الأربعاء، 10 أبريل، 2013

ماذا وراء تدني مستوى القراءة عند العمانيين؟!



 
بقلم مصطفى محسن اللواتي



بكل صراحة، لم أفاجأ إطلاقاً حينما كنت أقرأ ملخصًا عن دراستين دوليتين أجراهما باحثون من جامعة بوسطن الأمريكية، بأن سلطنة عمان تذيلت القائمة في القراءة الدولية. وقد عقدت بفندق قصر البستان مؤخرًا ندوة بعنوان: "ندوة مناقشة نتائج الدراسة الدولية في الرياضيات والعلوم"، حيث ركزت هذه الندوة على مجالي الرياضيات والعلوم، كما هو واضح من العنوان، ولم تتطرق إلى نتائج الدراسات في مجال القراءة. وفقط للعلم، فإنّ مقالي هذا كتبته قبل هذه الندوة بشهرين، ولم تسنح لي فرصة نشره لبعض الانشغالات. ورغم تحفظي الشديد على أمثال هذه الدراسات التي غالباً ما تكون "مجيرة" سياسياً أو لمصالح آنية محددة، أو لأغراض دعائية معينة، وأيضاً لافتقاد الملخص الذي قرأته للمؤشرات التي تم اعتمادها، والفئات العمرية التي أجريت الدراسة عليها، وكذلك نوعية القراءة، وغيرها من الأمور التي تساعد في استكشاف مواطن القوة والضعف في الدراسة. إلا أنني أخذت الدراسة كمؤشر يوضح حالة "الضعف" الذهني و"الترهل" الفكري الذي وصلت إليه دولنا وبلداننا العربية عامة، والخليجية منها خاصة، وأخص هنا عمان التي هي محل حديثي في هذا المقال.
ورغم أن معرض الكتاب في عمان يعد "الأنشط" و"الأكثر" بيعاً، حسب ما ينقله لنا العارضون، إلا أن نظرة لنوعية الكتب النشيطة تنبئنا عن المستوى الذوقي المتدني، فكتب الطبخ، والغرائب والعجائب، وأهوال القبر والقيامة والحشر، وشعر- وأقسم أنه ليس بشعر إطلاقاً- الغزل والسحر وتفسير الأحلام والجن...إلخ مع بعض كتب التراث الديني هي ما يتحرك ويباع في هذا المعرض، أما غيرها فالحركة عليها قليلة وتكاد تكون معدومة.
أعيد وأقول أني لم أفاجأ إطلاقا بهكذا وضع لأن سياسات التعليم، والسياسات الإعلامية، والسياسات الأمنية كلها مجتمعة كان لا بد لها أن تؤدي إلى هذه النتيجة الحتمية من تراجع في المستوى الفكري والثقافي، أو ابتعاد كلي عن القراءة.

السياسات والنظم التعليمية

مما لا شك فيه أن وزارة التربية ومنذ السبعينيات وبسياساتها "المرتجلة" و"غير المدروسة" كان لها دور كبير في هذا الوضع، وسأضرب بعض الأمثلة مع التأكيد أن هناك الكثير منها ، والكثير جدًا.
- سياسة التعليم لأجل الوظيفة؛ حيث ساهمت هذه السياسة في حرمان قطاع كبير من الشباب العماني من الحصول على شهادات جامعية وأكاديمية، فكانت السلطنة "تتخبط" في ما يسمى بالتعليم المهني، فكانت هناك ثانوية تجارية، وأخرى صناعية، وتارة زراعية، ومرة تدريب مهني، وكان الطالب الذي ينهي الإعدادية بعلامات دونية لا يحق له الدخول في الصفوف الثانوية، ويتم ترحيله إلى مدارس ثانوية مهنية، فيحرم من الجامعة، ويتخرّج الطالب من هذه المدارس "عاملا" -وأنا افتخر بكل عامل لأني أراه مجاهدًا كما وصفه الإسلام- لا يملك حصانة علمية، ولا ثقافة كبيرة، تساعده في إيجاد وظائف أفضل وإن كان خارج البلد، أو الحصول على خلفية علمية تعينه في تربية أبنائه وتثقيفهم، فحرمت السلطنة من تخريج أجيال كان يمكن لها أن تكون نواة علمية، وذخيرة ثقافية تنهض بالبلد باكراً، بدلاً من أن تتحول هذه الأجيال إلى مجرد "طلاب" رزق همهم توفير القوت ( مع عدم الاستهانة بذلك).
يشار إلى أنه نتيجة لهذه السياسة فإن من يدخل سلك التعليم هم مخرجات الثانوية غير المتفوقين ممن لم يحصلوا على فرص جامعية!!
كان يمكن تخريج جامعيين كثر، ومثقفين كثر، لو سمحت لهم الوزارة بمواصلة تعليمهم الثانوي، وكان الأجدى - في حال عدم استطاعة الحكومة توفير وظائف برواتب جامعية- أن نرى عمالاً يحملون شهادات جامعية، لأنّهم سيكونون عوناً لأبنائهم، وطاقة جبارة للبلد مهما كانت وظائفهم، فالعلم سلاح جبار ينهض بالمجتمعات والأوطان، وليس مجرد وسيلة للحصول على المال.

الكتاب الغائب

ظل الكتاب -عدا المدرسي- غائبًا عن الطلبة، ولم تحاول الوزارة إيجاد وسائل ومحفزات وأساليب لتشجيع طلبة المدارس الابتدائية والإعدادية على القراءة، وعلى تداول الكتاب، وعلى كيفية اختيار الكتاب.ظل الكتاب مغيباً عن المدارس، وكانت المدارس لا تحوي مكتبات قد يلجأ لها من يريد الكتاب، وإن وجدت في "بعض" المدارس مكتبة، فستكون مكتبة "مغبرة" و"فقيرة" تعبأ بإصدارات وزارة التراث القومي، وكأن الطلبة مطلوب منهم قراءة أمثالها نوعاً وعددًا، وبالكاد تجد عليها مشرفًا، وإن وجد فستكون المكتبة مسؤوليته الثانوية التي لا يجد لها وقتًا. تغييب الوزارة للكتاب، عوّد الطالب على تغييب القراءة، وبالتالي غاب التفكير، وغابت الثقافة، فكان الفراغ -وما يستتبعه من ممارسات سلبية- البديل الجاهز.

المناهج المتأرجحة
 
الوزارة بمهارتها في "التخبط" جعلت مستوى المناهج - فيما يخص نصوص الأدب والفكر- هابطاً جداً، فمنذ أيام المناهج القطرية التي طبقت في بدايات التعليم بعمان، ومروراً ببدايات المناهج العمانية وانتهاءً بما نحن فيه، ظلت المناهج في نزول مستمر في مستواها -إلا ما ندر- ، ونظرة سريعة لهذه المناهج ستجعل المتفحص لها يضع يده على أوجه خلل عديدة، وسيرتفع ضغط المتفحص حالما يرى كم هبط مستوى هذه المناهج تدريجياً بحيث يتخرج طالب الإعدادية وهو لا يعرف أسماء أدباء ومفكرين كان طالب الابتدائية أيام المناهج القطرية يحفظ نصوصهم فضلاً عن أسمائهم وتاريخهم.

الإعلام
كان للإعلام أيضاً دور كبير في وصول العماني لهذه النتيجة الطبيعية. فالإعلام مارس ولا يزال في كثير من الأحايين دورًا ساعد في هذا "التخلف" الذي أشارت إليه الدراستان
                                               
الرقابة العتيدة
فإلى وقت قريب كان الكتاب، وكانت المجلة، وكانت المطبوعات بأشكالها تدخل البلد بعد أن يعمل بها مقص الرقيب تشويهاً ومسخًا.
كنّا نأخذ المجلة فنلاحظ فيها عدداً من الصفحات الناقصة، أو صفحة تم تقطيع نصفها.وكنا نسأل المكتبة عن كتاب معين، أو عدد معين لمجلة، فيأتي الجواب أن الرقابة منعت العنوان الفلاني، والعدد الفلاني.
كانت لي تجربة في الثمانينيات إذ كنت أساعد صاحب مكتبة في النهوض بها، وكنّا نعاني الأمرّين والثلاثة والعشرة في سبيل إنقاذ كتاب من أعين الرقيب، وكنّا نعرف أن الرقيب الفلاني إذا أتى فسيمنع عناوين معينة، في حين لو أتى آخر فسيكون المنع لعناوين أخرى.
كان لاجتهادات الرقيب ومزاجه أثرًا في منع مجلة أو كتاب، ولكن ظلت الوزارة هي صاحبة إعطاء الرقيب هذا الحق الذي كان يستمتع بممارسته.
والشيء بالشيء يذكر فإن وزارة التراث القومي والثقافة ساهمت بنفس الدور في الأشرطة السمعية والبصرية، ولم تكن تقلّ عن وزارة الإعلام في ترسيخ ما وصلنا إليه.

تغييب الوعي بالكتاب والثقافة

 فالإعلام كله - المقروء والمسموع والمرئي- تجاهل الجانب الثقافي وتنميته في المواطن، وكانت المساحات المعطاة لهذا الجانب قليلة جدًا، ففي الجرائد تشاهد صفحة ثقافية أسبوعية يتيمة، وفي التلفزيون أو الإذاعة كانت الثقافة شبه مغيّبة إلا على استحياء، ولم يمارس الإعلام دورًا يذكر في النهوض بهذا الجانب إطلاقاً ورفع مستوى وعي المواطن الثقافي والفكري بل كانت المنوعات والتسالي والرياضة هي سيدة الميدان في كل الإعلام العماني، فساهمت في "تردّي" الذوق، و"تمييع" الاهتمامات، و"إنزال" المستوى. ولا يجب أن ينسى أيضاً ما قام به الإعلام الديني في خطابه الإعلامي و"الجمعوي" والمسجدي" من التركيز على تخويف العباد من النار والجحيم، وما يرافق القبر من عذاب أليم، بغية إشغاله بهموم النار والنعيم، فأصبح القارئ من شدة الخوف سقيماً، وأصبحت حياته في بلاء عظيم.

الرقابة الصحفية
إذ ساهمت العقلية "الأمنية" التي كانت تدير الصحافة من وزارة الإعلام في "زرع" أو "تفعيل" عامل الخوف في دواخل الصحفيين ومديري التحرير وربما بعض رؤساء التحرير أيضاً، فترسخ في نفوسهم مبدأ "الرقابة الذاتية" ، فأصبح الصحفي ومديره ورئيسه أشد رقابة من الرقيب، وصاروا يمنعون حتى المسموح به، ولا زلت أتخيل ذلك اليوم الذي رجع فيه رئيس تحريرنا من "زفة" رتبت لرؤساء التحرير لأنهم تحدثوا "بحماسة" زائدة عن هزيمة منتخبنا آنذاك. حتى الرياضة كان النقد المطلوب فيها له حدود تقررها وزارة الإعلام، ومعها الهيئة الشبابية للرياضة والثقافة آنذاك. وهذه السياسة الرقابية أفقدت الإعلام العماني مصداقيته في عين القارئ، ولم تكن للجرائد العمانية "منزلة" تذكر سوى ما كان فيها من منوعات وتسالٍ وصفحات رسائل القراء المليئة بالغزل والنثر والشعر المتدني في مستواه. وهنا أيضاً الشيء بالشيء يذكر، فتعيينات الصحفيين كانت تخضع للذهنية الأمنية، لا الحرفية، وتجربتي الخاصة جداً كانت الأساس في انسحابي من عالم الصحافة، إذ بقيت أكثر من عشر سنوات انتظر البطاقة الصحفية دون جدوى، ودون إخطاري أو المؤسسة الصحفية التي كنت أعمل بها بالأسباب أو مناقشتها معنا، في حين عاشرت أناساً لا علاقة لهم بالكتابة حصلوا عليها في شهرين وثلاثة، ولولا رئيس التحرير الشجاع آنذاك الذي كان يصر على بقائي لكان غيره قد ركلني خارجاً خوفاً من "الأمن".

التشدد الأمني

هذا الموضوع ساهم ويساهم في "تكريس" الابتعاد عن الاهتمامات الجادة والناهضة بالمجتمع والوطن، فما كان يحدث ولازال من اعتقالات "الرأي" أو ما يمكن تغليفه بعناوين "الأمن" المطاطة، في أوساط المثقفين والمفكرين وأصحاب الآراء الجريئة، يجعل من المستحيل لهذا البلد أن يتقدم وينهض، وما أنا واثق منه أن "زراعة" هذا الخوف، وهذا الهاجس الداخلي، قد تساهم في هجرة العقول النيرة، أو ابتعادها عن ساحات العمل لأجل خدمة البلاد، أو سكوتها على كثير من أوجه الفساد الذي سينشط حتماً في ظل غياب صوت يصرخ عليه ويراقبه. على المعنيين في البلد أن يكونوا أنضج وأوعى من الولوج في هذا المنزلق الخطر، و"الحوار" مع من يختلف معنا، وفتح القنوات معهم ومع غيرهم أنفع للبلد وأجدى، كما أنه من المهم عدم التشكيك في النيات، فما يقوم به المثقفون من أبناء هذا الوطن نابع من حرص وحب لتراب هذه الأرض التي نريدها أن تبقى معطاءة لشعبها الأبي العزيز وإن كان أسلوب بعضهم لا يناسب الجهات الأمنية للبلد، فالحوار الهادئ هو السبيل للوصول إلى نقاط اشتراك، لا التهديدات والاعتقالات التي بدورها تولد ردود أفعال أقسى وأقوى لا تتناسب والمواطن العماني المعروف بتسامحه وهدوئه. وأتصور أنّه من السهولة بمكان التعرف على المغرضين والمندسين من غيرهم من الشرفاء من أبناء هذا الوطن الذين يتحدثون بإخلاص وحب لهذا الوطن وقائده.
المصدر: جريدة الرؤية العمانية والصادرة بتاريخ 7\4\2013م

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق