الخميس، 26 فبراير، 2015

ملف مدن الكتب: ثقافةُ مدن الكتب!




إذا نظرنا إلى الظواهر الاجتماعية الحياتية فإننا نجد أن لها وجهين، وجه ظاهري واضح ووجه باطني غير واضح للعيان. الوجه الظاهري هو ما نراه عبر الصور الخارجية المعبرة التي تبرز هوية المجتمع أو الأفراد. أما الوجه الباطني غير الواضح فهو الذي يعطي لتلك الظاهرة صبغة ما أو صورة واضحة المعالم. وهذه الرؤية الاجتماعية تنطبق على معظم التفاصيل الحياتية التي يحركها الوجه الباطني إذ تكمن المعتقدات واتجاهات الأفراد والمجتمعات والأمم وثقافتهم.
نلاحظ في زياراتنا إلى أية مدن أو دول، أن هناك سمات معينة يتصف بها أفراد تلك المدن أو الدول سواء كانت تلك السمات إيجابية أم سلبية. هذه السمات نلمسها عبر تعاملاتهم أو عاداتهم وتقاليدهم أو عن طريق ما يلبسونه أو يتفاخرون به ويمارسونه. لهذا فإن المدن في الدول المتقدمة حينما تقام، فإنها تقام وفق رؤى إنسانية لذلك المجتمع أو لتلك الجماعة. وهذه الرؤى لا تكون وليدة نزوة عابرة أو مشروع آني وإنما هي حصيلة ثقافية تراكمية لتلك المجموعة البشرية. والمدن في تلك الدول تراعي الثقافة الاجتماعية عند تخطيطها وبنائها عكس الدول التي لا تعير للإنسان أية أهمية فهي لا تعطي لثقافة المجتمع أية قيمة ولا تعير لها أي اعتبار، ومن ثم تغلب على تلك المدن الفوضى والعشوائية. ومن هنا نلاحظ أن تغيير اتجاهات أو ثقافات المجتمعات والأفراد ليس بالأمر السهل والهين ما لم تكن هناك خطة وطنية واضحة المعالم والرؤى تتضافر مختلف الجهود من أجل بلورتها وبأسلوب وشكل دقيق ومدروس.
"مدن الكتب" فكرة انطلقت من مخيلة إنسان عاش ضمن مجموعة بشرية آمنت بأهمية الكتاب والكلمة. وهذا الإيمان بأهمية الكتاب والكلمة تبلور في سلوكه فانطلق في بناء مدينته وتخطيطها بأسلوب يعكس ثقافتها الاجتماعية القائمة على تقديس الكتاب. لكن هل من الممكن لمثل هذه الأفكار أن تجد لها مشجعا وداعما في مجتمعات لا تتبنى ثقافة مشابهة؟ هل يمكننا أن نفهم أو نثمن الفكر والكلمة في ظل غياب الإيمان بقيمته الحضارية؟ هل يمكن أن يتضافر أفراد المجتمع صغيرهم وكبيرهم على المشاركة في فعاليات اجتماعية قرائية؟
حينما كنت أدرس في الولايات المتحدة قررنا في السكن الجامعي الذي كنا نعيش فيه أن نقوم بفعالية قرائية. فعلقت الحبال بين المساكن وكلما انتهى أحد افراد المجمع من قراءة كتاب عُلقت أوراق على الحبل تمثل عدد صفحات الكتاب. وقد كان الهدف هو قراءة عدد محدد من صفحات الكتب في مدة زمنية، إلا أننا تخطينا العدد المقرر من الصفحات لأن الأبناء والآباء والأمهات وكبار السن من الزائرين لأبنائهم عاشوا جميعا تجربة القراءة الجماعية. فهل فعالية قرائية مثل تلك ستنجح في مجتمعاتنا؟ هل المجتمع بأكلمه سيكون مستعدا للمشاركة؟ هل سيجد الأطفال آباءهم وأمهاتهم يشاركونهم تلك الفعالية؟ هل سيكون الكتاب متوفرا لدى الجميع؟ إن عدم نجاح فعالية قرائية كتلك (على سبيل المثال) لا يشير الى أن هناك خللا في الأفراد، بل في النظام التعليمي الاجتماعي الذي لم يغرس أهمية الكتاب كركن أساسي من حياة أفراد المجتمع. فالكتاب في حياتنا لم يكن ينظر إليه إلا لحفظ مادة دراسية من أجل اجتياز امتحان مدرسي، ولم نعرف أن للكتب أوجها أخرى كصديق أو رفيق. إن ثقافة الأمة هي التي تصنع مدناً حية للكتب أو للقيم وما تلك المظاهر سوى الصورة البارزة لتلك الثقافة. فمن أجل أن نبني مدينة كتبٍ حية تتألق فلابد أن نحيي ثقافة ونغير اتجاهات ومن أجل ذلك لابد أن نعيد النظر!


د/فاطمة بنت أنور اللواتية

كاتبة عمانية

الثلاثاء، 10 فبراير، 2015

والسؤال




والسؤال: لماذا تبدأ حملات الهجوم الشرسة ما أن يُغلبُ أحد المنابر الثقافية كفة الكتابة العربية على كفة ما هو محلي، وهذا المحلي مستمر في التنائي والتقلص وعندما يأتي معرض الكتاب السنوي، نتفاجأ بالكم الهائل من الكتب الحديثة العُمانية، وأصحابها يختبئون طوال العام في الظل!



هدى الجهوري من مقال تعمين "الشللية" والمنشور في جريدة عمان

الأحد، 8 فبراير، 2015

مدينة الكتب









نخطط لمدننا بعناية حتى لا تفتقد لشيء من الأشياء التي نحتاجها والتي تعكس درجة التطور في الحياة التي وصلنا إليها، لكننا نمضي في تخطيطنا وننسى المكتبات العامة التي يحتاجها هؤلاء السكان فهم ليسوا مخلوقات استهلاكية فقط، يحتاجون للغذاء الجسدي فقط لكنهم يحتاجون للغذاء الفكري الذي ينهض بهممهم ويزيد من وعيهم، ويحرك الإبداع بداخلهم ألا يمكن في ظل التخصصية التي نخطط بها مدننا أن نخصص مدينة للكتب؟ قد يقول قائل هل نبني مدينة للكتاب عندما أصبح لدينا المكتبة الالكترونية يحملها الإنسان معه أينما ذهب؟ ولكن هل يفقد الكتاب قيمته في ظل التطور التكنولوجي ما الذي يحرك عمل دور النشر الكبيرة في العالم مثل "أمازون"؟ أليس الجديد من الكتب التي تنشر في مختلف أنحاء العالم؟ نحن أولى بتأسيس مدينة للكتب التي ربما يعتقد البعض أن من المحال أن توجد في هذا العالم الذي أصبح فيه الإنسان منجذباً للسوق والترفيه أكثر من انجذابه للمكتبة والكتاب، ولكن هذه المدينة موجودة بالفعل وتسمى مدينة "هاي أون واي". تقع هذه المدينة على ضفاف نهر واي في بوويز بويلز في بريطانيا، وبدأت قصتها مع الكتب في عام 1961 عندما افتتح ريتشارد يوث أول مكتبة للكتب المستعملة في حيه، إذ استثمر هذا الرجل تراجع سوق الكتب في الولايات المتحدة خلال تلك المدة حيث أغلقت مجموعة من المكتبات، فعمل على شراء الكتب وشحنها في حاويات إلى المدينة، مما زاد من انتشار الكتب في مختلف أنحاء المدينة، وجعلها تكتسب شهرة عالمية حتى حظيت بلقب "مدينة الكتب" في السبعينيات، مما زاد من دورها السياحي في المملكة المتحدة فهي تستقبل اليوم حوالي نصف مليون سائح سنوياً يبحثون عن أفضل الأسعار عبر أكثر من 40 مكتبة، كما أنهم يقصدون مهرجان "هاي للآداب والفنون" الذي يجلب 80 ألف كاتب وناشر وداعم للآداب من جميع أنحاء العالم كل عام، هذا المهرجان يعقد في نهاية شهر مايو من كل عام، واستقطب خلال تاريخه أشهر المفكرين مثل سلمان رشدي وديفيد سايمون، وشهد في عام 2001 حضور رئيس الولايات المتحدة الأسبق بيل كلينتون، وبالتالي يبرز منه التخصصية في النهوض بالمدن من خلال تميزها بمهرجان مختلف تماما عن المهرجانات التي تعقد في دول العالم الأخرى. ومن أشهر وأغرب مكتبات المدينة مكتبة أطلق عليها اسم "مكتبة الثقة" وهي عبارة عن رفوف منتشرة في أرجاء المدينة لا يحرسها أحد ويقوم المشتري باختيار الكتب التي يريدها ووضع المال في صندوق البريد، أنها مكتبة تؤكد على السمو الأخلاقي الذين يفترض أن يصاحب السمو الفكري، هل يمكن أن نحاكي هذه المدينة بمدنية أخرى في عمان، البلد الذي لا أحد يستطيع أن يحصي عدد مؤلفات علمائه الفكرية؟ الإجابة على هذا السؤال ليست صعبة نحتاج فقط الإرادة لعمل شيء مميز يحقق أهداف ثقافية واقتصادية في الوقت نفسه.


د سيف بن ناصر المعمري
كلية التربية
جامعة السلطان قابوس