السبت، 27 أغسطس، 2011

تبجيل الفشل..



السعودية زينب البحراني تكتب تجربتها في «مذكرات أديبة فاشلة»

بقلم محمد خضر

أن يضع المبدع قصة حياته أو مذكراته أمامنا بات أمرا معهودا ومنتشرا. هنا وهناك نعثر على الوجه اللامألوف وعلى مالم يقل، والكثير من الأوراق المخبوئة في أدراجها، حتى أن دور النشر باتت تقر بأن أكثر مبيعاتها هي من هذه الكتب التي تروي فصولا من مذكرات فلان أو فلانة. وكتاب “مذكرات أديبة فاشلة” للأديبة السعودية زينب البحراني (الكتاب صدر عن مؤسسة شمس المصرية في القاهرة) يطرح من عدة أوجه قضايا الكاتبة في الوسط الاجتماعي والثقافي ومشوار طويل بدأ من طفولتها حيث كانت الأبواب مشرعة ومهيأة لانطلاقتها في عالم الكتابة، ذلك العالم الذي لم يكن سهلا من جهة ومحاط بظروف اجتماعية وثقافية من جهة أخرى، تطرحه الكاتبة بعين ثاقبة على قضايا المرأة المثقفة سواء مايتصل بوجودها ضمن خطاب ثقافي ذكوري معني بالوصاية، أو بجهل الكثير من الكتاب والمؤلفين بحقوقهم أمام جشع الجهات التي تفرض عليه هذه الوصاية كدور النشر مثلا.
ومن هنا تنطلق زينب البحراني قارئة قريبة من الحدث حيث تضع نفسها وتجربتها في هذا المختبر وتعاين حالتها ضمن ماينبغي وماحدث طيلة مشوارها مع الكتابة، التي آمنت بها منذ تلك اللحظة التي وجدت نفسها أمامها وجها لوجه، فصارت الكتابة كائنها المألوف وشريعتها ولذا لابد من المضي نحو كتابة تفسر وتضيء بل وتهتك العتمة التي تعتري دروب الابداع احيانا وتحاول أن تغشاها. ولعل هذه الطريقة التي اتخذتها زينب البحراني في تصنيف الكتاب ومنهجيته كانت هي الأقرب لقول كل هذا، وفصل عن العائلة والمجتمع الخليجي تركيبته ونمطيته وعلاقته مع الابداع والمبدعة خصوصا يكشف هذا النسيج ويحلله باتجاه المرأة عموما والمثقفة خاصة وباتجاه قضايا سيطرت على عقلية هذه المجتمعات حتى باتت هي الجوهر لا السطوح، وآخر يحكي الوظيفة حين تكون شيئا آخر بعيدا عن اهتمام المبدعة وعالمها، وفشل في تجربة مع دار نشر وكيف حرمتها تلك التجربة في أول إصدار لها من أن تعيش لذة الكتاب الأول المطبوع.. كل هذا محاط بالفشل لكنه الفشل الذي لاتعامله الكاتبة كمفردة جامدة من أي شعور جديد بها بل هو الفشل المنتج والخلاق والذي كان هو المحرض على هذا الكتاب.
لنقرأ زينب وهي تقول “لا أدري لماذا تنظرون إلى عنوان هذا الكتاب كمن يحدّق في امرأة سيّئة السمعة تسير سافرة في حيّ متزمّت!.. نعم، وماذا في أن أكون فاشلة؟ الفشل حقٌ مشروع للجميع، وهو ليس جريمة يُعاقب عليها القانون. لذا فإنّ لي مطلق الأحقيّة كإنسانة أن أفشل كما يحلو لي، دون أن يسمح مخلوق لنفسه بالتطفّل على حرّيّتي الخاصّة في الفشل مادمت لا أعتدي بفشلي على حدود حرّيّات الآخرين، وعلى رأسها حرّيّاتكم. ثمّ إنني، صدّقوني، لم أتعمّد السقوط في بالوعة هذا الفشل. أنا لا أحاول التبرير أو اختلاق الأعذار، ولن ألقي باللوم على كاهل الحظ رغم إصراره على الإشاحة بوجهه عنّي ورفض صداقتي مهما قدّمت لجلالته من قرابين يوميّة. كما لن أرجو منكم مُحاولة انتشالي من حضيض فشلي بأيّ نصيحة بعد أن غرقت بالفعل وفات أوان إنقاذي.. كلّ ما أريده هو أن أعترف على مسامع أبصاركم بأسرار فشلي العنيد بحذافيرها دون زيادة، كي أترك فيصل الحُكم في الختام لعدالتكم، أو على الأقل.. لوجهات أنظاركم. ومن يدري.. ربّما ستكتشفون مع الكلمة الأخيرة من هذا الكتاب أنني لست فاشلة فحسب، وإنّما لست أديبة حتّى!”. ولم تكتف البحراني بتعرية المشهد من خلال تجربتها بل مضت إلى الممارسة النقدية الحيوية من خلال عدد كبير من القضايا الثقافية المسكوت عنها في المجتمعات المتخلفة وغربة الكاتبة تلك التي تبتدئ من اللاوعي بكونها أنثى وكاتبة وتلك التي تصطدم مع حرية الكاتبة وثقافتها الأدبية المتصلة بالحداثة والتراث على حد سواء، وبالتالي التي قد تصطدم مع دورها التوعوي كمثقفة وهذا ماتشير له ولو بشكل غير مباشر في زوايا كثيرة من فصول كتابها، آمنت البحراني بدورها منذ وقت مبكر وكتبت أيضا أول كتبها في القصة القصيرة، عاشت في مناخ ثقافي حر ولو كان هذا بفضل دأبها وجهدها فقط فشاركت وارتحلت بغية الإبداع وسافرت إلى أمكنته لتقدم لنا في نهاية الأمر هذا الكتاب الممتع ولو كان عنوانه العريض هو الفشل، والذي ذكرني في أولى قراءاتي له بعبارة لأحد الكتاب يتحدث فيها عن أن الاعتراف بالفشل فضيلة تقدم لنا النجاح على طبق من ذهب، إذ لايشعر بهذا الشعور سوى من يعرف ناحية النجاح وجهة الضوء والذي لايكل ولايمل وهو يبحث في تماثله للشفاء من أي كبوة، لكن من منا يعتقد أن البحراني هي أديبة فاشلة حقا؟ لنقرأ في هذا الكتاب كل قيم الإصرار والحوار والكفاح في سبيل أن تتخلق مضيئة ومشرقة وقادرة على البحث عن الجوهر والحقيقة والأهم أنها البعيدة عن الزيف والادعاءات حاملة معها مايعري ويكشف الوجه القبيح والرديء في كل فصل

المصدر جريدة الاتحاد



الأحد، 21 أغسطس، 2011

جومبيه فاطمة والصراع العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريَّة: صراع الحب والسلطة



إعداد الدكتور محمد المحروقي ومنشور في جريدة القدس العربي

في صيف 2010 الفائت كنت على موعد لزيارة جزء عزيز من وطننا العربي الإسلامي الكبير، يبعد عنَّا جغرافيّاً ـ نوعاً ما ـ ويربطنا به رابط متين من عرى الدين والتاريخ المشترك.
وعلى الرغم من قوّة الآصرة المشار إليها إلا أنَّ علاقتنا الحاضرة به في الغالب الأغلب علاقة ناقصة، ومشوبة بكثير من الضبابيّة والمعلومات الناقصة. إنها دولة جزر القمر الاتحاديّة، الدولة العضو بجامعة الدول العربيّة، التي لا نكاد نعرف كيف يُنطق اسمها على وجه اليقين. هل هي الـُقـمر؟ أم الـَقمر؟ ولا تسل عن معرفتنا بتاريخها وعناصرها البشريّة وآمالها وتطلّعاتها. وما ذلك إلا دليل على قوة ضعف العلاقات العربيّة، في أبهى تجلِّياتها.
زرتُ الجزر في ذلك الصيف ضمن الرحلات العلميّة لمشروع 'مصادر تاريخ العلاقات العمانيّة بشرق أفريقيا خلال الفترة (1624م-1963م)، وكنت قد زرت دول تنزانيا وأوغندا وكينيا في الإطار ذاته. وعدت ـ والحمد لله ـ بحصيلة طيبة من الوثائق والتقارير بعد أن غطّيت سبعة مراكز علميّة هناك، هي إرشيف زنجبار، وإرشيف بمبا، ومتحف القوميّة التنزانيّة بدار السلام، وجامعة مكاريري، والإرشيف الوطني الأوغندي بعنتبي، والإرشيف الوطني الكيني بنيروبي، ومتحف قلعة يسوع بممباسا. كما التقيت في تلك الدول الثلاث شخصيّات أكاديميّة وعلميّة على معرفة دقيقة بتاريخ العلاقات العمانيّة بشرق أفريقيا.
قبل ذهابي إلى جزر القمر بذلت جهداً للحصول على معلومات كافية تساعدني في مهمتي الصعبة القادمة، فالتقيت ببعض الشخصيّات القمريّة هنا في مسقط، أبرزها الأستاذ المرحوم جعفر جمل الليل، الذي فاجأنا رحيله في ريعان شبابه. وقد زوّدني الأستاذ جعفر بأسماء وعناوين شخصيّات علميّة في الجزر الثلاث؛ القمر الكبرى ومهيلي وهنزوان. لكنّ الصورة ظلّت ضبابيّة. وكان الدرس الأهم الذي تعلمته من خلال زياراتي المتكررة، تقريباً، لشرق أفريقيا أنك هناك على الأرض، وببعض الحنكة ستجد حتماً ما تبحث عنه. فمضيت إلى الجزر وكان ذاك.
ما ان اطمأنت قدماي ـ ولا أقول اطمأن مقامي- بفندق في مروني، العاصمة الرسميّة للدولة ولجزيرة القمر الكبرى، حتى بدأت بالاتصال بقائمة الشخصيّات العلميّة التي لديّ، وأولها الدكتور حامد كرهيلا حمد. في صباح اليوم التالي شرّفني الدكتور كرهيلا بالزيارة، وشرحت له مهمتي العلميّة وتحادثنا قليلاً، ثمّ انطلقنا بسيارته لترتيب أمور السكن التي لم تكن مستقرة بعدُ، وفي وضع مقترحات وتوفير معلومات لمهمتي العلميّة. منذ البداية كان تواصلنا مباشراً ورائعاً. أذكر بالضبط أن الدكتور كرهيلا انطلق يحدِّثني عن مشروع علمي شغل ذهنه طويلاً، ثم انصرف عنه لمقتضيات الحياة الدبلوماسيّة والسياسيّة لبعض الوقت. حدّثني بشغف وتفصيل عن جُومْبيه فاطمة، سلطانة موهيلي، وحياة القصر، والصراع حول نيل قلبها، للنيل تالياً بمملكتها، من قِبل متسلقي الداخل والقوى الإقليميّة العمانيّة والفرنسيّة، حينها.
أخذ نفساً طويلاً وقال الدكتور كرهيلا: يشغلني العنوان الذي يمكن أن أضعه لكتاب كهذا! قلت له: يا عزيزي، إنه صراع الحبّ والسلطة. أعجبته العبارة كثيراً، بل أسرته، وأخذ قلماً، وكأنما يخاف أن يفقد العبارة إن لم يدوّنها، ودوّنها. هذه هي اللحظات الأولى التي عرفت فيها الدكتور حامد كرهيلا، ووجدت فيه المثقّف والباحث والدبلوماسي المقتدر. كلّ ذلك يجتمع في شخصه، ليكوِّن شخصيّة قمريّة معتدّة بجذورها ومتطلّعة إلى غد أفضل لبلادها، يتناسب وحجم مقدّراتها التاريخيّة وثرواتها في البحر والبرّ.
لقد أثرى الدكتور حامد كرهيلا المكتبة العربيّة بأبحاثه المهمّة عن جزر القمر، ثقافتها وبعدها الإسلاميِّ العربيّ، ككتابه 'أثر الإسلام في تشكيل السلوك الاجتماعي في جزر القمر'، وكتاب 'العلاقات التاريخيّة بين الدولة البوسعيديّة وجزر القمر'. وهو بذلك يؤسس لمعرفة علميّة بهذه الدولة العربيّة التي نسيها إخوانها العرب أو تناسوها. ويأتي كتابه ' صراع الحب والسلطة: السُّلطانة جُومْبيه فاطمة (1841-1887) التنافس العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريّة' تفصيلاً لنقطة توقـّف عندها في كتابه الثاني المشار إليه. وهو كتاب مهمُّ جداً في تاريخ جزر القمر من ناحية، وفي تاريخ دولة السيّد سعيد بن سلطان البوسعيدي (1804-1856) المترامية الأطراف في قارتي آسيا وأفريقيا. إنه يرصد بدايات التغلغل الاستعماري الغربي في شرق أفريقيا. ذلك الاستعمار الذي هيأ له المنصِّرون والمستكشفون والمغامرون الأوروبيون، بوصولهم إلى قارة الظلام، ودراسة هذه القارّة وإمكانياتها وعناصرها دراسة مستفيضة، كان لها جوانبها الإيجابيّة على مستوى معرفة العالم بمنابع نهر النيل، أهم نهر في الحضارة الإنسانية، والبحيرات الكبرى وغير ذلك من الكشوفات الجغرافيّة، كما كان لها جوانبها السلبيّة ؛ إذ قادت إلى استعمار هذه الأراضي واستنزاف مقدّراتها. وهو جانب، بل فكر غدا واضحاً من خلال قرينه 'الاستشراق'، الذي كتب عنه البروفسور إدوارد سعيد كتابه المهم بالاسم نفسه. و 'الاستفراق' على وزن المصطلح الأول لا يختلف عنه فكراً وممارسة، بل هو امتداد له.
وإلى جانب العنصرين؛ العماني والفرنسي، اللذين تنافسا على جزر القمر في هذه الفترة هناك عنصر ثالث، طالما تداخل ـ بحكم الجغرافيا- في مجريات الأحداث بجزر القمر، ألا وهو العنصر الملجاشي. فأقرب يابسة إلى الجزر هي جزيرة مدغشقر. ولهذا التقارب كان المؤرخون العرب القدامى يشيرون بجزائرالقمر إلى مدغشقر والجزر الأربع الأخرى. وأطماع سلاطين مدغشقر في الجزر قديمة قدم التاريخ، وكثيراً ما كانوا يغيرون على الجزر وينهبونها. والسلطانة فاطمة مثال جيّد على ذلك النفوذ الملجاشي. فأبوها السلطان 'رامنتاكا' ملجاشي الأصل، هرب من بلاده لصراعات على السلطة هناك، واستولى عنوة على الحكم في جزيرة موهيلي الوادعة في عام 1832م، وتسمّى باسم عبد الرحمن، وأعلن إسلامه، وتحالف مع السلطان سعيد بن سلطان.
العنصر الرابع هم الطرف الأضعف في هذه الحلقة، وهم سكّان البلاد الأصليون، الذين انقسمت ولاءاتهم بشكل متوزّع بين العناصر الثلاثة المشار إليها. ولا شك أن هناك قسم ثالث كان ولاؤه للأرض نفسها، أرض جزر القمر.
وفي فصول الكتاب يسرد الدكتور كرهيلا ذلك الصراع بين تلك العناصر المختلفة على الفوز بالأرض والفوز بالزواج من الأميرة الصغيرة. وهو يوضّح كيف أن الفرنسيين خططوا لهذا الأمر تخطيطاً بعيد المدى، حتى ظفروا برعاية الأميرة الصغيرة، مسخّرين لذلك المربيّة 'مدام درواة'، لتنشئتها تنشئة مسيحيّة 'صافية'. وقد اعتمد الدكتور كرهيلا في هذا الشأن وفي أغلب الكتاب على المصادر التاريخيّة الفرنسيّة، التي اعتمدت بدورها على تقارير رسميّة، ووثائق، ومراسلات محفوظة . ولا شكّ أن هذا أمر إيجابي. أعني به الاستفادة من المصادر الفرنسيّة، لأنها الأكثر إحاطة ودقة بتاريخ جزر القمر الحديث. وإن كان لذلك الأمر إشكاليّة لا تغيب عن العارف هنا. وهي أن الرؤية الفرنسيّة هي رؤية الآخر/ العدو، الذي من مصلحته تشويه صورتنا. إلا أننا لا نملك بديلاً عن ذلك بسبب غياب المصادر العربيّة، فضلا عن ضياع الوثائق العربيّة. والدكتور لم يقف أمام تلك الروايات الفرنسيّة المتحاملة على الوجود العربيِّ موقفاً سلبياً بل نقدها، ورفض منها ما لا يستقيم مع المنطق والواقع.
وكما دخل الفرنسيون بخططهم دخل السلطان سعيد بثقله، فأبدى رغبته في الزواج من هذه الأميرة، تتويجاً لعلاقة أبيها عبد الرحمن بالسلطان سعيد. ثمّ كان أن حالت مشاغل السلطان دون إتمام ذلك فأرسل قريبه سعيد بن محمد بن ناصر البوسعيدي، الملقّب بـ'مكدارا' (ت 1864م). وكان أن ظفر رسول السلطان سعيد بالزواج، وضمن بالتالي تبعيّة موهيلي لزنجبار. ولا تشير المصادر الموجودة إلى هذه الشخصيّة. وقد عرفت أن هناك منطقة بممباسا، يقطنها البلوش تسمّى 'مكدارا'. وأصل تسميتها أن سكّانها نقلوا، لأسباب نجهلها، من مساكنهم إلى مواضع أخرى. فكان الناس يسألونهم : لماذا نُقلوا؟ فيقولون: 'قدّر الله وما شاء فعل'. ويقولون أيضاً: مقادير. فسمّيت المنطقة 'مقدارا' أو 'مكدارا' بالنطق السواحلي. وربما سكن سعيد هذا بهذا المكان، فـُنسب إليه على عادة الثقافة السواحليّة.
ونشير أن أبناء 'مكدارا' حكموا موهيلي، وكذلك أبناؤه. ولم يمتد نفوذهم طويلاً هناك. وفي زيارتنا للجزر في العام الماضي التقينا باثنين من نسل 'مكدارا' هذا، وأطّلعنا على الوثائق الفرنسيّة والعربيّة التي تثبت أصولهم العمانيّة، وصوّرنا تلك الوثائق، والحفيدين الاثنين.
وقبل أن نختم هذا التقديم السريع نود العودة إلى نقطة ذكرناها في صدر هذه المقالة هي، كيف ننطق اسم هذه الدولة؟ كنت قبيل وصولي إليها أنطقها بضم القاف، نسبة إلى طيور القـُمارى، وهي بضم القاف أيضا، التي قيل إنها تكثر بها. وقد قرأت هذه المعلومة في مصدر لا أذكره الآن. وأذكر جيداً أن أحد طلاب أبي مسلم ناصر بن سالم البهلاني النابهين هو برهان الدين بن مكلا القمري، الذي برَّز في علم النحو وأصبح يشار إليه بسيبويه زنجبار. وكان شاعرا لا بأس بنظمه. وعندما ُتوفي أستاذه رثاه بقصيدة تذوب أسفاً على خسارة زنجباز علـَمَها الأمكن. وأذكر أنني صوّرت هذه القصيدة الصيف الماضي من مكتبة المعلم محمد إدريس بزنجبار. وقد ضُبطت قبيلة برهان مكلا، كما يتراءى لي الآن، بضم القاف. ويتبدَّى لي أمر جديد في اسم هذا العلم وهو أنه يحمل إشارتين إلى مكانين (مكلا، بحضرموت اليمن) و القمري، نسبة إلى موطنه الأخير. وهجرات الحضارمة إلى هذه الجزر وتأثيرهم فيها لا ينافسه إلا الأثر العماني، هجرة ً وحكماً.
أما النطق السائد لاسمها فهو جزر القـَمر، بفتح القاف، لا بضمها. وذلك ـ حسب الرواية المتداولة ـ أن المهاجرين العرب الأوائل في القرن الثامن الميلادي قبيل أن ترسو سفنهم على شواطىء هذه البلاد، وكان القـَمر بدراً، رأوا أشعته منعكسة على صفحة مياه البحر الهادئة، فقالوا: هذه جزر القمر. وهكذا أخذت هذه الجزر هذا الاسم الحالم الجميل.
ونحن نميل ـ رغم شيوع التسمية الثانية ـ أن التسمية الأُولى هي الأَولى، ذلك أنّ التسمية الفرنسية لها ـ وهي مأخوذة عن التسمية العربية ـ ترِد بضم القاف (Comoros). وما نقوله هنا لا يجاوز حدود الفرضيـّة، ومحاولة التفسير. والمسمّى الرسمي الآن بفتح القاف، والقوم أدرى ببلادهم.
أخيراً، وليس آخراً، نقول إن هذا الكتاب يسدُّ فراغاً في المعرفة التاريخيّة بالعلاقات العمانيّة ـ القمريّة، ويفتح باباً واسعاً للباحثين في عمان وجزر القمر، والباحثين، عامّة لنفض الغبار عن تاريخ مشترك علينا معرفته والاستفادة من جوانبه الإيجابيّة، دون تباطؤٍ ولا تقصير.
ملحوظة: هذا تعليق يصاحب الصورة:
السلطانة جومبيه فاطمة
(المصدر: المركز الوطني للتوثيق والبحث العلمي ـ موروني )CNDRS

الاثنين، 15 أغسطس، 2011

تفاهم




لم اسع لمعرفة كيف اتفق مع الاخرين بل سعيت لمعرفة كيف اختلف معهم وفي نفس الوقت احترمهم

من صفحة الفبس بوك الخاصة بالدكتور محسن الصفار 


السبت، 6 أغسطس، 2011

المكتبة الشخصية الأكبر في الشرق الأوسط تئن إهمالا

 
 
إغراءات بيعها أو نقلها من بعلبك تبوء بالفشل
 
بيروت: مازن مجوز
كان يلجأ إلى جمع بذور المشمش والخرطوش الفارغ الذي كان يخلفه الجيش الفرنسي في حقول الرماية، ليبيعها ويضم ثمنها إلى مصروفه اليومي من والدته ومقداره قرش واحد، بهدف شراء مطبوعة قد تكون جريدة أو مجلة أو كتابا.
«هي هواية غامضة كبرت وتبلورت مع الزمن حتى أصبحت الشغل الشاغل لدى والدي»، كما قالت ليندا، ابنة عبده مرتضى الحسيني في حديث لـ«الشرق الأوسط». وأضافت: «ففي أحد الأيام التقط مجلة متسخة من الشارع، وكان في السابعة من عمره، مبديا فرحته بها في البيت وكأنها لعبته، إلا أن توبيخ الوالدة كان بالانتظار». وتضيف ليندا: «لم تكن الوالدة تعلم آنذاك أن هذه الأوراق الممزقة ستكون نواة لأكبر مكتبة سيملكها فرد في البلاد العربية، ودون أن يدرك هو أيضا، أنه يضع حجر الأساس لقلعة ثانية في بعلبك».
«ربما كانت مكتبة عبده الحسيني أكبر مكتبة خاصة في منطقة الشرق الأوسط»، بحسب «إذاعة لندن» الدولية.
كتاب فوق كتاب، هذا بالشراء، وذلك هدية، وآخر بالمبادلة، هكذا كبرت المكتبة، ووصلت كتبها إلى المطبخ، فغرف النوم، والأدراج، والزوايا، فخزائن الثياب.
وبسبب الضائقة المادية، التي طالما عانى منها صاحب المكتبة، باع معظم الكتب المكررة لديه، وقسما من المكتبة اللاهوتية، ونسخا من المخطوطات القرآنية المكتوبة بماء الذهب.
كان شعار الحسيني «الإنسان يساوي معرفة»، لأنها المصدر الأساسي لتطور البشرية، شأنها شأن التعليم، على حد قول ليندا.
قبل معرفته القراءة والكتابة تملكه شغف الكتاب، فراح يجمع نسخا من صحيفة «بعلبك» ليوسف معلوف، وصحيفة «جوبيتر» ليوسف فضل الله سلامة، وغيرهما.
توفي والده وله من العمر عشرون يوما، فترعرع هو وأخوه سعيد في كنف والدته وخاليه محمد وعلي مرتضى. عندما أصبح له دخل شهري من مهنة التعليم، التي قضى فيها 40 عاما، انتقل إلى مرحلة شراء مكتبات بأكملها، مما كلفه بيع ميراثه. فقد باع ذات يوم آلاف الأمتار المربعة دفعة واحدة بمبلغ 600 ليرة. وهو مبلغ زهيد مقارنة بقيمتها الحقيقية، مقابل الحصول على مكتبة زيدان بكتبها النادرة.
ومن أهم المكتبات التي اشتراها أيضا تلك العائدة إلى الأمير رئيف أبي اللمع، جرجي نقولا باز، فيليب حتي، يوسف صفير، دير غزير. فترة ذهبية من حياة عبده الحسيني الشيوعي الهوى، تمثلت بترؤسه وفد لبنان إلى مؤتمر هلسنكي للسلم العالمي 1955، حيث تعرف على المئات من أهل العلم، والأدب، والفلسفة، والشعر، والسياسة وأصحاب دور النشر.
15 ألف عنوان ثقافي، كان الحسيني يتبادل معها الكتب والمنشورات. فمثلا بعد زيارته الصين ولقائه ماوتسي تونغ، بدأت الصين ترسل إليه معظم إصداراتها، وباللغات الفرنسية والإنجليزية والصينية.
معظم الدول الأوروبية قام الحسيني بزيارتها، قاصدا مراكزها الثقافية، متبادلا معها الكتب والمنشورات.
من 300 مكتبة كاملة، تتألف مكتبة الحسيني، وهي تضم جميع فروع المعرفة، من أدب وشعر، وفلسفة وتاريخ، وجغرافيا واقتصاد، واجتماع وطب، وهندسة وديانات، وعلوم إنسانية بكافة أنواعها، فضلا عن مطبوعات مجامع اللغة العربية من دمشق وبغداد والقاهرة وفلسطين واليمن، إضافة إلى أكوام من الصحف العربية اليومية، تكاد تلامس سقوف الغرف.
هي مكتبة تشغل مساحة 25 غرفة ممتلئة بمليون كتاب، 80 في المائة، منها باللغة العربية، وما تبقى فبثلاث عشرة لغة عالمية.
أثناء تجولك داخل قسم المخطوطات، تستوقفك نسخ من القرآن الكريم تعود إلى خمسمائة سنة، وبعض رسائل الحكام في القرن التاسع عشر، منها رسالة من والي عكا عام 1831، ورسالة من قنصلية فرنسا في اللاذقية، باسم الإمبراطور نابليون الثالث إلى سعيد بطرس الخوري عام 1869، كذلك تلفتك دائرة معارف لمفكري اليونان والرومان، في 73 مجلدا مطبوعة باللغة الفرنسية، فضلا عن أهم الكتب العربية، القديمة منها والحديثة، بطبعاتها الأولى.
أما أقدم كتاب في مكتبة السيد عبده، كما كان يناديه أهالي بعلبك، فيعود إلى 300 سنة، وهو كتاب هندسة بناء باللغة الفرنسية، فيما أحدث ما لديه من مجلات مصرية.
وفي تاريخ 23 فبراير (شباط) 2007، لف السواد مدينة الشمس، حيث كانت مآذنها وأجراسها حزينة، تنعي ابنها صاحب مسيرة النضال الطويل الذي رحل في ذلك اليوم وبقيت كتبه تئن بين الجدران وحيدة.
وتؤكد ليندا حصول اتصالات كثيرة، وإغراءات كبيرة لشراء المكتبة ونقلها إلى خارج لبنان أو خارج مدينة بعلبك، لكن والدها كان يرفض العروض، وبقي مصمما على إبقائها مكان ولادتها، وهو ما تسعى العائلة للحفاظ عليه. وقد قال عبده الحسيني ذات يوم «لو بعتها كأنني بعت أولادي».
واليوم فإن مكتبة الحسيني تزيد أهمية عن دار الكتب الوطنية، لكنها تحتاج إلى بناء من ستة طوابق، وإلى موظفين، وأجهزة كومبيوتر، وقاعة مطالعة وأجنحة وإدارة وقسم صيانة.
صرخة تطلقها المكتبة، بعد أن أصبح قسم منها مهددا بالتلف نتيجة للرطوبة وتكدس المحتويات فوق بعضها البعض. إذ يصعب عليك المرور بين أقسامها، لا بل قد تخاف من سقوط بعضها، على الرغم من قيام عائلة الحسيني بتوزيع المطبوعات على 25 غرفة في منزلين.
إشارة إلى أن عاشق الكتب هذا، حاز عشرات أوسمة التقدير من كبار المسؤولين، وأطلق وزير التربية السابق اسمه على ثانوية بعلبك الرسمية المختلطة. لكن الحسيني كان يردد دائما «أنا لا أريد تكريما، كرموا هذه المكتبة بتحويلها إلى مكتبة عامة». هذا هو حلم عبده الذي لم يتحقق وصرخته التي لم تلق آذانا صاغية من المعنيين، على الرغم من أن رواد المكتبة كثر، وهم من داخل لبنان وخارجه.