الثلاثاء، 30 أبريل، 2013

لعبة قصصيّة لمّاحة




                                       قراءة هيثم حسين
 
 
 
                                     القاص حمود الشكيلي
يرمز القاصّ العمانيّ حمود حمد الشكيليّ في مجموعته «النهايات ليست مفتوحة»، «فضاءات، عمّان، 2013» إلى ثنايّات متداخلة في بعضها مؤثّرة في القرّاء والمتلقّين، باعتبارها مركزيّة التأثير في البشر، يترصّد مصائر الكائنات الورقيّة التي يرسمها، يختلق لها حيَوات، يُوهم بالواقعيّة في الوقت الذي يبعدها عن الواقع، وذلك في لعبة قصصيّة لمّاحة، والبحث عن العالم القصصيّ وعن «الكذبة» الحقيقيّة في عالم الأدب. يذكّرنا في هذه التقنية بكتاب «الحقيقة الرومنسيّة والكذبة الروائيّة» للناقد الفرنسيّ رينيه جيرار.

-        فخّ العتبات:

عبر ملاحظة تركيز القاصّ على العتبات وتكثيفه لنصوص التمهيد التي يمهّد بها لدخول عالمه، ويعبّد الطريق أمام القارئ لمقاربة القصص والحكايات المُستجلاة عبر الحقائق المطروحة، دون أن يعني ذلك أيّ فرض أو تقييد، بل يستبطن التأويل والتوجيه عبر سبل القراءة والدخول في غابته.
لا يقف فخّ العتبات عند العنوان «النهايات ليست مفتوحة» الذي يشي أنّ هناك متحكّماً في العالم، أو عن شيء قدريّ ربّما أو سلطة نافذة لا مجال لتغيير قراراتها المكتوبة المفروضة، وهذا بدوره يثير سؤال الحياة والموت ضمن دائرة الثنائيّات المطروحة، لتكون البداية مستوحاة من النهايات المغلقة. ثمّ يلي ذلك تمهيد بآية قرآنية «ويأتيه الموت من كلّ مكان وما هو بميِّت» إبراهيم آية 16، ويأتي الإهداء تالياً ليبدّد شيئاً من الغموض البدئيّ، إذ يهدي القاصّ مجموعته إلى روح صديقه علي المعمري، ويتبع إهداءه بمقطع للشاعر محمود درويش يقول: «الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء»، ليكشف النقاب عن حزن دفين يشكّل حافزاً ومحرّضاً، ومنهلاً للتثوير والمعارضة في الوقت نفسه. ويتبعه بجملة للشاعر أمل دنقل: «أنا انتظرت أن يموت الموت: أن يموت». ليزيد من قتامة المشهد، حيث الموت مخيّم وفارض نفسه كشخصيّة وفعل وبداية ونهاية..

ثمّ يكون المقطع التالي الذي يمهّد به للدخول إلى مسارب قصصه للبسيويّ يخاطب قراءه، يقول فيه: «لكلّ بيت على الأرض/ سأزوّر من موتكم قصصاً/ عسى أن أحيا بها..». وهنا ينجلي شيء من الغموض، عبر قرار مُتَّخذ مُستلَهَم من المقطع، وهو الرسالة التي يطلقها في فراغ الأمكنة والأزمنة وفضاءات الوجود، من خلال قرار تزوير القصص من الموت، في محاولة لاستعادة القدرة على الحياة. وكذلك يمهّد للفصل الثالث بمقولة لمحمود درويش حول فكرة الموت نفسها: «لم أولَد لأعرف أنّي سأموت/ بل لأحبّ محتويات ظلّ الله». وكذلك تكمّل مقولة الروائيّ اليابانيّ هاروكي موراكامي التي يمهّد بها للفصل الرابع: «يجب أن ننظر إلى الموت لا بوصفه نقيضاً للحياة، بل بوصفه جزءاً منها». لوحة الحياة التي يرسمها، وإن كان عبر كتابة الموت أو الكتابة عن الأموات.
الجدلية الوجوديّة نفسها، عبث المصائر مع معابثة الموت والتحايل عليه، ضرورة الاستمرار، كلّها أواليات تحتّم اتّخاذ قرار الكتابة، وكأنّه يستعيد بطريقة أو أخرى مقولة ماركيز «عشت لأروي..»، في إشارة إلى العيش ليقصّ، في مسعى أن تكون القصص وسيلة لاستعادة المفقود المنشود.   
يفكّ الشكيليّ ألغاز العتبات، يكون التخصيص مجالاً للتعويم والتعميم معاً، سوى أنّ قرار الحزن والرثاء يظلّ حاضراً بقوّة، وإن كان من خلال تداعيات العاشق أو المشتاق أو الملهوف أو المتلصّص أو المفقود أو أيّ صفة أو فعل آخر من أفعال الجنون المتعقّلة بين ثنايا القصص.

ويثبت مرجعاً يؤكّد اشتغاله على ثنائية الحياة والموت عبر تأكيده أنّه «تمّ بعث وإعادة خلق هذه الكائنات من نشور العدم إلى حياة القصّ في الفترة الواقعة بين 12 مايو 2010 حتّى 12 مايو 2012، لذا كلّ طين هذا الحبر من صنع خيال كاذب، ومن ابتكار مزوّر رأى الموت مراراً فدفنه بالكتابة في هذه القصص..»، ويكون في إثباته هذه «الحقيقة» محاولة تحدّ أدبيّة للموت، وقرار تأكيد أنّ الحياة تكمن في الكتابة، أو «في مكان آخر» وفق تعبير كونديرا، حيث إحياء الشخصيّات تأبيد لها في القصص، وإماتة لسلطة الموت في الإنساء والنسيان. وتكون الكتابة مخلّدة ومضادّة للنسيان المُميت بدوره.
ويختار كذلك نوعاً مختلفاً من الفهرسة، نوع ينطوي على فخاخ بدوره، مستكملاً عملية استدراج القارئ وممارسة التشويق وإثارته بحثاً عن الكامن الخفيّ والمخبوء، محدّداً «شواهد المقبرة» كبديل عن الفهرس، ومحدّداً ستّة عناوين: رياحين الموت، أقدام تحفر قبوراً، في انتظار ضيف ثقيل، المستعجلون على موتهم، شخوص وأمكنة، وليّ أمر البلاد المتخيّلة.
ينثر القصص على الفصول، بطريقة غير متساوية، ولا يكترث للمعادلة بينها، كأنّه يستكمل الفخّ نفسه عبر خلق بلبلة ما، يعيد ترتيبها لاحقاً، يهندسها عبر شخصيّاته التي تدور في فلك السارد الأنا الذي يتمحور العالم حوله، ويختطّ خطّه بين شعاب الواقع والخيال جنباً إلى جنب. فالفصل الأوّل يضمّ ثلاث قصص، والثاني ستّ، والثالث ستّ، والرابع أربع، والخامس أيضاً أربع، في حين أنّ الأخير يضمّ قصّتين فقط. يكون بينها فاصل واصل يجسّر المسافات، فالموت بكامل عدّته وعتاده ملقٍ بظلاله على العوالم والشخصيّات، وعلى النقيض منه يأتي التشبّث بالحياة المتخيّلة كدأب على الاستمرار والتفاؤل برغم سوداويّة الواقع وقهره.

-        ثورة الأموات/ الأحياء:نأن ّال

في ختام قصّته «الصرخة» يحتلّ الدويّ الكامن نهايتها وتكون الثورة الجمرة، حيث يوجب القاصّ البحث عمّن أمات الأموات، «يأمل البشريّون من ربّهم ألّا يموتوا بهذه الحالة، وعلى الآدميّين ان يتّحدوا لتدوين أغرب حالات الموت، منشئين موسوعة بعنوان «الذين ماتوا على غير العادة». على مَن يموت فينا أخذ هذه الموسوعة، كمشروع لفكرة مساءلة مَن أمات هؤلاء بهذه الصور البشعة؟». ص20 – 21. يختزل هذا المقبوس التساؤل الاستنكاريّ الباحث عن إجابة شافية في ضبابيّة الواقع وعبثيّته، وكأنّ من شأن الإجابات أو المحاولات أن تخفّف من حدّة الموت أو «توقفه أو تؤجّله».
تتتالى إيقاعات تناول الحياة ومفارقاتها، سواء كان ذلك عبر تصوير امرأة عابثة ملتهية عن ابنها أو عبر انشغالات صغيرة عن أمور هامّة، ليصل إلى ذروة التوجّه إلى المتلقّي ومخاطبته وجهاً لوجه على ملعب الورق، مزيحاً الستار عن الفواصل بين العالمين، ليجد القارئ نفسه أمام مواجهة الكاتب وشخصيّاته، مقتحماً عوالمه دون حجب، وذلك في «قصر السّيب» حين يقول: «وأنت تقرأ الآن هذه القصّة ستعرف أنّ زمن الحدث المنقول من الحقيقة في شارع قصر السّيب إلى الكذب الذي أمارسه مع الحروف على لوحة المفاتيح هو الصباح، لكنّك لن تعرف متى هو زمن ممارسة اللاحقيقة مع الحروف التي أيّد بها عالمي الخاصّ، كما أنّك لن تعي ما إذا كنت قد أخبرت أحداً عن الذي رأيته قبل نقله من وقاعه الحقيقيّ إلى خيالي الذي أمارسه معك...» ص 27 – 28.
في هذه المواجهة يدخل القاصّ قارئه كلاعب في القصّة، وذلك باللعب على وتر الإيهام بالحقيقة من جهة وبلبلة التصوّرات المسبقة من جهة أخرى، بحيث يبقي تساؤل الشخصيّة الحقيقيّة والمتخيّلة مفتوحاً على مصراعيه في ذهنه، ومتنقّلاً بين زمن القصّ وزمن وقوع الحكاية، وزمن الكتابة وزمن القراءة، ليجد نفسه أمام فضاءات أزمنة لا تتسوّر ولا تتقيّد، ويكون ذلك استكمالاً للعبة الحقيقة القصصيّة والكذبة الرومانسيّة التي تحدّث عنها جيرار في كتابه السابق الذكر.
يمكن الوقوف على أكثر من نقطة تستحقّ التأويل والدراسة في هذه المجموعة اللافتة، إذ أنّ انهمام الشكيلي بألغاز الوجود والعدم، على طريقة إدواردو غاليانو في كتابه «مرايا»، يحضر بالموازاة مع حرصه على تصوير دواخل الشخصيّات، ورسم جاليّات منتقاة، ونجد كذلك أنّ وصف المكان العُمانيّ حاضر بقوّة في عدّد من القصص، فتارة يصف شارعاً ما وحركة الناس الدائبة فيه، وتخيّله الأرواح الهائمة سارحة بين جنباته، وتارة أخرى يتغلغل في أروقة مشفى أو قصر أو بيت أو مقبرة، ليرصد ما يمور به الداخل، ليكون صورة مقابلة عن الخارج، في تفعيل للثنائيّات التي ابتدأت بالموت ومرّت بوصف مفارقات من الحياة ومشاهد ومقتطفات تؤكّد الانحياز للأمل برغم الأسى القارّ في النفوس، وعودة إلى نقطة البداية/ الموت، لتكون النهايات غير المفتوحة مغلقة بدائرة النار والموت، ويكون البشر وقود تلك الدائرة الناريّة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق