الأحد، 20 مارس، 2011

نصوص مختارة من قيس وليلى والذئب لبثينة العيسى



تذكار


لم يصافح خدّها قبل رحيله، بل غرسَ في وجهها جرحاً. شتلة الجرحِ أزهرت، أينعت، تدلّت قطوفها وثقلت غصونها وامتدت جذورها عميقاً .. عميقاً صوب الرّوح.


... ولم يرغب أحدٌ بقطف الفتاة التي تحولت إلى جرح.


خلود

منذ أخبرها الحلمُ بأنها ستغادرُ الحياة وهي تخبئ وجهها في البراويز.


ورغم أن منزلها خاوٍ وجلدها ذاوٍ، ورغم أن أحداً لن يفتقدها لو رحلت، إلا أنها تصرّ.. لا قيمة لمنزلٍ لا يخلّد وجوه ساكنيه، على الأقل في ذاكرة الغبار وبيوت العناكب والبراويز الخشبية العتيقة..


فخاخ الأحلام

تساءل ثلاثة أولاد: لماذا تبرعُ الأحلام في الفرار من ذاكرة الحالمين؟ ما الذي يجعلها بهذه القدرة على التسرّب والاستعصاء؟


قال الأوّل: الأحلام فراشات من ضوءٍ، أجنحتها شفافة، وهي تختفي من أعيننا بمجرد حلول النهار..


قال الثاني: الأحلام فصوص بلورية منتشرة في الفراغ، تمتلئ بها الأمكنة، تحطّ على أنوفنا عندما ننام وتبدأ في التوغل في مسامنا لكي نحياها، الأحلام تستشهد فينا وينتهي وجودها بمجرد تعرّفها.


قال الثالث: كلا الرأيين خاطئ! الأحلام ليس لها شكل واحد ويستحيل معرفة كنهها، ولذا يصعب القبض عليها دائما، ولهذا نحن لا نتذكر من حلمنا إلا بعضه.


وهكذا قرر الثلاثة أن يصطادوا حلماً ليتعرفوا عليه، فنصبوا فخاخ الأحلامِ حول وسائدهم وغطوا في النوم، في الصباح.. وجدوا أن الفخاخ التي نصبوها قد اصطادتهم هم!


هزّ الثلاثة رؤوسهم : أحلامنا هي نحنْ، هي ما جبلنا عليهِ، هل ما يصنع حقيقتنا و هي .. ما ننساهُ على الدوام.


مات العزيز

بكت الزوجة والأم والولد والخادم الأمين، وخيّل للأسرة المفجوعة بأن العالم كله يبكي، يتفجع فقد العزيز، ولكنّ ذلك لم يكن صحيحاً، فقد كان العالم يضحك!


لأن الدود وجد طعاماً مجانياً لأيام، ولأن الجثة تحولت إلى سماد فاعشوشبت البقعةُ الحزينة التي هي قبره، وشوهدت فراشة صغيرة تصفق بأجنحتها فوق العشب، وشوهدت الهرة الشقيّة تراقب الفراشة وتنتظر فرصة للوثب، وشوهد الكلبُ الذي يهوى عض أذيال القطط السعيدة يترصد للقطة، وشوهد الطفل يضحك ويكعكع لأنه رآى عشباً وفراشة وهرة وكلب، لقد أصبح العالم جميلاً جداً في تلك البقعة، وامتلأ المشهد بالفرح والحياة .. فوق جثة العزيز.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق