوت المسيحي حتى اصبح فيه مرجعًا، آخذًا عن المسيحية المحبة والفرح والثورة حين تكون وسيلة للسلام. كما درس الإسلام وفقهه، فحببه الإسلام في أن الله رب العالمين أجمعين، وفي أن الزكاة عطاء مما وهب الله، وفي أن الجنة تحت أقدام الأمهات، وفي أن عرش الله مصنوع من خشب أرز لبنان، وفي أن الرسول قال: "إثنان ماتا من وفرة ما أحب الواحد منهما الآخر يدخلان رأسًا إلى الجنة".
أنشأ في العام 1962 جائزة شعرية من ماله الخاص قدرها ألف ليرة لبنانية، وكانت حينها مبلغًا كبيرًا، تمنح لأفضل صاحب أثر يزيد لبنان والعالم حبًا وجمالًا.

إرث خالد

في العام 1935، نشر عقل "بنت يفتاح"، وهي مأساة شعرية وأولى مسرحيات الأدب الكلاسيكي اللبناني رفيع المستوى. نالت مسرحيته جائزة الجامعة الأدبية حينها.
وفي الثلاثينات ايضًا، قال مطولته الشعرية التاريخية المشهورة "فخر الدين"، مبرهنًا بالدليل القاطع على قدرة الشعر على التأريخ، من دون أن يخسر رونقه الأدبي.
سنة 1937، أصدر "المجدلية" التي غيرت وجه الشعر في الشرق. وسنة 1944، نشر مسرحية "قدموس"، لتكون لونًا جديدًا من الملاحم. في سنة 1950، نشر ديوان "رندلى" الغزلي، وبعده سميت مئات البنات اللبنانيات بهذا الاسم. وفي سنة 1954 صدر له كتيب نثري "مشكلة النخبة"، ليصدر في سنة 1960 كتاب "كأس الخمر"، أدرج فيه مقدمات وضعها لكتب منوعة. وفي هذه السنة ايضًا، أصدر "لبنان إن حكى"، ناشرًا فيه امجاد لبنان باسلوب قصصي يتأرجح بين التاريخ والاسطورة، وكتاب "أجمل منك؟ لا... " الغزلي.
وصدر له في سنة 1961 كتاب "يارا" الشعري باللغة اللبنانية، ثم في سنة 1971 كتاب "اجراس الياسمين" الشعري في الطبيعة. وفي سنة 1972 أصدر "كتاب الورد" وهو نثر شعري عن الحب. ثم أصدر في سنة 1973 كتاب "قصائد من دفترها" وكتاب "دلزي" أكمل فيه نهج "رندلى".
في سنة 1974، صدر له كتاب "كما الأعمدة"، ثم كتاب "خماسيات" باللغة اللبنانية والحرف اللبناني في سنة 1978 ، فكتاب "خماسيات الصبا" بالفصحى في سنة 1992.
في سنة 1981، صدر لعقل ديوان " الذهب قصائد" بالفرنسية، يحمل خلاصة ما توصل عقل من فكر. وله أيضًا عدة دواوين مخطوطة وجاهزة للطبع.

قبسات من شعره

لا يمكن لمّ أفضل شعر عقل، فما كتب من الشعر إلا أفضله. ومنه هذه الأبيات من ديوان "أجمل منك؟ لا":

أخبرتها أخبرتها النجوم
انك لي،
طوقت خصري، بحت للكروم
بأنني كأسك والهموم
أقلعت عبر الصحو والغيوم
في هدبي الحلو المزلزل!

رددت من شعرك ألف شيء
اني غوى النظر،
نبض الصبا، بلورة السحر
أن على يدي
يلهو القدر،
وإن أنا أسقطت من علي
ثوبًا، فما شمس وما قمر؟!

وكدت كدت من هوًى أطير
قطفت أقحوانةً تمد
عنقًا، ورحت بيد أعد:
"يحبني، يحبني كثير،
يجن بي، يصدقني، يجد،
يكذب…لا؟... بلى" وأستجير
بالورق الأخير…
وخوف أن أصد
وأقحوانتي تقول
أنك لا تحبني، للعمر، للأبد
آخذها بيد
وبيد أنثرها بدد
ويحي! وتطوي سرك الحقول!

وفي غد أن أنا لم
أكن غرامك الوحيد
أضم
أضم، وحدي، وأشم
وكان نيسان جديد…
لا لن ترى الزهر
مجرحًا بديد
قلبي غفر
قلبي الذي يذكر ألف ش
يء

أني غوى النظر…
نبض الصبا.. بلورة السحر …
أن على يدي
يلهو القدر
وإن أنا أسقطت من علي
ثوبًا، فما شمس وما قمر؟…

ومن ديوان "كما الأعمدة":

من الينابيع، من عيني صوتك، من ضوع البنفسج، أضلاع له وحني
سر الرنين، وهل إلاك يفضحه؟ يا ناقر العود، منه العود في شجن!
والكون، قله رنين الشعر، قله صدًى لكف ربك إذ طنت على الزمن
ما العمر؟ ما نحن؟ ما هذي التي كتبت قوس الغمام وغنج الزنبق الغرن؟
تشظيات نجوم عن يد فجرت حبيبة الشيء، وجه الله منه دني
فنحن هذون، لما نبق في سفر على الرنين، نجومًا رحل السفن

حببت فيك البليل البث، لا يبسًا لليل غنى، وغنوا للضحى الخشن
من لا يضج، ويبق الآه سيدةً على الكلام، يؤخ الطير في الفنن
نسج التنهد لكن لا يهلهله سهل، ففي خيطه من شمخة القنن
ضوء خصصت به، بعض الذي احتفظت ببعضه الشمس إذ هلت على عدن

من شاعر؟ من تظل الريح دارته ترمي بأبراجها في الأفق لم تشن
حجارها شرف! فاسمع تنفسها بالنبل، قلت: به قبل الجمال عني
أكيدةً من هنا، من مقلع وقعت عليه ريا غصون الأرزة اللدن
الله نحن! أما نحيا لأغنية نشوى بها لفتة العقبان من الوكن؟
إن شدنا البحر، لا ملآن، بعد، بنا نفرغه منه أن أسكن أو بنا أنسكن!
جبالنا هي نحن: الريح تضربها نقوى وما يعط قصف الرعد نختزن
عشنا هنا لا نهم، الفقر مر بنا ومر من شبر أرض غره ففني…
للفقر قلنا: أسترح، للمستبد: أشح غدًا على
الرمل لا يبقى سوى الدمن
 
 
المصدر موقع إيلاف

 

الأربعاء، 19 نوفمبر، 2014

مشروع جامعتي تقرأ ينظم "اقرأ كافيه"



كتب: يونس الصلتي.

ينظم مشروع جامعتي تقرأ في جامعة السلطان قابوس المقهى القرائي "اقرأ كافيه"  وذلك يومي الجمعة والسبت الموافق الحادي والعشرين والثاني والعشرين من نوفمبر الجاري وذلك بحديقة القرم الطبيعية من الساعة الرابعة عصراً وإلى التاسعة مساءً
تتضمن الفعالية عدد
اَ
من المواضيع والأركان المتخصصة كالحلقات النقاشية والمحاضرات وحلقات عمل تدريبية للأطفال في مهارات القراءة وكتابة القصة القصيرة إضافة إلى فعاليات خاصة لأولياء الأمور والعوائل كالمسابقات والألعاب التعليمية وأماكن لبيع الكتب وركن خاص للناطقين بغير العربية في فنون القراءة. يأتي مشروع جامعتي تقرأ هذا العام "تحت شعار ما شاخ فكر أمة تسلحت بالقراءة" ويسعى إلى تعزيز الرغبة القرائية للمجتمع وخلق روح المنافسة للقراءة وغرس مبادئ المبادرة للتطوع بالعلم والكتاب وتشرف عليه جماعة صوت التنمية بعمادة شؤون الطلبة في الجامعة. وتقول عائشة العرفاتية المشرفة على هذا المشروع: " جاء المقهى القرائي "اقرأ كافيه" ليكون حلقة وصل بين الفرد و الكتاب ويثقفهم بأهمية الكتاب من خلال المقهى العام الذي سيوفر كتباَ ليقرأها الزائر لهذه الفعالية بالإضافة إلى المجلس الثقافي الذي سيناقش الكتب ويقدم المحاضرات وحفلة توقيع كتاب ومقهى الأطفال وفعاليات لأولياء الأمور ومكتبات لبيع الكتب. ولا يقتصر المقهى على العمانيين فقط وإنما يستهدف الأجانب بمختلف الجنسيات في قسم اللغات الخاص بهم .هذه الفعالية تم إعدادها بشكل كامل من خلال جهود طلبة جماعة صوت التنمية في الجامعة والرغبة الملحة منهم لتحقيق ما يسمو له مشروع جامعتي تقرأ بجعل أمة اقرأ تقرأ فترقى إلى العلا". يذكر أن المشروع سيعلن عن فعاليته القادمة "يوم القراءة الجامعي "في البدء من ديسمبر القادم والتي تعد من فعاليات المشروع الرئيسية.

الاثنين، 20 أكتوبر، 2014

طباعة كتب دراسية للمكفوفين





تعلن جامعة السلطان قابوس ممثلة بشؤون الطلبة بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية عن انطلاق نظامها الجديد في طباعة الكتب والملزمات الدراسية للطلبة المكفوفين بالجامعة، وباعتماد نظام رقمي يسهل نفاذ الطلبة المكفوفين إلى المادة العلمية بسهولة ويسر. وعليه ندعو جميع الطلبة والموظفين في الجامعة إلى المشاركة في دعم هذا المشروع الإنساني والذي يستدعي تنفيذه عددا كبيرا من المتطوعين، فإذا كانت لديك الرغبة في أن تكون أحد المتطوعين في الفريق فما عليك سوى إرسال اسمك الكامل، وبيانات التواصل معك (رقم الهاتف والبريد الإلكتروني) على عنوان البريد التالي الخاص بمشرف الفريق: ads4squ@gmail.com


نحن نؤمن أن مساهمتك ستكون مصدر اعتزازنا بنجاح عملنا

 

الخميس، 2 أكتوبر، 2014

الأولى عالميا



 
يصنف الشعب في نيوزيلاندا في المرتبة الأولى عالميا من حيث الشغف بالقراءة. إنهم يتبادلون الكتب في عيد الميلاد كهدايا بدل الشكولاتة والعطورات والأحذية. شتاؤهم طويل وممل كما صيف بلاد الشرق الأوسط مع فارق الفعاليات الذهنية والإبداعية.

الاثنين، 22 سبتمبر، 2014

بناء الإنسان قبل الأسوار



 
 

 
بقلم الأستاذ الدكتور علي فخرو
 
 

 
يذكر المرحوم المفكر المغربي المهدي المنجرة هذه الطرفة المغموسة في عسل الحكمة: عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم لاعتقادهم بأن لا أحد سيستطيع تسلُّق علوه الشاهق. لكن خلال المائة سنة الأولى التي أعقبت بناء السور تعرضَّت الصين للغزو ثلاث مرات، دون حاجة لتسلُّق أو اختراق السور، إذ كان الغزاة يكتفون بدفع الرشوة للحّراس الذين كانوا يفتحون لهم الأبواب فيدخلون. حكمة الطُّرفة أن الصينيين انشغلوا ببناء السور العظيم ونسوا بناء الحارس. يقابل ويماثل تلك التجربة الصينية القديمة ما تمارسه أنظمة الحكم العربية في أزمنتنا الحالية: إنها تصرف سنويا البلايين من الدولارات لشراء الأسلحة وتكديسها حتى تصدأ، ولاستيراد بضائع الترف والتسلية والعبث على حساب التنمية الاقتصادية الذاتية بينما تبخل وتتراجع بشأن كل ما يبنى الإنسان من تعليم وصحة وثقافة وحماية اجتماعية ودعم لبيئة الفكر والإبداع في مجتمعاتها. قضية الأمن العربي لن تحل إلا من خلال بناء الإنسان الحارس العربي، وليس من خلال بناء أسوار الجيوش وتوقيع معاهدات الصداقة والحماية مع الأجنبي والتنسيق الأمني مع هذه الجهة الاستخبارية أو تلك. من أجل بناء ذلك الإنسان لابدّ من وجود بناة مهيّئين وقادرين بالفعل وفى الواقع للقيام بتلك المهمّة. في الأسرة هناك الضرورة للأم المتمتعة بكامل متطلبات الكرامة الإنسانية والمساواة في كل الحقوق الإنسانية بالرّجل الأب والمهيَّئة تعليما وثقافة إلى أعلى المستويات الممكنة. في الحضانة والمدرسة والجامعة هناك الحاجة للمعلّم الممتهن المثقّف المحترم المقدّر المكتفي معيشيا في صورة لائقة والمتفرَّغ ذهنيا لعملية التّنشئة والتعليم وبناء طاقات الإبداع البالغة التعقيد. في المجتمع هناك الحاجة الوجودية للمثقف والعالم والإعلامي المفكّر الملتزم بقضايا نهوض أمته، المبدع المتحرّر من قيود ومحددات سلطات القمع والتسلُّط والمراقبة المريضة، وغير المحارب في عمله وعائلته ومعيشته من أجل تدجينه وإخضاعه وإغوائه ومن ثم عرضه في أسواق النخّاسة للبيع والشّراء. من دون تهيئة هؤلاء وقيامهم بمهمّاتهم وتجنيبهم كل أنواع الضغط والتجويع والتسلُّط، باسم أيّة ذريعة مهما كانت، فإن عملية بناء الإنسان العربي لن تكون ممكنة وسنعيش مع الحارس المقصر المرتشي الخائن لأحلام أمته، ولن تفيدنا الأسوار التي نعتقد أنها ستحمينا. نحن نريد تلك الأم وذلك المعلّم وأمثال أولئك المثقفين ليس فقط من أجل حماية الإنسان العربي من آثار ثقافة التخلف والانغلاق والاجترار التي رانت عبر القرون على مجتمعات وطن العرب كله، ولكن أيضا من أجل حمايته من الآثار السلبية الكثيرة في الثقافة العولمية المعاصرة التي تعمل ليل نهار لنشرها وترسيخها في العالم كلّه قوى وأدوات ومرتزقة الرأسمالية الليبرالية الجديدة التي اجتاحت وهيمنت على العالم عبر العقود الأربعة الماضية. فمن جهة ركزت ثقافة الاقتصاد الجديد، من أجل تبرير احتقارها لمبدأ المساواة والتعاضد الاجتماعي، على استقلال الفرد المطلق، ملك نفسه، المحارب من أجل نفسه، الغارق في الاستهلاك النّهم المتعاظم لكل منتج مادى ولكل صرعة غريزية في عوالم المتعة، المنبهر بانقلاب مجتمعه إلى عبارة عن سلسلة من الأسواق الحرّة المتنافسة الخاضعة فقط لمنطق وتوجهات اقتصاد السوق وآلته المحركة لتوسُّعاته وتقلباته ومغامراته، آلة التطوير التكنولوجي الذى لا يهدأ. إنه الإنسان الاقتصادي الجديد الذى يتنعّم ويأكل ويشرب من خيرات الاقتصاد، بعيدا عن السياسة والثقافة والمعتقدات والأفكار. من جهة أخرى ركزت ثقافة الإعلام وشتّى صنوف أنواع التواصل على ما سمّاه المؤلّف الإسباني فيسنت فردو في كتابه «نمط العالم» بالثقافة من أجل الأطفال، تلك الثقافة التي تتصف بالبساطة والبراءة والسطحية والتركيز على الحسّيات والرغبات غير المسئولة وغير الناضجة، والتي تتوجّه إلى الطفل القابع في داخل الكثيرين من الشباب واليافعين. إنها ثقافة أنتجت الهوس بالألعاب الرياضية وأبطالها، وإدمان كتب الخيال والأساطير، والإقبال على برامج التليفزيون البالغة السطحية والسُّخف، والابتعاد عن كل ما هو سياسي والتزام اجتماعي مسئول بهذا أصبح عالمنا عالم الخيال، والعمل تسلية، وأصبحت الحياة عبارة عن لعبة لا ارتباط لها مع الواقع. لذلك يطالب المئات من الكتاب والمفكرين في الغرب بضرورة مواجهة تلك الثقافة قبل فوات الأوان وقبل أن يصبح الشاب الغربي كائنا يدور حول نفسه ولا غير نفسه. مسئوليتنا في بلاد العرب إذن مضاعفة، إذ عليها أن تواجه إشكالات ثقافتنا وإشكالات ثقافة العولمة التي في جوهرها ثقافة الغرب الرأسمالي النيوليبرالي. هذه المهمة المزدوجة لبناء الإنسان العربي لا يمكن أن توجد عند أمة مجزأة، خاضعة لأشكال من النفوذ الأجنبي، غارقة في ماضيها على حساب حاضرها، غارقة في مشاكل اقتصادية وسياسية لا حصر لها ولا عد. من أجل بناء حارس أمين غير مرتشٍ لابد من حدوث تغييرات كبرى في حياة هذه الأمة، وإلا فالغزو سيستمر.

 

المصدر جريدة الرؤية العمانية العدد 1406