السبت، 6 أغسطس 2011

المكتبة الشخصية الأكبر في الشرق الأوسط تئن إهمالا

 
 
إغراءات بيعها أو نقلها من بعلبك تبوء بالفشل
 
بيروت: مازن مجوز
كان يلجأ إلى جمع بذور المشمش والخرطوش الفارغ الذي كان يخلفه الجيش الفرنسي في حقول الرماية، ليبيعها ويضم ثمنها إلى مصروفه اليومي من والدته ومقداره قرش واحد، بهدف شراء مطبوعة قد تكون جريدة أو مجلة أو كتابا.
«هي هواية غامضة كبرت وتبلورت مع الزمن حتى أصبحت الشغل الشاغل لدى والدي»، كما قالت ليندا، ابنة عبده مرتضى الحسيني في حديث لـ«الشرق الأوسط». وأضافت: «ففي أحد الأيام التقط مجلة متسخة من الشارع، وكان في السابعة من عمره، مبديا فرحته بها في البيت وكأنها لعبته، إلا أن توبيخ الوالدة كان بالانتظار». وتضيف ليندا: «لم تكن الوالدة تعلم آنذاك أن هذه الأوراق الممزقة ستكون نواة لأكبر مكتبة سيملكها فرد في البلاد العربية، ودون أن يدرك هو أيضا، أنه يضع حجر الأساس لقلعة ثانية في بعلبك».
«ربما كانت مكتبة عبده الحسيني أكبر مكتبة خاصة في منطقة الشرق الأوسط»، بحسب «إذاعة لندن» الدولية.
كتاب فوق كتاب، هذا بالشراء، وذلك هدية، وآخر بالمبادلة، هكذا كبرت المكتبة، ووصلت كتبها إلى المطبخ، فغرف النوم، والأدراج، والزوايا، فخزائن الثياب.
وبسبب الضائقة المادية، التي طالما عانى منها صاحب المكتبة، باع معظم الكتب المكررة لديه، وقسما من المكتبة اللاهوتية، ونسخا من المخطوطات القرآنية المكتوبة بماء الذهب.
كان شعار الحسيني «الإنسان يساوي معرفة»، لأنها المصدر الأساسي لتطور البشرية، شأنها شأن التعليم، على حد قول ليندا.
قبل معرفته القراءة والكتابة تملكه شغف الكتاب، فراح يجمع نسخا من صحيفة «بعلبك» ليوسف معلوف، وصحيفة «جوبيتر» ليوسف فضل الله سلامة، وغيرهما.
توفي والده وله من العمر عشرون يوما، فترعرع هو وأخوه سعيد في كنف والدته وخاليه محمد وعلي مرتضى. عندما أصبح له دخل شهري من مهنة التعليم، التي قضى فيها 40 عاما، انتقل إلى مرحلة شراء مكتبات بأكملها، مما كلفه بيع ميراثه. فقد باع ذات يوم آلاف الأمتار المربعة دفعة واحدة بمبلغ 600 ليرة. وهو مبلغ زهيد مقارنة بقيمتها الحقيقية، مقابل الحصول على مكتبة زيدان بكتبها النادرة.
ومن أهم المكتبات التي اشتراها أيضا تلك العائدة إلى الأمير رئيف أبي اللمع، جرجي نقولا باز، فيليب حتي، يوسف صفير، دير غزير. فترة ذهبية من حياة عبده الحسيني الشيوعي الهوى، تمثلت بترؤسه وفد لبنان إلى مؤتمر هلسنكي للسلم العالمي 1955، حيث تعرف على المئات من أهل العلم، والأدب، والفلسفة، والشعر، والسياسة وأصحاب دور النشر.
15 ألف عنوان ثقافي، كان الحسيني يتبادل معها الكتب والمنشورات. فمثلا بعد زيارته الصين ولقائه ماوتسي تونغ، بدأت الصين ترسل إليه معظم إصداراتها، وباللغات الفرنسية والإنجليزية والصينية.
معظم الدول الأوروبية قام الحسيني بزيارتها، قاصدا مراكزها الثقافية، متبادلا معها الكتب والمنشورات.
من 300 مكتبة كاملة، تتألف مكتبة الحسيني، وهي تضم جميع فروع المعرفة، من أدب وشعر، وفلسفة وتاريخ، وجغرافيا واقتصاد، واجتماع وطب، وهندسة وديانات، وعلوم إنسانية بكافة أنواعها، فضلا عن مطبوعات مجامع اللغة العربية من دمشق وبغداد والقاهرة وفلسطين واليمن، إضافة إلى أكوام من الصحف العربية اليومية، تكاد تلامس سقوف الغرف.
هي مكتبة تشغل مساحة 25 غرفة ممتلئة بمليون كتاب، 80 في المائة، منها باللغة العربية، وما تبقى فبثلاث عشرة لغة عالمية.
أثناء تجولك داخل قسم المخطوطات، تستوقفك نسخ من القرآن الكريم تعود إلى خمسمائة سنة، وبعض رسائل الحكام في القرن التاسع عشر، منها رسالة من والي عكا عام 1831، ورسالة من قنصلية فرنسا في اللاذقية، باسم الإمبراطور نابليون الثالث إلى سعيد بطرس الخوري عام 1869، كذلك تلفتك دائرة معارف لمفكري اليونان والرومان، في 73 مجلدا مطبوعة باللغة الفرنسية، فضلا عن أهم الكتب العربية، القديمة منها والحديثة، بطبعاتها الأولى.
أما أقدم كتاب في مكتبة السيد عبده، كما كان يناديه أهالي بعلبك، فيعود إلى 300 سنة، وهو كتاب هندسة بناء باللغة الفرنسية، فيما أحدث ما لديه من مجلات مصرية.
وفي تاريخ 23 فبراير (شباط) 2007، لف السواد مدينة الشمس، حيث كانت مآذنها وأجراسها حزينة، تنعي ابنها صاحب مسيرة النضال الطويل الذي رحل في ذلك اليوم وبقيت كتبه تئن بين الجدران وحيدة.
وتؤكد ليندا حصول اتصالات كثيرة، وإغراءات كبيرة لشراء المكتبة ونقلها إلى خارج لبنان أو خارج مدينة بعلبك، لكن والدها كان يرفض العروض، وبقي مصمما على إبقائها مكان ولادتها، وهو ما تسعى العائلة للحفاظ عليه. وقد قال عبده الحسيني ذات يوم «لو بعتها كأنني بعت أولادي».
واليوم فإن مكتبة الحسيني تزيد أهمية عن دار الكتب الوطنية، لكنها تحتاج إلى بناء من ستة طوابق، وإلى موظفين، وأجهزة كومبيوتر، وقاعة مطالعة وأجنحة وإدارة وقسم صيانة.
صرخة تطلقها المكتبة، بعد أن أصبح قسم منها مهددا بالتلف نتيجة للرطوبة وتكدس المحتويات فوق بعضها البعض. إذ يصعب عليك المرور بين أقسامها، لا بل قد تخاف من سقوط بعضها، على الرغم من قيام عائلة الحسيني بتوزيع المطبوعات على 25 غرفة في منزلين.
إشارة إلى أن عاشق الكتب هذا، حاز عشرات أوسمة التقدير من كبار المسؤولين، وأطلق وزير التربية السابق اسمه على ثانوية بعلبك الرسمية المختلطة. لكن الحسيني كان يردد دائما «أنا لا أريد تكريما، كرموا هذه المكتبة بتحويلها إلى مكتبة عامة». هذا هو حلم عبده الذي لم يتحقق وصرخته التي لم تلق آذانا صاغية من المعنيين، على الرغم من أن رواد المكتبة كثر، وهم من داخل لبنان وخارجه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق