الاثنين، 28 مارس، 2011

الترابط ثقافتنا


ليست هي التجربة الأولى للفنان التشكيلي الكبير أنور سونيا لعمل لوحة بالاشتراك مع فنان أو مجموعة من الفنانين التشكيليين من داخل السلطنة وخارجها، فخلال معرض ندوة عُمان والهند .. آفاق وحضارة اشترك سونيا في إنتاج لوحة بالتعاون مع الفنانة التشكيلية الهندية رباب زيدي، اللوحة من القماش وتبلغ مساحتها مترين في متر واحد وقد استخدم كل منهما ألوان الأكرليك.

هناك رموز كثيرة وواضحة في هذه اللوحة ففي الجزء الخاص بالفنان سونيا نجد الرجل والمرأة أساس الحياة في كل مكان في العالم والقرب بينهما في اللوحة يعكس التعاون ويطالب بإزالة الحواجز التي تمنعهما من الإنتاج والإبداع ، وبالنسبة للقلعة العمانية على قمة الجبل فهي رمز للقوة والاستمرار والشموخ والشمس المشرقة على الجبل هي رمز الحرية والمساواة والنخلة رمز من رموز الحياة والوطنية وكذلك الحال بالنسبة لألوان العلم العماني.
على الرغم من وجود عنصر الرجل والمرأة في الجزء الخاص بالفنانة رباب إلا أن كلا منهما وضع أفكاره الخاصة به مع وجود عنصر مشترك في وسط اللوحة ويعمق الترابط والتواصل بين البلدين وهو الأكف الضارعة إلى الخالق وحمامة السلام وكأن هذه الأكف تدعو إلى المزيد من التقارب والوحدة، وقد استخدمت الفنانة رموزا معروفة في بلادها حيث يرتدي الرجل في اللوحة عمامة راجستانية وبالنسبة للمرأة فترتدي زيا معروفا في مناطق كثيرة من الهند مع مجموعة من الحلي، وضعية جلوس المرأة وضعية ترحيبية وكأنها تنتظر ضيفا ما واللون الأحمر في ملابسها يعبر عن الفرحة وتقاليد الزواج وهذا اللون فيه الكثير من الحميمة ويشكل أهمية كبيرة لدى العديد من الناس في الهند وخاصة النساء.
كذلك تصافح ألوان العلم الهندي الصرح الإسلامي الشهير "تاج محل" وهو من المعالم التاريخية والسياحية في الهند ويرمز إلى الحب والترابط والسلام، ربما يردد بعض النقاد بأن الهند ليست تاج محل فقط ففيها الكثير من المعالم والرموز ومع ذلك فإزالة هذا العنصر من الأعمال الفنية المشتركة من هذا النوع أشبه بإزالة إحدى ألوان قوس قزح السبعة.






الأحد، 20 مارس، 2011

نصوص مختارة من قيس وليلى والذئب لبثينة العيسى



تذكار


لم يصافح خدّها قبل رحيله، بل غرسَ في وجهها جرحاً. شتلة الجرحِ أزهرت، أينعت، تدلّت قطوفها وثقلت غصونها وامتدت جذورها عميقاً .. عميقاً صوب الرّوح.


... ولم يرغب أحدٌ بقطف الفتاة التي تحولت إلى جرح.


خلود

منذ أخبرها الحلمُ بأنها ستغادرُ الحياة وهي تخبئ وجهها في البراويز.


ورغم أن منزلها خاوٍ وجلدها ذاوٍ، ورغم أن أحداً لن يفتقدها لو رحلت، إلا أنها تصرّ.. لا قيمة لمنزلٍ لا يخلّد وجوه ساكنيه، على الأقل في ذاكرة الغبار وبيوت العناكب والبراويز الخشبية العتيقة..


فخاخ الأحلام

تساءل ثلاثة أولاد: لماذا تبرعُ الأحلام في الفرار من ذاكرة الحالمين؟ ما الذي يجعلها بهذه القدرة على التسرّب والاستعصاء؟


قال الأوّل: الأحلام فراشات من ضوءٍ، أجنحتها شفافة، وهي تختفي من أعيننا بمجرد حلول النهار..


قال الثاني: الأحلام فصوص بلورية منتشرة في الفراغ، تمتلئ بها الأمكنة، تحطّ على أنوفنا عندما ننام وتبدأ في التوغل في مسامنا لكي نحياها، الأحلام تستشهد فينا وينتهي وجودها بمجرد تعرّفها.


قال الثالث: كلا الرأيين خاطئ! الأحلام ليس لها شكل واحد ويستحيل معرفة كنهها، ولذا يصعب القبض عليها دائما، ولهذا نحن لا نتذكر من حلمنا إلا بعضه.


وهكذا قرر الثلاثة أن يصطادوا حلماً ليتعرفوا عليه، فنصبوا فخاخ الأحلامِ حول وسائدهم وغطوا في النوم، في الصباح.. وجدوا أن الفخاخ التي نصبوها قد اصطادتهم هم!


هزّ الثلاثة رؤوسهم : أحلامنا هي نحنْ، هي ما جبلنا عليهِ، هل ما يصنع حقيقتنا و هي .. ما ننساهُ على الدوام.


مات العزيز

بكت الزوجة والأم والولد والخادم الأمين، وخيّل للأسرة المفجوعة بأن العالم كله يبكي، يتفجع فقد العزيز، ولكنّ ذلك لم يكن صحيحاً، فقد كان العالم يضحك!


لأن الدود وجد طعاماً مجانياً لأيام، ولأن الجثة تحولت إلى سماد فاعشوشبت البقعةُ الحزينة التي هي قبره، وشوهدت فراشة صغيرة تصفق بأجنحتها فوق العشب، وشوهدت الهرة الشقيّة تراقب الفراشة وتنتظر فرصة للوثب، وشوهد الكلبُ الذي يهوى عض أذيال القطط السعيدة يترصد للقطة، وشوهد الطفل يضحك ويكعكع لأنه رآى عشباً وفراشة وهرة وكلب، لقد أصبح العالم جميلاً جداً في تلك البقعة، وامتلأ المشهد بالفرح والحياة .. فوق جثة العزيز.



السبت، 19 مارس، 2011

أوطاننا أمهاتنا


الأم هي الوطن والوطن أو بلادنا الحبيبة هي أمنا الكبرى التي نفديها بأغلى ما نملك: النفس والولد والمال.

وفي شهر مارس الجاري هناك أشياء كثيرة تستثير النفس البشرية وتشجعها للكتابة عن الأم والوطن ليوحد حبر السطور بينهما. فالأم هي التي تصنع عبقرية الأبناء ومجد الأوطان وبين صفحات التاريخ منذ فجره وإلى يومنا هذا سنجد أمهات قدمن للبشرية عظماء غيروا وجه التاريخ وساهموا في بناء الأمم وتطويرها هاجر وأم موسى ومريم وآمنة وخديجة وفاطمة وأم البنين والعديد من الأمهات.
بدون الأم لا تكتمل منظومة البناء وهناك صلة وثيقة في الكثير من الثقافات بين الأرض والأم فهما الحضن الدافئ الذي لا يمكن للمخلوقات الاستغناء عنه.
الكتب السماوية والأخلاقية ترى أن أساس الفضيلة هو أن يحب الإنسان أمه.
في كل لغات العالم كلمة (ماما) على سطح هذه الكرة الأرضية تحمل المعنى ذاته في كل مكان وزمان كما توحد هذه الكلمة البشر جميعا على الرغم من اختلاف طبقاتهم وجنسياتهم وألوانهم وأديانهم وعقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم وغير ذلك.
وقد يحدث ويختلف أبناء بلد ما على أمور وأشياء كثيرة ولكن هذه الكلمة تجمعهم وتوحدهم فهي القلب والروح وهي الوطن، نعم أوطاننا هي أمهاتنا فأحبوها وهي ملك للجميع ولا يجوز الإساءة إليها وإحراقها وتخريبها لتضيع من بين أيدينا فالبناء يأخذ سنوات كثيرة بعكس التدمير والخاسر الأكبر هم الأبناء الذين يقومون بهذه الأمور.
مهما تكلمنا عن كنز الحياة الوطن والأم فلن نوافيهما حقهما، كل عام وأوطاننا: أمهاتنا في سلام وأمان.



الثلاثاء، 15 مارس، 2011

موقع الكتروني يطلق حملة ابداعية للقراءة


اطلق موقع اكاديمية التدريب الالكتروني للتدريب عن بعد حملته الالكترونية الاولى والفريدة من نوعها لنشر ثقافة القراءة بشكل مختلف ومبدع، اذ تعتمد هذه الحملة على ثلاثة مراحل اولها القراءة ثم العرض ثم المناقشة، حيث يقوم احد المشاركين باختيار كتاب يهتم بجوانب التنمية البشرية قكرا او ادارة او تربية ثم يقوم بقراءة هذا الكتاب وتجهيز عرض تقديمي له وبقوم بعرضه على القاعة الصفية الالكترونية التابعة للاكاديمية على جمهور المشاركين بالحملة وبعدها يتم مناقشة العرض والخروج بالفوائد والاستنتاجات.
الهدف الخاص والإبداعي لهذه الحملة هو سد الفراغ الهائل في عملية التدريب المتمثل في انخفاض مستوى تحديث معلومات المتدرب بكل جديد في عالم التدريب بعد إنهائه البرنامج التدريبي وجعل المتدرب العربي في مصاف الباحثين بحيث يبحث عن الاستزادة لمعلوماته، فغالبا ما يختم المتدربون برنامجا تدريبيا ولم تذكر لهم في هذا البرنامج مراجع للاستزادة، أو من الممكن أن يكون المدرب قد ذكر المراجع لكن المتدربين لم يطلعوا عليها ظنا منهم أن المهارات والمعلومات في الدورة تكفيهم، أو أنهم لا يستطيعون ان يقرأوا في هذه الكتب بانفسهم وفهم التقنيات التدريبية المطروحة فيها، أو تكاسلا منهم وغفلة لان أزمة القراءة - والتي تمر بها أمة اقرأ - تشمل العلوم عامة وعلوم التنمية خاصة.

و من جهتها فقد اكدت الاستاذة سلوى شرف المدير العام لاكاديمية التدريب الالكتروني ان هذه الحملة فريدة من نوعها فلن تعتمد على نقاش الكتاب بشكل كتابي كما هو في المنتديات التي أطلقت حملات لقراءة الكتب ووضع ملخصات، وليست هي مجرد إعادة وترديد لفكرة الكتاب المسموع، بل هي فكرة قائمة على المبادرة والظهور أمام الجمهور وعرض الكتاب ونقاشه صوتيا والرد والشد والجذب وروح التفاعل والمتعة واقتناص الفوائد من بطون الكتب التنموية.


ومن جهته فقد اشار الاستاذ محمود كلوب مطلق الحملة والمشرف العام ان هذه الحملة تهدف بشكل عام الى الارتقاء بالفرد والمجتمع العربي تنمية وإدارة وفكرا وتربية كما ان لهذه الحملة اهدافا خاصة تتمثل في:


اولا: إحلال ثقافة الفعل والمهارة بدلا عن ثقافة المعلومات المعلبة الجاهزة، وذلك لإحداث التغيير المؤثر في ذات الفرد .

ثانيا: تطوير مهارات القراءة الإبداعية من خلال التحليل واقتناص الفوائد والاستنتاج وإبداء الرأي فيما هو مكتوب والخروج من نمطية وسلطة معلومات ومعارف الدورة التدريبية التقليدية .

ثالثا: تعميم و تعظيم مخرجات القراءة الهادفة بالتركيز على مرحلة ما بعد القراءة، تلك المرحلة التي للأسف قليل من يعتنون بها، ويحصرون أنفسهم في مرحلة القراءة الآنية ذاتها .

هذا وتدعو اكاديمية التدريب الالكتروني جميع المهتمين للمشاركة في هذه الحملة واثرائها بكل ما يصب في مصلحة نشر القراءة النشطة والتفاعلية.

للاطلاع على الحملة من خلال الرابط:

http://www.ot-academy.com/vb/showthread.php?p=3236#post3236




الاثنين، 7 مارس، 2011

النار يا أمي





إهداء إلى روح البوعزيزي رحمه الله


عربة للخضار بأربع عجلات تدوس قلبي كل يوم ألف مرة،أجرجر وراءها خيبة يوم سابق، وعمر لاحق، أجمع فوقها أمنيات ضحلة بغد أفضل، وشمس تشرق على الجميع بالقدر نفسه من الدفء، دون أن تحرق أحدا منا وتدفئ الآخر، أجر خطواتي وعربتي بالقدر نفسه من الخيبة، و القدر ذاته من الاستسلام، ما الذي يمكن أن تأتي به عربة متواضعة للخضار، فواتير الكهرباء، دواء أمي، طعام العائلة المؤلفة من سبعة أشخاص؟؟.. هل بوسعها أن تشتري لي بعض الصبر، بعض الفرح، موتا مؤقتا أغلق خلاله عينيّ وعقلي عن كل ترهات زمن لا أجد نفسي محسوبا ضمن كائناته الحية.
دورية الشرطة تلاحقني، العربة غير مرخصة، والشارع الراقي يفقأ عين جماله مرور قباحة عربتي وصاحبها..ساكنو الشارع تؤذي ذائقتهم رائحة الفقر التي تفوح من كم وجعي، تتوجه الدورية إليّ بكل عناصرها، كأنما في جعبتي أموال الوطن، وخزي الرشاوى المقبوضة لاختلاس حقوق مواطن آخر، جريمته الوحيدة أنه لا يستطيع أن يدفع رشوة، إما لبقايا ضمير يرفض أن يموت ولو باغتيال من أصابع حامله، أو لجيب مثقوب لا يحوي قرشاً إضافياً يقدمه هدية حاجة مزمنة لجيب متنفذ آخر، قاطع طريق عصري، يقف في وجهك لا يشهر سلاحاً مرئيا لكنك تعرف جيداً أن طلقاته لا تأتيك إلا في مقتل، ويهدد حياتك دون أن ينطق بكلمة مسموعة.
لا شأن للشرطة بقطاع الطرق الذين ينهبون خزائن الوطن، ويتاجرون بأحلام شبابه، ويهربون الأماني في طائرة ورقية ليودعوها حسابات سرية، فالأمور تحسب بدرجة أهميتها، ولا شك أن عربة الخضار هذه أكثر خطراً على أمن البلد من جميع السرقات المفضوحة والمخفية، فوحدي حظيت بدورية كاملة، ولم يحظَ أصحاب السعادة اللصوص الكبار إلا بالتبجيل والتطبيل.
لا تنفع توسلاتي لأكبرهم رتبة، والشرح الذليل الذي أتكبده في أن ورائي عائلة، أفواها مفتوحة على آخرها بانتظار رغيف خبز نتقاسمه دون شبع، وبأدنى مراتب الشهية لقوت ليس في وسعنا أن نحظى برفاهية تبديله، وأنني لست رجلاً بلا مؤهلات، فقد صادف أن حصلت على إجازة جامعية منحتني إياها جامعة الوطن بعد أن دفعت ثمنها سنوات أربع، ليضاف اسمي في نهاية المطاف إلى قائمة العاطلين عن الحياة، اليائسين من الموت، المرتمين على قارعة الوجع، لا يهم المسمى، المهم أننا جميعاً نشترك بصفات تصنفنا في القائمة ذاتها، ليس عليك أن تحصي تلك الصفات، يكفي أن تنظر في عيون أحدنا لتدرك أنه في تلك القائمة التي يطويها الوطن كل يوم، وقد أضيفت إليها دفعة أخرى، لتنبت نخيل همٍّ ووهم على ترابه، همّ لا يقوى على اجتثاثه، فالأرض لا تنكر أبناءها، حتى وهم جائعون، عراة..يطلبون الموت ولا يطلبهم.
العربة في جعبة رجال الشرطة، يصادرونها وعلى وجوههم الكالحة يورق شيء أفهم بأنه عدم اكتراث، هم لا يسمعون صرخة قلبي وأنا أفقد مصدر رزقي الوحيد.. لو أنني كنت من قطاع الوطن،أولئك الذين ينامون كل يوم بعد أن يبتلعوا دواء للتخمة كتبه لهم مستشار الهضمية الذي يعمل في أفخم منتجع طبي تم تصميمه خصيصاً لأوجاع الكروش المنتفخة، والرؤوس التي استؤصلت ضمائرها، وزرعت بدلا عنه ذواكر إلكترونية لحفظ أرقام سرية لحسابات تفوق عدد أصفار أرصدتها قدرتي المتواضعة على المعرفة، تلك التي لا تتجاوز حدود الدراهم التي تفقأ عين حاجتي وأنا أدور بعربتي متوسلاً بيع البضاعة بربح بخس، بينما أتجرع كل يوم جوعي وقرفي وبؤسي..وبقية كرامة تأبى ألا أن تنخز خاصرتي قبيل النوم، تذكرني أنني أفقد كل يوم شيئاً من إنسانيتي، ويضاف إلى رصيد خسائري كوم من أشلاء أحلام كنت أرتكبتها قبل أن أدرك أن للأحلام لصوصاً، بمقدورهم أن يسرقوا الضوء من بين جفنيك..قبل أن تعرف أنه بإمكانك أن تراه جيداً.
أجرجر ذيول تعبي متجهاً نحو لا شيء، ولا يبدو عصياً على الفهم أن يكون الثقل الذي أجره الآن تحديداً -وقد نقص منه وزن العربة- قد زاد، وبدت خطواتي كمن يحمل في أقدامه قيوداً حديدية مربوطة إلى صخرة كبيرة عليَّ أن أحركها مع كل خطوة أخطوها.
أمرُّ إلى مكتب البلدية مراجعاً من أجل إعادة المتجر الضخم المتحرك الذي صودر مني دون حق، تتلقفني الموظفة كما لو كنت ذبابة سقطت على وجهها، فاندفعت تبعدها عن ملامح كبريائها بكل قوة.
"عُـدْ غداً"، وما أدراها كيف أعود غداً، وأنا لا أملك عشاء اليوم، سبعة كائنات حية ستنام اليوم دون عشاء، قد يسكت كبيرهم محتسباً، لكن ماذا عن صغيرهم؟ قد تبتلع أمي صوت تأوهها ألماً جراء نقص الدواء، لكن ما الذي يمكن أن يبتلعه الصغار لكي يسكتوا ولا يعذبون قلقي بجوعهم؟
أعود غداً، ذبابة نجسة لا تلبث أن تثير حمق الموظفة، فتطردها بالجملة نفسها، وأرجع بخيبة أكبر، وأعلم أن صوت الجوع اليوم سيغدو صاخباً، فلا أعود إلى البيت إلا في وقت متأخر، لكي أصافح أحلامهم الصغيرة برغيف لا أملكه..بدلاً من أصواتهم.
أعود غداً آخر..وآخر ..وآخر، قلا تقابلني إلا بالجفاء نفسه، يكبر الغل في كبدي، أصوات أخوتي الجوعى تتكدس في قلبي، وصوتها يستفز أكداس الهم الغافية فوق صدري، أخبرها بأنني أريد عربتي حالاً، فتمعن في بشاعة ردها البارد، لا أرجع هذه المرة كما تخبرني كل يوم، بل أبقى ملتصقاً بمكتبها، أخبرها أن ورائي جياعاً يريدون طعامهم، تأبى أن تستمع لكلمة واحدة، كأنما تحولتُ فعلاً لذبابة تزعجها دون أن تفهم شيئاً من أزيزها، فتبعدني بصفعة من كفها، أستشيط غضباً، يرتفع صوتي، فتسب أبي، أستشيط أكثر، يقترب مني حراس الأمن، بإمكانهم دائماً أن يحملوني خارجاً بحجة الأمن، ومن يخرجهم خارج حدود جوع أخوتي؟ من يخرجهم خارج حدود أحلامي الصغيرة؟ من يرفع آثار أقدامهم عن جثة آخر حلم دفنته في صدري؟ من يمنح أخوتي رغيفاً دون أن يكون مغموساً بدبق الحاجة ووجع الكرامة؟
لن أتحرك من هنا إلا بصحبة عربتي..
صرخ ملء صوتي، فيقتربون مني بزيهم الرسمي، ووجوههم الجافة، يجـرُّوني خارج المبنى الحكومي، ويلقون بي إلى الخارج، أتحول إلى فأر قميء لا يروق لأصحاب البيت تطفله على بيتهم.
أقف خارج المبنى أمام الباب، مدفوعاً بكل أوجاعي وخيباتي وخسائري تنفجر دموعي غصباً عني لتغسل عار خدودي، أخجل من دمعي، من عجزي، من فقري، من جوع أخوتي، ووجع أمي، ألملم دموعي بطرف كمي، لكنها لا تتوقف، تشتعل النار في صدري، أشعر باللهيب يحرق كبدي، أصرخ بهم أعيدوا العربة أيها الكلاب، الصغار يريدون خبزاً... خبزاً فقط أيها الكلاب.
يجتمع عليّ بعض الأشخاص محاولين تهدئتي، بينما تصب علي نظرات حراس الأمن الساخرة وقوداً كافياً ليزداد حريقي، أعيدوا عربتي، فقد تستطيع شوارع الوطن أن تغضَّ النظر عن قباحتي، وقد تعتبرني ذبابة على خدها لكنها لن تقوم بطردي..إنه وطني أيها الكلاب..وطني.
النار في داخلي تستعر، نظراتهم الساخرة تزداد حدة، ترتفع قهقهاتهم لتملأ السماء صخباً، كل ما فيَّ يحترق، وأصوات جوع أخوتي يمخر عباب السماء، قلبي يتفتت، وقهقهاتهم ترتفع أكثر، لم يعدْ هناك معنى لوجودي، أي شيءٍ أستطيع أن أفعله يا أمي؟ عاجزٌ أنا عن ملء أفواه الصغار بقضمة خبز، عاجزٌ عن جلبِ دوائك، عاجزٌ عن حماية عربة الخضار..رفيقة خيبتي وفقري...عاجزٌ أنا عن الحياة يا أمي..عاجزٌ عن الحياة ...أشعلُ عود كبريت وأمنح ملابسي قبساً من النار، النار تستعر في داخلي، وفي ملابسي، وفي محاجر عيني، نظراتهم تصب علي وقوداً حامياً يرفع من وتيرة وجعي..النار يا أمي..النار تبتلعني ...فليموتوا يوماً واحداً كما أموت كل يوم، النار يا أمي...تلسعني، لكن نارهم أمضى وأكثر اشتعالاً..سيحترقون يا أمي فلا تحزني..هذه النار يا أمي..النار التي تشويني ستشويهم جميعاً..ستقتلع عيونهم وأظافرهم فلا تحزني، غطيني يا أمي..فأنا الآن أرتعش برداً، النار غادرتني إليهم..اطمئني يا أمي..ستثأر النار لي ولكم..ستثأر جيداً لجوعكم ولكرامتي، لخزائن الذهب المختبئة تحت جلودهم، وستستنشقين دخان احتراق كفوفهم التي امتدت إلى قوت أولادك، وسيبرد قلبك...غطيني يا أمي جيداً..فأنا أموت بـــ....رداً.

لبنى ياسين
كاتبة وصحفية سورية
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو فخري في جمعية الكاتبات المصريات






الأربعاء، 2 مارس، 2011

هي عمان أمي


إن هذا الوطن، هذه الأرض، عماننا الأبية، ليست مزرعة لأحد معين يمكن لنا أن نحرقها في الوقت الذي نعلن فيه غضبنا على من نعتقد أنهم أصحابها، إنما هي عمان، عمان التي في القلب، عمان التي هي نحن فلا نجعلها تضيع من أيدينا لأننا نظن أننا نحقق بذلك حقوقنا ونحصل على مطالبنا.. حفظ الله عمان، حفظها آمنة مطمئنة.


هلال البادي