السبت، 27 أغسطس، 2011

تبجيل الفشل..



السعودية زينب البحراني تكتب تجربتها في «مذكرات أديبة فاشلة»

بقلم محمد خضر

أن يضع المبدع قصة حياته أو مذكراته أمامنا بات أمرا معهودا ومنتشرا. هنا وهناك نعثر على الوجه اللامألوف وعلى مالم يقل، والكثير من الأوراق المخبوئة في أدراجها، حتى أن دور النشر باتت تقر بأن أكثر مبيعاتها هي من هذه الكتب التي تروي فصولا من مذكرات فلان أو فلانة. وكتاب “مذكرات أديبة فاشلة” للأديبة السعودية زينب البحراني (الكتاب صدر عن مؤسسة شمس المصرية في القاهرة) يطرح من عدة أوجه قضايا الكاتبة في الوسط الاجتماعي والثقافي ومشوار طويل بدأ من طفولتها حيث كانت الأبواب مشرعة ومهيأة لانطلاقتها في عالم الكتابة، ذلك العالم الذي لم يكن سهلا من جهة ومحاط بظروف اجتماعية وثقافية من جهة أخرى، تطرحه الكاتبة بعين ثاقبة على قضايا المرأة المثقفة سواء مايتصل بوجودها ضمن خطاب ثقافي ذكوري معني بالوصاية، أو بجهل الكثير من الكتاب والمؤلفين بحقوقهم أمام جشع الجهات التي تفرض عليه هذه الوصاية كدور النشر مثلا.
ومن هنا تنطلق زينب البحراني قارئة قريبة من الحدث حيث تضع نفسها وتجربتها في هذا المختبر وتعاين حالتها ضمن ماينبغي وماحدث طيلة مشوارها مع الكتابة، التي آمنت بها منذ تلك اللحظة التي وجدت نفسها أمامها وجها لوجه، فصارت الكتابة كائنها المألوف وشريعتها ولذا لابد من المضي نحو كتابة تفسر وتضيء بل وتهتك العتمة التي تعتري دروب الابداع احيانا وتحاول أن تغشاها. ولعل هذه الطريقة التي اتخذتها زينب البحراني في تصنيف الكتاب ومنهجيته كانت هي الأقرب لقول كل هذا، وفصل عن العائلة والمجتمع الخليجي تركيبته ونمطيته وعلاقته مع الابداع والمبدعة خصوصا يكشف هذا النسيج ويحلله باتجاه المرأة عموما والمثقفة خاصة وباتجاه قضايا سيطرت على عقلية هذه المجتمعات حتى باتت هي الجوهر لا السطوح، وآخر يحكي الوظيفة حين تكون شيئا آخر بعيدا عن اهتمام المبدعة وعالمها، وفشل في تجربة مع دار نشر وكيف حرمتها تلك التجربة في أول إصدار لها من أن تعيش لذة الكتاب الأول المطبوع.. كل هذا محاط بالفشل لكنه الفشل الذي لاتعامله الكاتبة كمفردة جامدة من أي شعور جديد بها بل هو الفشل المنتج والخلاق والذي كان هو المحرض على هذا الكتاب.
لنقرأ زينب وهي تقول “لا أدري لماذا تنظرون إلى عنوان هذا الكتاب كمن يحدّق في امرأة سيّئة السمعة تسير سافرة في حيّ متزمّت!.. نعم، وماذا في أن أكون فاشلة؟ الفشل حقٌ مشروع للجميع، وهو ليس جريمة يُعاقب عليها القانون. لذا فإنّ لي مطلق الأحقيّة كإنسانة أن أفشل كما يحلو لي، دون أن يسمح مخلوق لنفسه بالتطفّل على حرّيّتي الخاصّة في الفشل مادمت لا أعتدي بفشلي على حدود حرّيّات الآخرين، وعلى رأسها حرّيّاتكم. ثمّ إنني، صدّقوني، لم أتعمّد السقوط في بالوعة هذا الفشل. أنا لا أحاول التبرير أو اختلاق الأعذار، ولن ألقي باللوم على كاهل الحظ رغم إصراره على الإشاحة بوجهه عنّي ورفض صداقتي مهما قدّمت لجلالته من قرابين يوميّة. كما لن أرجو منكم مُحاولة انتشالي من حضيض فشلي بأيّ نصيحة بعد أن غرقت بالفعل وفات أوان إنقاذي.. كلّ ما أريده هو أن أعترف على مسامع أبصاركم بأسرار فشلي العنيد بحذافيرها دون زيادة، كي أترك فيصل الحُكم في الختام لعدالتكم، أو على الأقل.. لوجهات أنظاركم. ومن يدري.. ربّما ستكتشفون مع الكلمة الأخيرة من هذا الكتاب أنني لست فاشلة فحسب، وإنّما لست أديبة حتّى!”. ولم تكتف البحراني بتعرية المشهد من خلال تجربتها بل مضت إلى الممارسة النقدية الحيوية من خلال عدد كبير من القضايا الثقافية المسكوت عنها في المجتمعات المتخلفة وغربة الكاتبة تلك التي تبتدئ من اللاوعي بكونها أنثى وكاتبة وتلك التي تصطدم مع حرية الكاتبة وثقافتها الأدبية المتصلة بالحداثة والتراث على حد سواء، وبالتالي التي قد تصطدم مع دورها التوعوي كمثقفة وهذا ماتشير له ولو بشكل غير مباشر في زوايا كثيرة من فصول كتابها، آمنت البحراني بدورها منذ وقت مبكر وكتبت أيضا أول كتبها في القصة القصيرة، عاشت في مناخ ثقافي حر ولو كان هذا بفضل دأبها وجهدها فقط فشاركت وارتحلت بغية الإبداع وسافرت إلى أمكنته لتقدم لنا في نهاية الأمر هذا الكتاب الممتع ولو كان عنوانه العريض هو الفشل، والذي ذكرني في أولى قراءاتي له بعبارة لأحد الكتاب يتحدث فيها عن أن الاعتراف بالفشل فضيلة تقدم لنا النجاح على طبق من ذهب، إذ لايشعر بهذا الشعور سوى من يعرف ناحية النجاح وجهة الضوء والذي لايكل ولايمل وهو يبحث في تماثله للشفاء من أي كبوة، لكن من منا يعتقد أن البحراني هي أديبة فاشلة حقا؟ لنقرأ في هذا الكتاب كل قيم الإصرار والحوار والكفاح في سبيل أن تتخلق مضيئة ومشرقة وقادرة على البحث عن الجوهر والحقيقة والأهم أنها البعيدة عن الزيف والادعاءات حاملة معها مايعري ويكشف الوجه القبيح والرديء في كل فصل

المصدر جريدة الاتحاد



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق