الاثنين، 7 مارس 2011

النار يا أمي





إهداء إلى روح البوعزيزي رحمه الله


عربة للخضار بأربع عجلات تدوس قلبي كل يوم ألف مرة،أجرجر وراءها خيبة يوم سابق، وعمر لاحق، أجمع فوقها أمنيات ضحلة بغد أفضل، وشمس تشرق على الجميع بالقدر نفسه من الدفء، دون أن تحرق أحدا منا وتدفئ الآخر، أجر خطواتي وعربتي بالقدر نفسه من الخيبة، و القدر ذاته من الاستسلام، ما الذي يمكن أن تأتي به عربة متواضعة للخضار، فواتير الكهرباء، دواء أمي، طعام العائلة المؤلفة من سبعة أشخاص؟؟.. هل بوسعها أن تشتري لي بعض الصبر، بعض الفرح، موتا مؤقتا أغلق خلاله عينيّ وعقلي عن كل ترهات زمن لا أجد نفسي محسوبا ضمن كائناته الحية.
دورية الشرطة تلاحقني، العربة غير مرخصة، والشارع الراقي يفقأ عين جماله مرور قباحة عربتي وصاحبها..ساكنو الشارع تؤذي ذائقتهم رائحة الفقر التي تفوح من كم وجعي، تتوجه الدورية إليّ بكل عناصرها، كأنما في جعبتي أموال الوطن، وخزي الرشاوى المقبوضة لاختلاس حقوق مواطن آخر، جريمته الوحيدة أنه لا يستطيع أن يدفع رشوة، إما لبقايا ضمير يرفض أن يموت ولو باغتيال من أصابع حامله، أو لجيب مثقوب لا يحوي قرشاً إضافياً يقدمه هدية حاجة مزمنة لجيب متنفذ آخر، قاطع طريق عصري، يقف في وجهك لا يشهر سلاحاً مرئيا لكنك تعرف جيداً أن طلقاته لا تأتيك إلا في مقتل، ويهدد حياتك دون أن ينطق بكلمة مسموعة.
لا شأن للشرطة بقطاع الطرق الذين ينهبون خزائن الوطن، ويتاجرون بأحلام شبابه، ويهربون الأماني في طائرة ورقية ليودعوها حسابات سرية، فالأمور تحسب بدرجة أهميتها، ولا شك أن عربة الخضار هذه أكثر خطراً على أمن البلد من جميع السرقات المفضوحة والمخفية، فوحدي حظيت بدورية كاملة، ولم يحظَ أصحاب السعادة اللصوص الكبار إلا بالتبجيل والتطبيل.
لا تنفع توسلاتي لأكبرهم رتبة، والشرح الذليل الذي أتكبده في أن ورائي عائلة، أفواها مفتوحة على آخرها بانتظار رغيف خبز نتقاسمه دون شبع، وبأدنى مراتب الشهية لقوت ليس في وسعنا أن نحظى برفاهية تبديله، وأنني لست رجلاً بلا مؤهلات، فقد صادف أن حصلت على إجازة جامعية منحتني إياها جامعة الوطن بعد أن دفعت ثمنها سنوات أربع، ليضاف اسمي في نهاية المطاف إلى قائمة العاطلين عن الحياة، اليائسين من الموت، المرتمين على قارعة الوجع، لا يهم المسمى، المهم أننا جميعاً نشترك بصفات تصنفنا في القائمة ذاتها، ليس عليك أن تحصي تلك الصفات، يكفي أن تنظر في عيون أحدنا لتدرك أنه في تلك القائمة التي يطويها الوطن كل يوم، وقد أضيفت إليها دفعة أخرى، لتنبت نخيل همٍّ ووهم على ترابه، همّ لا يقوى على اجتثاثه، فالأرض لا تنكر أبناءها، حتى وهم جائعون، عراة..يطلبون الموت ولا يطلبهم.
العربة في جعبة رجال الشرطة، يصادرونها وعلى وجوههم الكالحة يورق شيء أفهم بأنه عدم اكتراث، هم لا يسمعون صرخة قلبي وأنا أفقد مصدر رزقي الوحيد.. لو أنني كنت من قطاع الوطن،أولئك الذين ينامون كل يوم بعد أن يبتلعوا دواء للتخمة كتبه لهم مستشار الهضمية الذي يعمل في أفخم منتجع طبي تم تصميمه خصيصاً لأوجاع الكروش المنتفخة، والرؤوس التي استؤصلت ضمائرها، وزرعت بدلا عنه ذواكر إلكترونية لحفظ أرقام سرية لحسابات تفوق عدد أصفار أرصدتها قدرتي المتواضعة على المعرفة، تلك التي لا تتجاوز حدود الدراهم التي تفقأ عين حاجتي وأنا أدور بعربتي متوسلاً بيع البضاعة بربح بخس، بينما أتجرع كل يوم جوعي وقرفي وبؤسي..وبقية كرامة تأبى ألا أن تنخز خاصرتي قبيل النوم، تذكرني أنني أفقد كل يوم شيئاً من إنسانيتي، ويضاف إلى رصيد خسائري كوم من أشلاء أحلام كنت أرتكبتها قبل أن أدرك أن للأحلام لصوصاً، بمقدورهم أن يسرقوا الضوء من بين جفنيك..قبل أن تعرف أنه بإمكانك أن تراه جيداً.
أجرجر ذيول تعبي متجهاً نحو لا شيء، ولا يبدو عصياً على الفهم أن يكون الثقل الذي أجره الآن تحديداً -وقد نقص منه وزن العربة- قد زاد، وبدت خطواتي كمن يحمل في أقدامه قيوداً حديدية مربوطة إلى صخرة كبيرة عليَّ أن أحركها مع كل خطوة أخطوها.
أمرُّ إلى مكتب البلدية مراجعاً من أجل إعادة المتجر الضخم المتحرك الذي صودر مني دون حق، تتلقفني الموظفة كما لو كنت ذبابة سقطت على وجهها، فاندفعت تبعدها عن ملامح كبريائها بكل قوة.
"عُـدْ غداً"، وما أدراها كيف أعود غداً، وأنا لا أملك عشاء اليوم، سبعة كائنات حية ستنام اليوم دون عشاء، قد يسكت كبيرهم محتسباً، لكن ماذا عن صغيرهم؟ قد تبتلع أمي صوت تأوهها ألماً جراء نقص الدواء، لكن ما الذي يمكن أن يبتلعه الصغار لكي يسكتوا ولا يعذبون قلقي بجوعهم؟
أعود غداً، ذبابة نجسة لا تلبث أن تثير حمق الموظفة، فتطردها بالجملة نفسها، وأرجع بخيبة أكبر، وأعلم أن صوت الجوع اليوم سيغدو صاخباً، فلا أعود إلى البيت إلا في وقت متأخر، لكي أصافح أحلامهم الصغيرة برغيف لا أملكه..بدلاً من أصواتهم.
أعود غداً آخر..وآخر ..وآخر، قلا تقابلني إلا بالجفاء نفسه، يكبر الغل في كبدي، أصوات أخوتي الجوعى تتكدس في قلبي، وصوتها يستفز أكداس الهم الغافية فوق صدري، أخبرها بأنني أريد عربتي حالاً، فتمعن في بشاعة ردها البارد، لا أرجع هذه المرة كما تخبرني كل يوم، بل أبقى ملتصقاً بمكتبها، أخبرها أن ورائي جياعاً يريدون طعامهم، تأبى أن تستمع لكلمة واحدة، كأنما تحولتُ فعلاً لذبابة تزعجها دون أن تفهم شيئاً من أزيزها، فتبعدني بصفعة من كفها، أستشيط غضباً، يرتفع صوتي، فتسب أبي، أستشيط أكثر، يقترب مني حراس الأمن، بإمكانهم دائماً أن يحملوني خارجاً بحجة الأمن، ومن يخرجهم خارج حدود جوع أخوتي؟ من يخرجهم خارج حدود أحلامي الصغيرة؟ من يرفع آثار أقدامهم عن جثة آخر حلم دفنته في صدري؟ من يمنح أخوتي رغيفاً دون أن يكون مغموساً بدبق الحاجة ووجع الكرامة؟
لن أتحرك من هنا إلا بصحبة عربتي..
صرخ ملء صوتي، فيقتربون مني بزيهم الرسمي، ووجوههم الجافة، يجـرُّوني خارج المبنى الحكومي، ويلقون بي إلى الخارج، أتحول إلى فأر قميء لا يروق لأصحاب البيت تطفله على بيتهم.
أقف خارج المبنى أمام الباب، مدفوعاً بكل أوجاعي وخيباتي وخسائري تنفجر دموعي غصباً عني لتغسل عار خدودي، أخجل من دمعي، من عجزي، من فقري، من جوع أخوتي، ووجع أمي، ألملم دموعي بطرف كمي، لكنها لا تتوقف، تشتعل النار في صدري، أشعر باللهيب يحرق كبدي، أصرخ بهم أعيدوا العربة أيها الكلاب، الصغار يريدون خبزاً... خبزاً فقط أيها الكلاب.
يجتمع عليّ بعض الأشخاص محاولين تهدئتي، بينما تصب علي نظرات حراس الأمن الساخرة وقوداً كافياً ليزداد حريقي، أعيدوا عربتي، فقد تستطيع شوارع الوطن أن تغضَّ النظر عن قباحتي، وقد تعتبرني ذبابة على خدها لكنها لن تقوم بطردي..إنه وطني أيها الكلاب..وطني.
النار في داخلي تستعر، نظراتهم الساخرة تزداد حدة، ترتفع قهقهاتهم لتملأ السماء صخباً، كل ما فيَّ يحترق، وأصوات جوع أخوتي يمخر عباب السماء، قلبي يتفتت، وقهقهاتهم ترتفع أكثر، لم يعدْ هناك معنى لوجودي، أي شيءٍ أستطيع أن أفعله يا أمي؟ عاجزٌ أنا عن ملء أفواه الصغار بقضمة خبز، عاجزٌ عن جلبِ دوائك، عاجزٌ عن حماية عربة الخضار..رفيقة خيبتي وفقري...عاجزٌ أنا عن الحياة يا أمي..عاجزٌ عن الحياة ...أشعلُ عود كبريت وأمنح ملابسي قبساً من النار، النار تستعر في داخلي، وفي ملابسي، وفي محاجر عيني، نظراتهم تصب علي وقوداً حامياً يرفع من وتيرة وجعي..النار يا أمي..النار تبتلعني ...فليموتوا يوماً واحداً كما أموت كل يوم، النار يا أمي...تلسعني، لكن نارهم أمضى وأكثر اشتعالاً..سيحترقون يا أمي فلا تحزني..هذه النار يا أمي..النار التي تشويني ستشويهم جميعاً..ستقتلع عيونهم وأظافرهم فلا تحزني، غطيني يا أمي..فأنا الآن أرتعش برداً، النار غادرتني إليهم..اطمئني يا أمي..ستثأر النار لي ولكم..ستثأر جيداً لجوعكم ولكرامتي، لخزائن الذهب المختبئة تحت جلودهم، وستستنشقين دخان احتراق كفوفهم التي امتدت إلى قوت أولادك، وسيبرد قلبك...غطيني يا أمي جيداً..فأنا أموت بـــ....رداً.

لبنى ياسين
كاتبة وصحفية سورية
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو فخري في جمعية الكاتبات المصريات






الأربعاء، 2 مارس 2011

هي عمان أمي


إن هذا الوطن، هذه الأرض، عماننا الأبية، ليست مزرعة لأحد معين يمكن لنا أن نحرقها في الوقت الذي نعلن فيه غضبنا على من نعتقد أنهم أصحابها، إنما هي عمان، عمان التي في القلب، عمان التي هي نحن فلا نجعلها تضيع من أيدينا لأننا نظن أننا نحقق بذلك حقوقنا ونحصل على مطالبنا.. حفظ الله عمان، حفظها آمنة مطمئنة.


هلال البادي

الأربعاء، 23 فبراير 2011

راقب وسجل






يستقطبني كثيرا النقاش الذي يشتمل على معلومات قيمة ومفيدة حول الكتب والمؤلفين فالشخص المتعلم الذي لا يقرأ لا يوجد بينه وبين الجاهل فرق كبير والحمد لله ما يزال هناك فئة طيبة في المجتمع تحاول أن تثقف نفسها من خلال القراءة وتسعى من أجل اللحاق بقافلة الحياة التي تتحرك بسرعة ضمن عالم كبير فيه العديد من مصادر المعرفة والثقافة ففي كل مرة هناك أبواب معرفية جديدة تظهر أمامنا.
مؤخرا تردد على سمعي اسم مهاتير محمد والكتاب الذي يتناول سيرته الذاتية وسمعت الصديق يصف هذه السيرة بالمدهشة والرائعة فطلبت منه استعارة هذا الكتاب وقبل أن يصل إلي قررت الغوص في بحر المصادر الأخرى لعلي أعثر على الأقل على لؤلؤة واحدة بين السطور،قدم لي محرك البحث "جوجل" الكثير من المعلومات القيمة عن هذا الرجل الذي تولى منصب رئيس وزراء ماليزيا لمدة طويلة ويعد من أكثر القادة تأثيرا في قارة آسيا ويمكن لأي قارئ أن يطلع على هذه المعلومات في أي وقت يشاء ولكن استوقفني كثيرا مقال الكاتب المصري كريم الشاذلي عن هذا الرجل وعنوانه: "راقبهم تغنم"، جاء فيه بأن أحدهم سأل مهاتير عن الطريقة التي استخدمها في إحداث نهضة شاملة في بلاده خلال زمن قياسي وكان جوابه: " لا شيء، إنها المراقبة والتسجيل! فقط كان معي دفتر صغير في جيبي، وكلما ذهبت إلى مكان فيه شيء أعجبني كنت أكتب ملاحظاتي عنه في هذا الدفتر".
إن المرافبة وتسجيل الملاحظات عادت عليه وعلى وطنه بفائدة كبيرة كما إن هذا السلوك سمة من سمات الناجحين والمتفوقين في دنيا العلم والعمل وفي هذا السلوك أيضا احترام للطرف الأخر وتقدير لفئات من البشر من ثقافات وأديان متنوعة.
ومع الأسف فهناك فئة تقلد غيرها بطريقة عمياء بحيث تنغمس في الشخصيات الأخرى وتفقد هويتها الأساسية واستقلاليتها وربما لا تفرق بين الإيجابيات والسلبيات وهي تحاول محاكاة الغير وهنيئا لكل من اتعظ بغيره وأخذ منه الأشياء الجيدة وترك السيئة.










الجمعة، 18 فبراير 2011

العدد الجديد من مجلة "الثقافة المغربية":



توظيف الثقافة المغربية في خدمة المشروع المجتمعي الجديد



ملف حول المفكر الراحل محمد عابد الجابري: المواءمة بين التراث والحداثة



عبدالحق ميفراني


صدر العدد الجديد الخامس والثلاثون من مجلة الثقافة المغربية، التي تصدرها وزارة الثقافة، في شكل جديد لتواصل حضورها في المشهد الثقافي المغربي وإلى تعميق التواصل الثقافي بين الكتاب والمبدعين المغاربة، في أفق أن تكون سجلا حيا لمختلف تجليات وحساسيات الكتابة والإبداع في الثقافة المغربية. وارتأت هيئة تحرير المجلة التي يرأسها الباحث د. كمال عبداللطيف {وتضم في هيئة تحريرها محمد الداهي، سعيد بنكراد، محمد اسليم، عبدالحق ميفراني ومحمود عبدالغني}، أن تخصص محور العدد للمفكر الراحل محمد عابد الجابري الذي فقده الفكر الإنساني السنة الماضية وهو يضم "محاولات بحثية تروم تقديم جهوده في قراءة التراث، وجهوده في العمل الثقافي المتنور في فكرنا المعاصر"، الى جانب المقالات والأبحاث المتنوعة، ضم العدد مجموعة من الإبداعات في الشعر والقصة.
ونقرأ في افتتاحية العدد لمدير التحرير الأستاذ كمال عبداللطيف "عندما نواصل اليوم إصدار مجلة الثقافة المغربية في شكل جديد، فإننا ننطلق أولا وقبل كل شيء من المبدأ الذي يسلم بالدور المركزي الذي يمكن أن تمارسه الثقافة في تطوير وتنمية مجتمعنا فنحن لا نؤمن بمجانية الثقافة كما لا نؤمن بتعاليها عن إشكالات الواقع وقضاياه، بل إننا نرى في المنتوج الثقافي وسيلة من وسائل توسيع فهم ذاته وفهم العالم". وتحرص المجلة، حسب الافتتاحية، على "تجسيد التنوع الثقافي، الذي يعد عنصر إخصاب وقوة في حياتنا الثقافية، وضمن هذا الإطار، تجتهد المجلة لتقديم صورة من مختلف التفاعلات والمخاضات الجارية في محيطنا الاجتماعي. مع الحرص على الاحتفاء بالإبداع بمختلف تجلياته في إنتاجنا الرمزي والجمالي". وتسعى المجلة وهي تواصل مسيرة الصدور توظيف الثقافة المغربية في خدمة المشروع المجتمعي الجديد.
في ملف العدد، تخصص مجلة الثقافة المغربية محورها لتقديم ملف عن فقيد الثقافة المغربية وصاحب أطروحة نقد العقل العربي الراحل محمد عابد الجابري {1936ـ2010} وذلك تقديرا لجهوده الفكرية المتميزة الصانعة لكثير من مظاهر قوة الثقافة المغربية والفكر العربي المعاصر. ويستوعب الملف جملة من المقالات التي تتوخى تقديم جوانب من منجزه الفكري من أجل مزيد من توسيع دائرة العقلانية والتنوير في فكرنا المغربي. يفتتح الأستاذ كمال عبداللطيف ملف الراحل محمد عابد الجابري: المواءمة بين التراث والحداثة"، ب"جبهات ومعارك في المسار الفكري لمحمد عابد الجابري". إذ واجه الجابري في حياته الفكرية والسياسية والتربوية ثلاث جبهات وخاض في كل جبهة منها معارك. ويقصد الباحث هنا، جبهة تدريس الفلسفة في المدرسة وفي الجامعة، وفي الفكر المغربي والعربي. وجبهة التراث وهي جبهة خاض فيها معارك عديدة، وهو يبحث عن صيغة للمواءمة بين التراث وبين مقتضيات الحداثة والتحديث. تم جبهة العمل السياسي بحكم أن مشروعه الفكري لم يكن مفصولا عن عمله السياسي. وإذا كانت الأولى موسومة ب"الدفاع عن العقلانية"، والثانية نقد العقل العربي فالثالثة هي دفاع عن الحرية والتحديث السياسي. الناقد عبدالمالك أشهبون يقارب صورة المفكر محمد عابد الجابري في طفولته وشبابه: من خلال "حفريات في الذاكرة"، مستحضرا مذكرات الجابري والتي لا يستطيع القارئ تمثلها دون استحضار صورته الرمزية كمفكر ومناضل. كما أن الاهتمام بهذا المفكر من خلال قراءة مذكراته، ينطوي على رغبة الناقد أشهبون بالقبض على "تاريخ الأفكار" لديه. الباحث محمد نورالدين آفاية تناول "رهان المتخيل عند الجابري" أو ما بين العقل وتعقل النقد. وفيه يشير الى أن الباحث العقلاني يضطر الى الانتقال من إطار قراءة النصوص، بما تسمح به من إعادة بناء نظرية لمختلف أشكال عقلانيتها الموجودة في لغتها وبنائها، الى مجالات المتخيل والواقع بما تستدعيه من جهد فكري متعدد ومن تركيب نظري مختلف. الباحث عبدالعزيز بومسهولي يتوقف عند مقولة "استعادة الحاضر" في المشروع الفلسفي عند الجابري، مركزا على مقولة أساسية مفادها أن مشروع الجابري هو نفسه مشروع ما بعد الجابري، الذي يضع الفكر أمام رهان استعادة الحاضر. الحاضر هو الوجود في العالم. ويقرأ الكاتب علي القاسمي "مفهوم القطيعة مع التراث في فكر الجابري" وهي قطيعة مع نماذج معينة من التراث في عصر الانحطاط، ومع القراءات غير الموضوعية للتراث، ومع الفكر الغنوصي الذي ساد في فترات من تاريخنا..الجابري يدعو الى تجديد التراث لا الى إلغائه. المفكر عبدالسلام بنعبدالعالي قارب "سياسة التراث" من منظور أن الجابري قد "خلص التراث من أسره" وجعله في متناولنا، جعل التراث في مستوانا نحن، جعل النحن وجها لوجه مع التراث فأتاح الفرصة لا للاقتراب منه بل قراءته وتأويله وأعطى لكل منا الحق في تملكه وفي هذا يتقاطع مع السياسة في سعيها توفير الحق للجميع.
في باب دراسات يتناول الناقد العربي وافي "مهام الفلسفة، والابستيمولوجيا، والتربية في مجتمع المعرفة" انطلاقا من أن الفكر الإشكالي هو المفتاح المنشود الذي يفتح أمام التربية بوابة مجتمع المعرفة، أما الناقد أحمد بلحاج آيت وارهام فيستقرأ البنيات الأسلوبية ودلالاتها في شعر عبدالرفيع الجواهري الشاعر الذي يمزج بين الغناء والحكي وهو ما يجعله من صنيع الشعراء الكبار. في حين يكتب الناقد خالد بلقاسم عن "الانفصال وهدم المعنى في كتابة عبدالسلام بنعبدالعالي" الانفصال بوصفه شكلا للوجود وآلية للتأويل وشكلا للكتابة والتي لا تنفصل عن آلية التأويل الموجهة باستراتيجية الانفصال. ويختتم الشاعر والناقد عبدالدين حمروش باب دراسات ب"المحيط والمركز: في علاقة المغرب بالمشرق ثقافيا" داعيا الى بناء استراتيجية ثقافية مغربية نظرا لأهميتها في ترتيب التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية دون الخوف على الشخصية المغربية، نظرا لما تجسده من قوة ثقافية ضاربة جذورها في عمق التاريخ.
ديوان العدد الجديد من الثقافة المغربية احتفى بنصوص الشعراء: ثريا مجدولين، محمد الميموني، عبدالسلام المساوي، سعيد الباز، محسن أخريف. في حين نقرأ في باب القصة نصوصا للمبدعين: مبارك ربيع، محمد الدغمومي، محمد زهير، الزهرة رميج. في باب نوافذ نقرأ للباحث سعيدي المولودي "المدخل الأدبي الى "الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا" لأبي القاسم الزياني، والأدبي هنا يندرج ضمن البنية الاستشهادية بحيث يوظف كأداة تعضيد أو ترجيح..وهي عملية قد نجد لها مبرارتها في مبدأ النظر الى النص الأدبي كحقل مسكون بمحتوى معين يسمو على محدوديته. أما الباحث أحمد السعيدي فيكتب عن جنوب المغرب في الرحلة الفرنسية المعاصرة/ نموذج تافراوت"، حيث يتقصى الباحث فضاء تافروات في رحلتين فرنسيتين معاصرتين.
في باب قراءات، يقارب الناقد عبدالرحمان التمارة مجموعة الإقامة في العلبة للقاص لحسن البقالي من خلال جماليات الأزمة الجارحة، إذ "تأسس متخيل القصص على مدار دلالي قوامه جمالية الأزمة الجارحة" فتبدو القصص مأخوذة بمقولة الكشف كما يتطلبها الفعل الإبداعي القصصي. الناقد أحمد زنبير يكتب "تعددية الواحد في ديوان "مدين للصدفة" لجمال الموساوي في محاولة لتحديد العمق الإنساني في نصوصه.
يختتم العدد بباب من رفوف المكتبات الذي يسعى التعريف بحركية الإنتاج الأدبي والفكري المغربي، وبدعوة مجلة الثقافة المغربية كتابها للمساهمة في تحرير العدد القادم حول محور "أسئلة الثقافة المغربية اليوم" وهو الملف الذي يتوخى إنجاز عمليات تشخيص طبيعة التحولات الجارية في المشهد الثقافي المغربي في تنوعه واختلافه من خلال المحاور المقترحة للبحث والكتابة:{الثقافي والسياسي في المغرب اليوم، الرواية المغربية: النصوص الجديدة وتحولاتها، الشعر المغربي اليوم، الحساسيات الفنية والجمالية في التشكيل والمعمار المغربيين، أسئلة الحقل السياسي والاجتماعي..} وللكتابة الى المجلة يرجى مراسلتها على بريدها الالكتروني:


revueminculture@yahoo.fr


الثلاثاء، 15 فبراير 2011

إبداعاته كالشمس




في مايو/أيار القادم يحتفل العالم كله بمرور 150 عاما على مولد الشاعر الهندي الكبير رابندرانات طاغور وأحب أن أطرح السؤال ذاته الذي طرحه الأستاذ بديع حقي في مقدمة كتاب روائع طاغور في الشعر والمسرح والذي قام حقي بترجمته إلى اللغة العربية: "أفما خالستك النظر من قبل قصيدة له منشورة في مجلة أو ديوان".
كان العالم يحتفل بالذكرى المئوية عند صدور هذه الترجمة وتشتمل على المجموعات الشعرية جيتنجالي وجني الثمار والبستاني والهلال ودورة الربيع، بالإضافة إلى مسرحية شيترا وهذا جزء يسير من حصاد طاغور الغزير والذي يتلخص في 120 مجلداً لا تتضمن الشعر والمسرح فقط وإنما القصة القصيرة والرواية وأعمال أدبية أخرى.
فطاغور ليس مجرد شاعر أو حكيم أو فيلسوف وإنما فكرة خالدة لا تموت بموت صاحبها، لقد اتسع نبوغه ليحلق في آفاق رحبة وما يزال الإقبال كبيرا على إبداعاته المتنوعة.
اسمه الأول "رابندرانات" معناه "الشمس" وقد شهدت طفولته المبكرة الكثير من الأجواء الثقافية الخصبة وفنون مختلفة بين رسم وغناء وشعر، نهل طاغور من هذه الينابيع الثرية واختار أعذبها وأطيبها وألصقها بروحه.
سهر أبوه على تعليمه واختار له نخبة من المعلمين ولم يكتفي الأب بالتعليم النظري فاصطحب ابنه في الكثير من رحلاته وتنقلاته، صدر ديوانه الأول أغاني المساء – في ترجمة أخرى أغنيات الغروب- سنة 1877م وهو في الخامسة عشرة وكتب في ذلك الوقت مجموعة من المقالات وجاء بعدها ديوانه الثاني أغاني الصباح- في ترجمة أخرى أغنيات الفجر- سنة 1883م،بعدها توالت قصائده ودواوينه وقد سافر طاغور إلى انجلترا سنة 1877 لمواصلة دراسة القانون وكان محافظا على ردائه الشعبي ولم يجد في هذه الدراسة ما يرضى نفسه التي تميل إلى الفن والأدب ولكنه تعلم اللغة الانجليزية هناك وقام بنقل بعض مؤلفاته إلى هذه اللغة كما نهل من معين الأدب الإنجليزي.
تزوج في مرحلة عمرية مبكرة من عمره ورزق ثلاثة أطفال ولكن الهناء لا يدوم وها هي عاصفة الموت تجتاح بيته وتخطف منه الزوجة والأبناء وانعكس كل ذلك في أشعاره الحزينة وحول هذا الفقدان الكبير قال طاغور: "إن عاصفة الموت التي اجتاحت داري أضحت لي نعمة ورحمة فقد أشعرتني بنقصي وحفزتني على نشدان الكمال وألهمتني أن العالم لا يفتقد ما يضيع منه".
يصعب في هذا السطور القليلة التطرق إلى هذا الشاعر العظيم والذي رحل عن عالمنا في القرن الماضي ولكن كلماته ما تزال مضيئة كاسمه وكأني به أمامي بوجهه الهادئة وجسده النحيف وهو يرتل كلماته المعروفة: " من أنت أيها القارئ، أنت الذي ستقرؤني بعد مائة عام؟"


الأحد، 13 فبراير 2011

لقاء الأحباب




هناك يوم أو أيام لا يمكن نسيانها وخاصة ذلك اليوم أو تلك الأيام التي تجمع فيها الأقدار الطيبة مجموعة من الأحباب قد يكونوا آباء وأبناء أو أخوة أو أصدقاء أو زملاء افترقوا لظروف وأسباب مختلفة.
في هذا النوع من اللقاءات تختلط وتمتزج المشاعر وغالبا يصعب وصفها أو إدراك كنهها فلأمر يعتمد على الأشخاص وطبيعة الموقف الذي يمرون فيه.
في سنة 1998 سافرت إلى الهند لإجراء جراحة في العامود الفقري في إحدى المستشفيات المعروفة في مدينة "مومبي" شمال الهند،وهناك التقيت بسيدة هندية كانت من ضمن المرضى، هذه السيدة كانت تزور المرضى باستمرار وتدخل غرفهم وتعرف بنفسها بلا خوف أو تردد، كانت تقدم الورود والهدايا لهم وتبادر إلى مساعدتهم وخدمتهم بدون أن يطلبوا منها ذلك. لقد تعرفت على أبناء وأقرباء هذه السيدة ، معاملتها الطيبة والكريمة ساهمت في تخفيف الكثير من الألم والكآبة ، كذلك قررت القيام بنفس الدور مع تماثلي للشفاء.
بعد عودتي إلى السلطنة قمت بمراسلتها ومع مرور سنة أو أكثر قليلا وبسبب الانشغالات وزحام الحياة انقطعت عنها. في سنة 2009م حصلت على منحة للمشاركة في دورة دراسية في جامعة فلوريدا الأمريكية وفي إحدى المرات عثرت في حقيبة ملابسي على بطاقة بريدية قديمة وصلتني من هذه السيدة سنة 2000م أو 1999م لا أذكر بالتحديد؟ شعرت بسعادة لوجود هذه البطاقة في الحقيبة وقمت بمراسلتها مجدداً ووصلني ردها بسرعة ولحسن الحظ بأن برنامج الدورة اشتمل على زيارة إلى ولاية نيويورك- المكان الذي تقيم فيه- والتقيت بها مع مجموعة من أبنائها بعد مرور 11 سنة على أول لقاء بيننا. لم أكن أتوقع بأن بطاقة بريدية صغيرة ستجمعنا من جديد.
الكثير من الصدف الرائعة تخرج من شرانق الأقدار وتتحول إلى فراشات جميلة زاهية الألوان لتحلق في سماء السعادة والمحبة وقد يحدث مع الإنسان أكثر من ذلك!


السبت، 12 فبراير 2011

((ياسيد الثقلين ... هذا عهدنا ))



إلى أمتنا العربية والإسلامية في ذكرى المولد النبوي الشريف


قالوا بأنــّـا أمة ٌ جبـُنت


وتاهت في بحار ِ خنوعها


ابداً ...


وماعادت لها روح ُ الحياه


تزجي الزمان َ توجعا ً


تشكو كما يشكو الذليلُ


وضاعة ً ....


والآه تعقب ُ ألف َ آه


قالوا بأنـّـا امة ٌ


تستمرىءُ الذل َ/ الخنوع َ/ القيد َ


تجثو عند أقدام ِ المليك ِ


يسوطـُها ...


وتنوح ُ ناكسة َ الجباه


وبأننا ياسيدي


ياشمس َ دنيانا وبهجة َ عمرنا


ياأيها القمرُ المنير ُ


بليلنا الداجي


ويانورَ الهدى


سنظلُ جمعا ً من عبيد ٍ


خانعين َ...


يدوسـُنا الأسياد ُ


في رحب ِ المدى


لكننا ... ياسيدي


أرواحـُنا ... للحيظة ِ اللقيا


لنور ِك ... يانبيُّ


لك الفدى


لما تناثرَ من ضيائـِك َ


فوق هامات ِ الزمان ِ كواكبٌ


من كبريائك َ...


هالنا ذاك الندا


فتعملقت ْ فينا الكرامة ُ


ألفُ طود ٍ .. شد ألفا ً


شد الفا ً...


صارت الأيدي يدا


والصوت ُ .... صوتــُك ياحبيب ُ


يقود ُنا...


ياصوتــَك الغالي الحبيب َ


المفتدى


لما رأونا ...


هالهم ذاك الهديرُ الصاخب ُ


وتعجبوا....


من أين للشعب ِ الحقير ِ المستذل ِ


كرامة ٌ ...


من ذا أنارَ طريقه ُ؟


من أيقظ َ الإنسان َ في جنباتــِه ؟!!!


كيما يثورُ ويغضب ُ


أنت الذي علمتنا


ياسيدي ..


ساعات ِ كنا نستقي


من جود ِ فيك َ طهارة ً


خاطبتنا بحديث ِ صدق ٍ ناصع ٍ


لايكذب ُ ...


إن الشموسَ إلى الشروق ِ


مآلــُـها


مهما تغيبُ ... وتغرُبُ ...


ياسيدي ... ياسيد َ الثقلين ِ


هذا عهد ُنا ...


إنا سنمضي للأمام ِ


رؤوسُنا لاتنحني


نرنو إلى شمس ِ الخلاص ِ


ونقدم ُ ...


إما نهضنا


وارتقت ْ هاماتــُنا


ستظل ُ روحــُك هاتفا ً


زخما ً...


فلا نستسلم ُ


سندك ُ عرشا ً للطغاة ِ


ونهد ِم ُ..


ياسيدَ الثقلين ِ.. هذا عهدُنا


عهد ٌ تعمــّد َ بالدماء ِ زكية ً


سالتْ على درب ِ الخلاص ِ


تشدُنا ....وتلملم ُ


ياسيدي ...


طه الحبيب َ /المصطفى/ المختار َ


أنت حبيبــُنا


ياشمس َ دنيانا وبهجة َعمر ِنا


خفق ُ القلوب ِ شفافة ً


يترنم ُ


ياشوقــَنا ... ياتوقــَنا


يامعْــلـَم ُ


( صلى عليك َ الله ُ ياعلم َ الهدى )


صلوا عليه ِ أحبتي


صلوا عليه ِ..... وسلموا






كمال محمود علي اليماني