الاثنين، 29 أبريل، 2013

لغتها المُحكمة مَعبرها ومِرساها





                                                              
                                                                    قراءة  هيثم حسين




 
                                                             الكاتبة السورية نادين باخص


تبدو الشاعرة السوريّة نادين باخص في مجموعتها الشعريّة «أُخفي الأنوثة» مهجوسة بهاجس الانتصار للذوات المشيّأة، ويكون في حديثها عن التشيّؤ الحاصل محاولة شاعريّة لتبديده مع ما يصاحبه من أسى ومرارة.
باخص التي سبق لها أن نشرت رواية «وانتهت بنقطة»، تعود إلى عوالم الشعر عبر «أخفي الأنوثة»، لتقدّم ذات الشاعرة المتماهية مع العالم المحيط بها، وتكون لغتها المُحكمة مَعبرها ومِرساها في عوالمها الأدبيّة، إذ أنّها تولي عناية خاصّة باللغة، إلى درجة تتبدّى فيها في بعض المقاطع متصوّفة تتغزّل باللغة ككائن مؤنسن.
تنشغل الشاعرة في مجموعتها بمواضيع تتأرجح بين العامّ والخاصّ، تبدو في معظمها حالات نفسيّة، تنفتح من خلالها الدواخل على بعضها بعضاً في حواريّات ومناجيَات ودفع نحو التسامي في حالات بعينها.
بتأويل العنوان «أخفي الأنوثة» تتكشّف رغبة الإخفاء المعلنة عن الصدمة من الإشهار السابق أو الإعلان السالف، بحيث أنّ هناك قراراً ضمنيّاً بالإخفاء ردّاً على الممارسات التي تتمّ باسم الأنوثة وردّاً على الهدر الذي تقابَل به، والإقرار أو الإخبار بإخفاء الأنوثة يبدو تمسّكاً معلناً بالإشهار والتحدّي للإخفاء، وكأنّ إثبات المثبت نفي له في حالة كهذه، وأمّا السؤال عن السبب فينفتح بدوره على الكثير من التأويلات والتبريرات والعلل، ففي عالم يعتبر الأنوثة تهمة أو عورة ينبغي إخفاؤها أو «وأدها» بطريقة معاصرة لأنّها تسبّب «وجع» الرأس للبعض، تتقدّم الصورة المضادّة، لتعلن أنّ الإخفاء صنو الإظهار، وأنّه يستحيل ذلك، وأنّ النهوض بالفعل التالي وهو التحدّي يستهلّ بالقصيدة، وتكون قصيدتها «أجواء» استيحاء لتناقضات الواقع وفجائعه.
تدرج الشاعرة قصيدتها «أُخفي الأنوثة» في المتن، وتنصّص جملة قصيرة معرّفة: «سيرة الشعلة حين تتقنّع بالرماد»، وتورد تالياً تحذيراً من كثرة الشهرياريّين، ليأتي بعد ذلك التباهي بالأنوثة بعيداً عن أوهام الرجل بالإغواء والاستعطاف، وتعرّف الأنوثة تعريفاً خاصّاً: «ليست الأنوثةُ دموعاً سخيّةً/ ولا كعباً عالياً/ تنتعله الفتياتُ/ والنساءُ بالضرورة/ الأنوثةُ بطاقةٌ شخصيّة/ لا أُبرزها/ إلا حين تومئُ/ بالشوق../ وتأشيرةٌ مخصّصةٌ/ للسفر في عينيك». وتستكمل لعبة التعاريف لتصل في نهاية القصيدة إلى كشف النقاب عن لعبتها الأثيرة عبر التصريح: «هذه لعبتي: الأنوثةُ هي ما خفي/ ليست ما ظهر».
وفي قصيدتها «أشياء للغياب»، تنطلق من راهنية تفهّم معاني الكآبة، لتنتقل في عوالم الاغتراب والاكتشاف، حيث سلسلة من المشاعر تتداخل لتشكّل عالماً مستقلّاً يعلو فيه صوت الصدى المتعاظم داخلها. يبدو تخفّفها من أعباء الذاكرة المشحونة بالأسى والفجائع، يكون الانسلاخ عن كلّ شيء بداية للعثور على الذات والتعرّف إليها من جديد، وإكسائها حللاً مختلفة، كأنّها بصدد رسم هيكل لوحدتها، عبر إصغائها إلى عقرب الوقت الموقّت على إيقاع الشوق المتعاظم. والشوق في القصيدة شوق متمايز، يبحث عن منطلق وملتقى، شوق عابر للزمن، يكتسب ديمومته وتجدّده من الذات والذاكرة: «الآن طرَدْتُ الخلايا والروحَ والعقلَ/ وجلَسْتُ وحدي/ أُصغي لساعةِ الشوقِ/ تُطلِقُ إنذارَها الأخير../ وأراجعُ صوراً/ بدونا فيها رفّين في مكتبةِ شاعرٍ رحل/ تاركاً رفوفَه لثقَلِ الزمنِ/ يتكفّلُ بليّ أعناقها/ فتكفّ عن التوازي/ وتحقّقُ أقنومَ اللقاء../ للوقتِ قرطاسيّةٌ،/ وللذاكرة مِشْجَب/ أعلِّقُ عليه ما تبقّى من أمسِ أنفاسِكَ/ وأُسقِطُ بدفاترِ الرَّسمِ والألوان/ تاريخاً لم يقرأكَ، مُبدعة آتياً هو أنت..».
تنوس الذات الشاعرة بين الغياب والإياب، بين التجلّي والتخفّي، وحين ترهن بعض الاشياء للغياب، تتبدّى بصورة الباحث عن فكّ رهن ما، تسلّم للغياب اشياءه ليتبدّد عنها ويغترب بدوره عن أشيائها، بحيث تحضر فلسفة إعطاء بعض الشيء لتحصيل الكلّ، كأنّما هناك التفاف شاعريّ على الغياب، في محاولة للتخفيف من حدّته وتأثيراته: «يؤرجحُني البُعْدُ/ وأعرف/ لا ضرورةَ لواوِ عطفٍ تربطُنا/ ولا حرفَ جزمٍ يُسكِّنُ آخرَ ما تحرَّكَ فينا من جنون../ سيغلبُ النعاسُ على الحبرِ/ وستنطفئ أنفاسُ الشاي/ لكنَّكَ/ ستبقى اشتعالَ الأسرارِ في جدراني/ وسيبقى مركَّبُ صوتِكَ/ سِلْمُ أفكاري الوحيد..».
كما تحضر اللغة ككائن مؤنسن من قبلها، تشخّصها لتؤدّي أدوراً واقعيّة في القصيدة، وكأنّها تستلهم من أجواء الرواية، وتأتي أنسنة اللغة عبر اختيار بعض التفاصيل، كالحروف أو الضمائر لتنوب مناب الكائنات المحلوم بها، محاولة لرسم العالم الشاعريّ الذي لا يكون بديلاً عن الواقعيّ بأيّ حال من الأحوال، لكنّه يعكس الكثير من المرارة والصدمة من بؤس الواقع وكآبته المستفحلة التي تستشفي منها عبر الحديث عنها ومجابهتها والتصدّي لها كحلّ مؤقّت للاحتفاظ بالتفهّم واستحضار الغائب واستنهاض همّة العاشق وحثّه على البقاء أو العودة، لأنّ الانتظار مضنٍ، وبالتالي لا بديل عن التلاقي مهما طال الزم أو استطال الغياب: «تخدَّمَ انتظاري كاهناً يُبارِكُ ساعاتِه/ والشوقُ فيَّ/ خلعَ ضميرَ الغائبِ/ كي يتناسى أنَّ صوتَكَ ليس هنا../ في وجهكَ أستودع لغتي/ فجنينُ الروحِ أتمَّ شهرَه التاسعَ في جوفِ ما قبلَ الحبر../ أقرأُ في يديكَ خرافاتِنا/ يومَ أغرَتْنا الرّيحُ فتعلّقنا بحبلِ غسيلٍ/ لم نكترث بصدئه،/ فخلعتَ قميصكَ وارتديتَني/ وأضرَبْتُ عن تمشيطِ شَعري/ كي لا تُهرهرَ بقايا أصابعكَ من سواده المُفْتَعَل../ من يومها، والرّيحُ عاصفةٌ/ فلا أنتَ عُدْتَ لقميصكَ/ ولا شَعري عرف نكهةَ الأمشاط../ لكنّي صِرْتُ أفهمُ معنى الكآبةِ/ حينَ تغيب..».
يتجلّى انهمام باللغة الشاعريّة يصل إلى درجة التغزّل، عبر التلاعب الموفّق بالصور وابتكارها، وضبط اللغة والمفردات وفق إيقاع متصاعد، لكنّها تتحكّم بها وتبقيها رهن الحالة، لا تنساق وراءها، ولا ترتهن للعبة بانقياد فوضويّ، تبقي الاتّقاد متفعّلاً من خلال الاستئناس بحواريات الدواخل والأشياء، حتّى أنّ المفاهيم تكتسب كينونة شعريّة، قد ترتقي لمصافّ الكهنة أو الملائكة، وتكون الوحدة ملاذاً، كما يكون التمحور حول الأنا الشاعريّة المجنّحة وسيلة للتماثل مع المتلقّي في مسعى مبرّر لإبهاره.
لا تحصر الشاعرة الأنسنةَ باللغة والمفاهيم، بل تتعدّى ذلك إلى التراب، إذ نرى أنّ التراب يختنق في قصيدة «اختناق التراب»، كأنّها تواجه العدميّة بالعودة إلى الأصل الصلصاليّ للبشر، ومن خلال التذكير بالروح المنفوخة في التراب يكون الشعور بالاختناق كحالة من حالات الإخفاء، أو التجلّي الحياتيّ نفسه من خلال خاتمة القصيدة التي تنفي أيّ شيء «سوى اشتهاء التراب».
«مذكّرات أنثى يجيدها القلب»، «ما بعد الصلب»، »هذا الرجل لي»، «خطايا المسوّغات»، «حين تسقط أسوار المدينة»، وغيرها من قصائد المجموعة التي تبلغ إحدى عشرة قصيدة تكمّل لوحة العالم الذي ترسمه الشاعرة، وتبحث فيه عن إعادة الاعتبار للقيم المهدورة، وبثّ روح الشعر لأنسنة الأشياء ردّاً على تشييء الإنسان الحاصل.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق