يصدر قريبا عن منشورات
جامعة أدنبرة، وهي من أهم دور النشر الأكاديمية في بريطانيا، كتاب «الجسد في شعر
الحب العربي: التراث العذري»، للكاتبة والأكاديمية جوخة الحارثية. يقع الكتاب الذي
كُتِب باللغة الإنجليزية في 288 صفحة، مقسّمًا إلى ثمانية فصول، ومشتملًا على ست
نسخ من لوحات أصلية تصور قصة مجنون ليلى تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
من كلمة الناشر على الغلاف: «إعادة تفسير جذري
لطبيعة شعر الحب العربي التراثي في العصور الكلاسيكية، تتحدى الفكرة النمطية عن
غياب الجسد في شعر الحب العذري.
ويتعمق الكتاب في دراسة التراث العذري من خلال
قراءات معمّقة للمصادر العربية الكلاسيكية في القرن العاشر الميلادي، خاصة كتاب
الأغاني. كما يسهم في الدراسات الأدبية حول تمثيلات الجسد.
ويتضمن قراءات دقيقة للنصوص الأدبية التراثية
المكتوبة باللغة العربية بما في ذلك شعر عروة بن حزام، ومجنون ليلى، وقيس بن ذريح،
وجميل بثينة، وكثيّر عزة.
تعيد جوخة الحارثي تقييم العلاقة بين الحب والشعر
والمجتمع العربي من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر، متجنبة الكليشيهات
المألوفة حول نقاء الحب في الشعر العذري بشكل عام، مُناقِشةً النظرة إليه باعتباره
نظيرًا عربيًا لمفهوم القرون الوسطى الغربي للحب غير المكتمل «حب البلاط»، وتُساءل
المؤلفة التركيز التقليدي على العفة والافتراض أن هذا الشعر يغفل أي حضور للجسد.
تركز جوخة الحارثي على الاختلافات الرئيسة بين ما
يقوله الشعر نفسه وآراء المصادر اللاحقة حول الشعراء العذريين وأعمالهم. كما توثق
كيف تأثر تصوير المحبوبة في الغزل العذري بالشعر الجاهلي، مبينة كيف تطور هذا
التقليد عبر سلسلة من الطبقات التاريخية المتداخلة، وهي تفتح آفاقًا جديدة من خلال
فحص كيفية تعامل هذا الشعر ليس مع جسد الحبيبة فقط، بل جسد المحب أيضا، الشاعر
نفسه».
ومن تصدير الأستاذ الدكتور صبري حافظ للكتاب: «هذا
الكتاب وثيق الصلة بدراسات الأدب العربي الكلاسيكية في الثقافة بشكل عام والشعر
بشكل خاص، فهو يملأ فجوة في الحقل الأكاديمي ويفتح مجالات جديدة للدراسة والبحث في
المستقبل، لأنه يضيف بعدًا جديدًا إلى الدراسات المتوفرة في الشعر العربي
الكلاسيكي. تعامل المؤلفة مع المصادر العربية والغربية تشكل سابقة معرفية للدراسات
التي ستزدهر وتؤتي ثمارها.
أتوقع أن يصبح هذا الكتاب من القراءات الأساسية في
مجاله، وأن تصبح قراءته ضرورة في هذا الحقل، وأرى أنه قد يؤدي إلى مقاربات جديدة
لدراسة الجسد وأهميته في النصوص الكلاسيكية الأخرى.
وسوف يلهم طلاب الأدب لاكتساب نظرة ثاقبة جديدة
وموضوعية في الثقافة العربية الكلاسيكية، ويشجعهم على المغامرة في عالم البحث في
المسكوت عنه. كما أن كتاب جوخة الحارثي هذا متصل بعدد من الحقول الأكاديمية
الأخرى، مثل الدراسات الثقافية والدراسات النسوية، وتمثلات الجسد ثقافيا، ودراسات
التلقي لدور المرأة في الثقافة الإسلامية والأدبية الشعرية، ودور الشاعر والمثقف».
الاثنين، 19 أبريل 2021
"الجسد في شعر الحب العربي: التراث العذري"
الاثنين، 8 مارس 2021
26 إصدار جديد
مسقط ــ جريدة الوطن
تزامنا مع ذكرى الموعد السنوي
المعتاد لمعرض مسقط الدولي للكتاب، المؤجل لهذا العام بسبب الأوضاع الراهنة جراء
تفشي جائحة كورونا (كوفيد19)، أعلنت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء وضمن
إصداراتها للعام 2021م عن (26) إصدارا جديدا تشكل إضافة مهمة للمكتبة العمانية والعربية،
تنوعت في صنوف الأدب شعرا ونثرا ونقدا، وفي الثقافة بقضاياها المختلفة، وفي
التاريخ العماني، إصدارات تعاونت فيها الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء مع دار
نثر للنشر، التي قامت بجهود كبيرة في إنجاز هذه الإصدارات.
وحول هذه الإصدارات، قال المكرم المهندس سعيد بن
محمد الصقلاوي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء: إن الجمعية
تواصل العمل وفق منظومة أدبية تقترب من الكاتب والأديب والمثقف العماني والعربي
على هذه الأرض الطيبة المباركة، في ظل الدعم المتواصل من لدن مولانا حضرة صاحب
الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه -، وما هذا التوجه الثقافي
إلا استمرارا للمسيرة الأدبية وتحقيق رؤاها وأهدافها التي طالما شكلت نقاط ارتكاز
حقيقية لنهج الجمعية خلال السنوات الماضية.
وأضاف الصقلاوي: تأتي هذه الإطلالة الثقافية لتعزز
واقع قربنا من الإصدارات العمانية المتحققة والمتنوعة، كونها خضعت لتقييم من
متخصصين كل في مجاله في الشأن الفكري الثقافي، وفق الآلية المتبعة لإخراج إصدارات
الجمعية، كما أن قرب الجمعية من الناشر العماني جعل من دار نثر هي من تخرج إصدارات
الجمعية هذا العام وهي تطل بحلة يسودها شغف الابتكار مع الترويج الأمثل للكتاب
العماني وإيجادها لهذه الإصدارات في جميع منصات البيع الإلكترونية، وفي حال إقامة
معارض دولية للكتاب، ستكون هذه الإصدارات حاضرة بإذن الله تعالى، مع مواصلة
الجمعية في تبني الكاتب العماني ودعم إصداراته الأدبية وتقديمها على نطاق واسع.
ونوّه الصقلاوي إلى أن هناك ثلاثة إصدارات أدبية سترى النور قريبا وهي قيد الطبع،
ومن بينها إصدار لمجموعة القصائد الرثائية التي قدمها الشعراء في المقام الخالد
للمغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ في
مجالي الشعر الفصيح والشعبي، وأتقدم بالشكر الوافر للشاعرين يونس البوسعيدي وخميس
الصلتي، على تعاونهما وجهودهما في التنسيق لهذا الإصدار وتواصلهما الملموس مع
الشعراء الذين تشرفت قصائدهم لتكون بين دفتيه، بالإضافة إلى إصدار شعري آخر للشاعر
أحمد العبري مع إصدار خاص في أدب الطفل، كتبه مجموعة من الأطفال من واقع حلقة
العمل الأدبية “هيا نكتب حكايتي”.
وضمت الإصدارات الجديدة للجمعية العمانية للكتاب
عناوين مختلفة ، جاءت عناوينها كما يلي: “تداوليات الخطاب السردي في روايات علي
المعمري” للكاتب علي الشرجي و”الاستنهاض في الشعر العُماني “ للباحث خالد بن عيسى
السليماني وكتاب “عقد اللؤلؤ” للكاتب المسرحي اليقظان اليماني وضم ثلاث مسرحيات:
عقد اللؤلؤ، غيمة التسامح والشموع، عش العصافير، مطعمة بأهازيج وأغان تتناسب مع
روح الطفولة. واصدار “بيت الجزيرة” للكاتب هاشم الشامسي واصدار “الاستعارة
المعرفية” للدكتور جمال بن علي الحراصي واصدار “على دثار النجمة “ للشاعرة خديجة
بنت علي المفرجية ، و” ترويض الفيلة” للشاعر فيصل الحضرمي ، و”الظواهر التركيبية”
للباحث عبدالله الهاشمي، و”قهوة مرّة” للقاص سلطان بن حميد البادي ، ورواية “إرّا
ليس غاضبًا” للكاتب محمد قرط الجزمي، وكتاب “ وجهني بقصة” للكاتبة ميمونة بنت محمد
البلوشية ، ومجموعة “ما لم تقله الأرض” للشاعر العراقي المقيم في السلطنة وسام
العاني، واصدار “لست أعرفني” للشاعر محمد المسلمي ، واصدار “ إبحار باتجاه الكلمة”
للكاتب الصحفي محمد الحضرمي ، و”ديوان البوح” للشاعر علي الحامدي، ويشتمل على
قصائد رثاء للمغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه،
وقصائد أخرى توزعت في أغراض شتى في المناسبات كالوطنيات، والأعياد، والدينيات،
وحتى عن جائحة كورونا. ويصافح الشاعر خالد بن علي المعمري القارئ من خلال غيماته
عبر إصداره الجديد “أصافح الغيم” ، أما الكاتب محمد الرحبي، فيسجل حضوره من خلال
“الثقافة كما نريد” ، واصدار “كان ظلا وارفاً” للشاعر علي الهاشمي ، ويطل الشاعر
يونس البوسعيدي برائحة الشعر من خلال مجموعته “كطائر يحلم بالمطر” ، واصدار” بياض
في المخيلة” للشاعر سالم الهاشمي ، و”الجمل التي لا محل لها من الإعراب” للكاتب
سامي بن علي الكندي ، و“ شياطين طفل الستين” للشاعر عبدالرزاق الربيعي ، واصدار
“من ظلال البيت الكبير” وهو عبارة ثلاث مسرحيات في كتاب، المسرحية الأولى عندما
تشرق الشمس للدكتور عماد بن محسن الشنفري، والمسرحية الثانية من وراء القصد لعلي
بن محسن الشنفري، والمسرحية الثالثة “سكة إسماعيل” لهيثم بن محسن الشنفري، أما
الشاعر عثمان العميري فيقدم “واستقال الملاح”، والكاتبة شيخة الفجرية تستعرض
تجربتها مع الرواية عبر “ تلك المائة عام” وهي تحتفي بالتاريخ العماني، وتصقل
الدكتورة هدى بنت عبدالرحمن الزدجالية الأثر الفكري العماني من خلال كتاب
“العمانيون واثرهم الثقافي والفكري في شرق أفريقيا”.
السبت، 6 مارس 2021
فصل من رواية دلشاد لبشرى خلفان
التهم الغول الشيخَ وابنَه، وانتبهت أنا من ضحكي، تغير الوقت، ولم
أعد أنا دلشاد الذي كان.
أرجع بذاكرتي إلى ذلك اليوم، فأرى عسكريًّا هنديًّا في بنطلون
قصير يقف أمامي، يأمرني بالوقوف ويسألني عمَّن أكون، قلت له: اسمي دلشاد وأنا من
مسقط، والغول ابتلع شيخي وابنه، لكنه لم يفهمني رغم أني تكلمت بالأوردو التي
تعلمتها في سوق مسقط، وساقني أمامه إلى المخفر، وهناك قلبتني الأيادي والأقدام
بعنف شديد، أردت أن أصرخ في وجه الأحذية والقبعات، لكن ضحكتي سبقت صراخي، فاهتاجوا
أكثر، وازدادت قوة ضرباتهم، ثم فجأة توقفوا وقذفوني إلى الشارع مرة أخرى، دون أن
يسألني أحد عن شيء، أو حتى يوجهوا سبابة اتهام إلى وجهي، وكأن كل حاجتهم مني كانت
التدرب على الركل والصفع.
جررت جسدي ومشيت في أزقة مومبي وحاراتها، كانت عيون الناس تلتفت
إلى دشداشتي الممزقة، ومشيتي العرجاء، لم تكن العيون تطيل النظر، بل تستقر قليلًا
ثم تذوب، تتجاوز ضعفي وبؤسي بسرعة، وتذهب إلى مكان آخر. كنت أريد أن أتوقف، أن أفتح فمي، أن أسألهم عن
شيء ما، لكنني لم أعد أتذكر ما هو، ففي المخفر، علقوني طويلًا من عقبي، وأظن أن كل
أسئلتي والكلام الذي في رأسي اندلق على الأرض وغاب فيها.
مشيت طويلًا،
وعيون الناس من كثرتها صارت عينًا واحدة، شعرت أني أمشي وحيدًا على صفحة بحر من
الأجساد بلا عيون ولا أفواه، حتى اصطدمت بقامة رجل، فانتبهت، نظرت إلى وجهه فوجدت
عينين وفمًا، ثم نظرت من حولي، فوجدتني أقف وسط سوق عظيم، كان الناس يسيرون فيه،
هنودًا وإنجليزًا وعربًا.
رأيت رجلًا يلبس
دشداشة، وعلى رأسه يضع غترة وعقالًا مقصبًا، وفي يده عصا غليظة، عرفت أنه ليس
عمانيًّا، فهان مصابي قليلًا، أو ربما تعاظم، ما عدت أفرق بين القليل والكثير، وما
عدت أعرف ما أحس به أو أشعر.
نظرت إلى وجهه لثوانٍ، ثم سقطت عند قدميه.
لا أعرف متى فتحت
عيني أو أين، كانت الأرض تحتي خشنة وباردة ورطبة، وإلى أنفي تسللت روائح كثيرة. مرت دقائق حتى تبينت الضوء الذي يأتي من بعيد،
نظرت حولي فوجدت جدرانًا بيضاء تحيط بي، وتحتي أرض داكنة. بقيت ممددًا، قلت: ربما هذا قبري، أعجبني ذلك،
قلت: إن لم أكن ميتًا بعد فربما يجب أن أموت، لعلي لو ادعيت الموت، أغريت ملك
الموت فيأتي ليأخذني، قبل أن تعود تلك الأقدام الغليظة فترفسني مرة أخرى. من وسط الروائح الخاملة في رأسي، جاءت رائحة
تشبه رائحة شيخي، عطره الذي يضعه كل صباح، والذي يتركه خلفه وهو يمشي، فأمر فيه
وكأني أدخل في الفرح، فرح واثق كنت أمر فيه كل يوم وما دريت أنه منقضٍ. فرحت بالرائحة، قلت: نجوا من الغول، ولقيني حمد
وعاد شيخي لينقذني.
تحركت بكل وجعي وقمت محاولًا الجلوس، وبعد أن جلست تلاشت الرائحة
وهبت روائح أخرى متداخلة، حلوة، خفيفة، جافة، رطبة وثقيلة، لكن أيًّا منها لم تكن
رائحة شيخي.
حبوت خطوة أو خطوتين، ثم قمت وبدأت بالمشي، ساحبًا عظامي التي
كنت أسمع صراخها في أذني، وصلت عند الباب الموارب قليلًا، اتكأت على جانبه، فوجدت
رجلين يجلسان متقابلين، بينهما ميزان يضعان عليه قطعًا صغيرة من الخشب، وقنان
كبيرة بها سوائل ملونة ولزجة، يسكبانها في قمع صغير ويوزعانها على قنان أصغر.
انتبه أحد
الرجلين إلى وقفتي، فطلب من صبيه أن يحضر لي كرسيًّا وأمرني بالجلوس.
كان يتكلم
الهندية، لكن وجهه مثل وجوه أولاد العرب ويلبس مثلهم، سحبت قدمي وجلست، سألني عن
اسمي بالأوردو، فوجدتني أرد عليه بالعربية، اسمي فرحان بن غصيب ود السيح.
ابتسم الرجل فالتمع
سن ذهب في فمه، ثم سألني بالأوردو مرة أخرى من أين، فقلت له من مسقط، فاتسعت
ابتسامته، ولم أعرف لماذا يسألني هذا الرجل، لكنني أردت أن أجيبه، فإن كان في
المسألة ضرب فليكن، عسى أن تنتهي حياتي وآلامي.
كنت متعبًا، وشعرت أني سأسقط من الكرسي، لكن الرجل أمر صبيَّه
فأحضر كأس ماء وقربه من فمي. شعرت في تلك اللحظة بالعطش مُلحًّا وقويًّا وصارخًا
في كل جسدي، وكأن جسدي كان بحاجة إلى رؤية الماء حتى ينتبه لعطشه، أو وكأن العطش
لم يخلق قبل تلك اللحظة. استعدت شيئًا من قوتي، ثم أحضر لي الصبي كوبًا من الشاي،
فارتعشت يدي وهي تمتد إليه، أخذتني رائحة الشاي إلى السفينة، إلى قمرة النوخذة،
إلى شيخي البصير، إلى عبوسه ويده التي تحط كحمامة على كتف حمد.
قربت الكوب من
شفتي، نفخت فيه لكن الرشفة الأولى أحرقتني فتمهلت، وعندما انتهيت سألني الرجل ولكن
بالعربية هذه المرة: «اسمك فرحان بن غصيب ود السيح وأنت من مسقط؟ ويش جابك مومبي
وأيش صار لك»؟
قبل أن أجيب أحضر
الصبي صينية فيها خبز وعدس ووضعها أمامي، فعرفت أني جائع.
بين اللقمة
والأخرى كنت أخبره عن النوخذة والشيخ والغول وعن مسقط وعيسى، لكني لم أخبره عن أمي
ولا نسبي ولا مريم ولا عن بيت لوماه.
حتى أنا أعرف أن هناك أشياء لا تقال، الخزي واحد منها.
أمر لي الشيخ
بفراش في المخزن وطعام، وجعل صبيه يدهنني صبحًا ومساء بخلطات صفراء حارقة، عجلت
شفائي، وعندما استطعت المشي دون أوجاع كثيرة، طلبني، وخيرني بين أن أبقى في مومبي
أو أن يجد لي مركبًا يعيدني إلى مسقط.
لا حاجة لي في العودة إلى مسقط، فأنا لم أتركها لأعود، حتى لو
ركلتني كل الأحذية، لماذا أعود إلى مسقط؟ حتى أقف أمام بيت لوماه أطلب مضغة قلبي
ولا يرد عليّ أحد؟ كي أقف في لوغان وتنهال عليَّ شتائم العجائز ولوم الرجال، سلمت
بنتك لبيت لوماه… أتعرف ماذا يحدث للبنات في بيوت الأغراب.. البيوت الكبيرة.. بعت
بنتك يا دلشاد؟ سأقول سنجور جمعة… قاتل الله سنجور جمعة وحكاياته ونصائحه.
– لا… ما أريد
أرجع لمسقط… أريد أجلس هنا… أشتغل معك.
– معي؟ ما عندي
لك شغل.
لم ألح في الطلب،
شكرته ثم حملت جسدي ومزق ثيابي وخرجت، لا أعرف إلى أين أذهب؟ وماذا سيلقاني في
الدرب؟ وأي أحذية ستتبارى على رفسي؟
كانت الشمس
والرطوبة ورائحة العفن ممتزجة برائحة طعام يقلى وبروائح أخرى حادة وكثيرة، تنبهت
إلى أني لم أسأل الرجل عن اسمه، فالتفت إلى باب الدكان، فكرت أن أعود فأسأله، لكني
كنت متعبًا… أكثر تعبًا من أن أهتم.
مشيت قليلًا وأنا
غائب الذهن، وعندما تنبهت وجدت نفسي وسط شارع عريض، على جانبيه دكاكين وبسط طعام
ورجال ونساء وعتالون وثيران بقرون عظيمة تجر عربات محملة بسلال البضائع ولفات
الثياب. قلبت بصري في المكان، ثم
شعرت بالخواء يملأ بطني ورأسي، أغمضت عيني لحظة، وعندما استيقظت وجدت نفسي في مخزن
الدكان مرة أخرى.
لم أرَ وجه التاجر، لكني رأيت حذاءه وطرف ثوبه الأبيض ورشات من
طين الشارع تبقعه، وسمعت صوته وهو يأمر صبيه: «عطيه ماي وخله ينام وبعدين عطيه
ياكل».سقطت في النوم ثانية، وعندما
استيقظت لم أرَ شيئًا سوى الظلام، فقلت: ظلام في ظلام، فأغمضت عيني، لكن الجوع
أيقظ معدتي، ورائحة الطعام تسللت إلى منخري، فتبعتها أصابعي حتى وجدت صحن العدس،
وتلمست الخبز.
لست بحاجة إلى
عيني ولا إلى الضوء لآكل، يدي والصحون وفمي كل حاجتي الآن… في وسط اللقمات غصصت
وأنا أسأل نفسي هل كنت بحاجة إلى عيني فعلًا كي أحمي مريم؟
■ فصل من رواية دلشاد لبشرى
خلفان
"سندلايلات مسقط" بالفارسية
مسقط في 16 فبراير /العمانية
/
تُرجمت رواية الكاتبة العُمانية هدى حمد “سندريلات مسقط “للغة الفارسية، وستصدر قريبا
عن دار ثالث، إذ قامت الكاتبة
الفارسية معاني شعباني بترجمتها
وهذه الرواية التي نشرت عن
دار الآداب عام 2006، حيث تستعير الكاتبة في روايتها حكاية “السندريلا” الشعبية،
لتؤثث عالما روائيا جديدا تقعُ أحداثه في مطعم صغير مُطل على البحر في مسقط. غير أنّ
“سندريلات مسقط” الثمان لم يخرجن بغرض البحث عن أمير وإنما لمتع أخرى.
تُدخلنا الرواية إلى أجواء فنتازية غير متوقعة، ولكن عندما تبدأ الرواية بتفتيت حكايات الشخصيات، نجد أنفسنا نصطدم بواقعية تُشبه
اليومي والبسيط المعتاد من حياة النساء.
كانت السندريلّات الثمان
متأهبات للتحول، ومستغرقات في الحكي الذي يمتد حتى تدق الساعة الثانية عشرة ليلا،
حيث يغدو الحكي هو المعادل الموضوعي للشعور بالخفة والتغلب على آفة النسيان. كما
أنّ الطباخ “رامون” هو المعادل الموضوعي للإصغاء الذي يفتقدنه.
وتقول الكاتبة هدى حمد: “لا
توجد قضية كبيرة في هذا العمل. إنّها ليلة سهر صاخبة
بالحكايات وحسب. الحكايات
العادية والبسيطة كما تبدو من الخارج وهي في الوقت نفسه بالغة الإيذاء، وكثيرا ما
تتسبب في تدميرهن. السندريلات لسن كما يبدو لنا، أنيقات وجميلات وبالغات الرقة، إنّهن
متحولات وحسب، وهن في بيوتهن شيء آخر تماما”.صدرت للكاتبة هدى حمد ثلاثُ
مجموعات قصصيَّة عن مؤسسة الانتشار العربي، “نميمة مالحة”، “ليس بالضبط كما
أريد”، “الإشارة برتقالية الآن”، وأربع روايات، “الأشياء ليست في أماكنها” التي حازت
على المركز الأول في مسابقة الشارقة للإبداع العربي2009م، وجائزة جمعية الكتاب
والأدباء كأفضل إصدار في العام نفسه، ورواية “التي تعدّ السلالم”، عن دار الآداب في
إطار “محترف نجوى بركات” 2014. ورواية “سندريلات مسقط” 2016، ورواية
“أسامينا”2018. وكان آخر اصداراتها كتاب مقالات وتأملات بعنوان: “تأمل الذئب خارج
غرفة المكياج” عن مؤسسة الانتشار العربي.
الأربعاء، 2 سبتمبر 2020
"سيدات القمر" باللغة الروسية
موسكو- “العمانية”: قالت المترجمة الروسية “فيكتوريا زاريتوفيسكايا”
إن رواية “سيدات القمر” للكاتبة العمانية جوخة الحارثية، رواية “غير عادية”
بالنسبة للقارئ الأجنبي، لأنها تتحدث عن بلد ليس معروفًا بما يكفي له، وتغوص
عميقًا في تقاليد المجتمع العُماني وعاداته ومعتقداته. وأضافت “زاريتوفيسكايا”
بمناسبة صدور النسخة الروسية للرواية الحائزة جائزةَ “مان بوكر” لعام 2019، إن
التأهُّل للمنافسة على هذه الجائزة أمر في غاية الصعوبة، فهو يمرُّ بسلسلة مراحل؛
تبدأ من نيل العمل الأدبي حضورًا ومقروئية على الصعيد الإقليمي بما يسوّغ ترجمته
إلى الإنجليزية، ثم عمل المترجم باحترافية للمحافظة على حرارة النص الأصلي، وتحاشي
الاختصار غير المدروس، وإبراز الرواية كعمل جديد وجدير بالقراءة في الثقافة التي
ينقله إليها. وفي الأخير، وبعد أن يقطع العمل رحلته الشاقة للوصول إلى القائمة
القصيرة، تبدأ المواجهة مع الأعمال الأخرى المرشحة للفوز. وكشفت “زاريتوفيسكايا”
أن الكاتبة البولندية “أولغا توكارتشوك”، الحائزة جائزة نوبل للآداب لعام 2018،
كانت من منافسي الحارثية لنيل الجائزة. وأضافت المترجمة التي كانت عضوًا في لجنة
تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2020، أن فوز “سيدات القمر” بهذه
الجائزة، دفع كبريات دور النشر العالمية لترجمتها، ومنها دار نشر “إكسيمو”، التي
تعدّ الأكبر من نوعها في روسيا. وبحسب “زاريتوفيسكايا” التي تعمل أستاذة للّغة
العربية في الجامعة الروسية بموسكو، فإن نص الرواية التي استخدمت فيها الكاتبة تقنية
تنتمي إلى تيار الوعي الحديث، جاء ” موزاييكيًا، زاخرًا بالأسرار، إذ ينتظرك في كل
صفحة منعطف لم تكن تتوقعه”. وتضيف: “في المقابل، فإن هذه الرواية لا تنغلق على
عالمها، إذ نرى فيها تأثير العولمة والحداثة التي تطغى على الحياة المعاصرة، وهذه
قضية مشتركة يعيشها الإنسان المعاصر في كل مكان، فكان أن وضعت جوخة الحارثية مظاهر
العولمة في محكّ روايتها، ومن بين هذه المظاهر ما يسمى صراع الأجيال، الذي نلمسه
في اهتزاز اللغة المشتركة بين جيل وآخر في ظل التغيرات الاقتصادية المتلاحقة. كما
تطرح الكاتبة سؤال تمسك المجتمع بالجوهر الإنساني في مواجهة ظاهرة العولمة”.
وتعبّر “زاريتوفيسكايا” عن أملها كبير في أن تفتح ترجمة رواية “سيدات القمر” بابًا
جديدًا للأدب العربي في روسيا، وأن تتحقق قفزة نوعية في هذا المجال، فالأدب
المُترجم إلى الروسية منذ زمن الاتحاد السوفياتي، كروايات نجيب محفوظ وكتب طه
حسين، لم ينتشر بين القراء لأسباب يمكن ردّها إلى “ضعف التوزيع، والفجوة الثقافية
بين أسلوب الرواد العرب والقارئ الروسي، ومستوى الترجمة”. وتشير إلى أن قراءة
المشهد الثقافي الروسي الراهن، تتيح للمرء ملاحظة انفتاح ملحوظ نحو ثقافات الشرق
الأوسط وآدابها، واستشعار الفضول الذي سيدفع بالقارئ لاقتناء رواية تصطحبه إلى بلد
جديد عليه، ناهيك عن أن “سيدات القمر” فازت بجائزة عالمية وصدرت نسختها الروسية عن
دار نشر مرموقة. وتذكر “زاريتوفيسكايا” التي ترجمت عددًا من أعمال نجيب محفوظ
وعلاء الأسواني، أن إقامتها في السلطنة قرابة خمس سنوات، وتعرفها إلى الثقافة
الشعبية العمانية من الداخل، جعل من السهل عليها ترجمة “سيدات القمر” التي تزخر
بإشارات من التاريخ والفلكلور والثقافة الشعبية. وتوضح أن الفترة التي قضتها في
السلطنة مكّنتها من تلمّس الانسجام المدهش في الرواية، وقربتها من لغة الكاتبة
وأسلوبها الذي جمعت به موضوعات متشعبة. وتضيف: “لقد كان طيف من المشهد الشعبي
العماني، وقوس من المناخ المجتمعي بكل ألوانه وأصواته، حاضرَين أمامي وأنا أترجم
الرواية”. وتؤكد أنها خاضت خلال اشتغالها على الترجمة، “تجربة معرفية جديدة” لا
تقل أهمية عن معرفتها التي اكتسبتها من إقامتها في السلطنة، فضلًا عن أن الترجمة
فتحت لها أبوابًا معرفية جديدة، إذ أعدّت دراسة عن الشاعر العماني أبي مسلم
البهلاني، تناولت فيها حياته وإبداعه، وقد رحبت مجلة “آسيا وإفريقيا” العريقة التي
تصدرها الأكاديمية الروسية للعلوم بنشر هذه الدراسة في عددها المقبل. وعن مشاريعها
الراهنة، تقول “زاريتوفيسكايا” إنها تعدّ دراسة عن المذهب الإباضي، مضيفة: “لا
أظنني سأتخلص من سحر عُمان الذي قادتني إليه جوخة الحارثية.. إن روايتها تمثل
اكتشافي الثاني لعُمان الذي أدهشني وفتنني وربطني بهذا البلد، العظيم بتاريخه،
والثري بتراثه وتقاليده، والراسخ في حبه للحياة وإيمانه العميق بالتنوع، وهذا
بالضبط ما يجعل مستقبل السلطنة مشرعًا على الأمل”.
الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020
"كتبها مجهول"
قرأت المجموعة: بدرية البدري
في بداية الكتاب وضع الكاتب إهداء للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق
رحمه الله، جاء فيه:
“أشهد أنك جعلت الشباب يقرأون” وإن تعمق القارئ في أحداث المجموعة القصصية يستشف السبب وراء ذلك؛ إنه الأسلوب ذاته، المغامرة، والغموض، والتشويق، مع احتفاظ الكاتب توفيق الشحي بخصوصيته.
تسع قصص قصيرة، تتمنى وأنت تقرأها لو تطول، علّك تجد شيئاً من
الإجابة على تساؤلاتك التي انبثقت فجأة، عند تطور الحدث، وتحوّله إلى حيث لم تتوقع
أبداً. ففي اللحظة التي تظن بها أنك امتلكت تلابيب الفكرة السردية التي أرادها
الكاتب، وتعلّق بداخلك:
ـ ليته منح القصة بعض الإثارة.
حتى تتراجع إلى الخلف، وتتلفّت باحثاً عن ذلك الذي قرأ أفكارك في
غمضة عين، ثم سطّرها في أوراقه، وتمكّن من طباعتها، ونشرها لتصل إليك قبل أن
تتلفّظ بها.
أعترف للكاتب بذكائه السردي، وقدرته على جعل القارئ يُفكّر في
أحداث قصصه بعد الانتهاء منها، لذلك أنصح بقراءة كل قصة بشكل منفرد، وعدم إتباعها
بقصة أخرى، إلا بعد يوم أو نصف يوم مثلاً، وهو ما أعترف أنني أنا شخصياً لم أتمكن
من فعله، لأن فضولي أجبرني على قراءتها دفعة واحدة، مما جعلها لاحقاً تضطرم في
عقلي، في صراعٍ فيما بينها، أيها يتسيّد المشهد.
احتوت بعض القصص على نقد واضح لعادات مجتمعية طفت على السطح
مؤخراً، مثل متابعة مشاهير التواصل الاجتماعي في قصة “هل استيقظت؟”، ونشر هؤلاء
المشاهير لأدق تفاصيل حيواتهم اليومية، مما يجعلهم كُتباً مفتوحة أمام المتابعين،
ووصول تأثر البعض بهم إلى إفساد حيواتهم. وبدا رأي الكاتب واضحاً حولها، إلا أن
طريقته السردية نجحت في تغليف رأيه، دون مواراته فعلاً.
كما تطرّق لمنع الكتب في معارض الكتاب كما في قصة “كلمات”،
والأسباب التي تدعو لذلك، والتي قد لا تكون إلا موقفاً شخصياً من مسؤول، أو رؤية
يظنها، دون أن يكون على بيّنة فعلاً، ولكن الكاتب نجح في الوقوف موقفاً وسطيّاً،
ليُمكّنك كقارئ من اتخاذ موقفك دون أدنى ضغطٍ عليك.
هذا المنع الذي قد لا يكون مسببه الحقيقي استحقاق الكتاب للمنع،
وإنما خوف المانع من تأثيره على من يقرأه، أو غسل دماغ القارئ، وتوجيهه نحو فكر
الكاتب (المخالف) أوضحها الكاتب بشكلٍ مثير فعلاً، جعلت قلبي يخفق بشدة مع آخر
جملة يُنهي بها قصته، وأشهق بذعر من الفكرة المطروحة هناك.
النهاية الصادمة أهم ميزة في قصص المجموعة، رغم أن الكاتب يُهيئك
أحياناً لها في منتصف القصة، ولكنك تظل في حيرة، ترى ماذا يقصد بتلك الكلمة أو
الجملة التي رماها في منتصف القصة، وهل سيكون لها دور في الأحداث السابقة، ليفاجئك
أن تلك الكلمة أو الجملة هي النقطة التي تضع النهاية المربكة للقصة، كما كانت
مربكة في منتصفها.
أنهيت المجموعة وأستطيع القول إن ختامها مسك، وإن القصة الأخيرة
سارت عكس توقعاتي، أو كما لم أتخيّل أبداً، لأكتشف أن “الرجل اللطيف” كان لطيفا
فعلاً، وليس كما أوهمني طوال المدة السردية للقصة، ليفاجئني في النهاية بأنه قال
ما أراد مني أن أقرأه فقط.
كل القصص الأخرى في المجموعة – عدا واحدة ربما – سارت بنهايات غير
متوقعة، إلا أن ذلك لم يكن ليطوفني وأنا القارئة الكاتبة التي أعرف أفكار الكاتب،
وكيف يطيب له التلاعب بفكر القارئ وتوجيهه حيث يريد ليتفاجأ في النهاية أنه سلك
الطريق الخطأ، فكنت على الأقل أستشف طرف خيطٍ أتوقّع منها نهايةً ما، تدور في
الفلك ذاته، وإن لم تتطابق معه فعلاً، ولكنني أعلنت فشلي مع قصته الأخيرة.
أخيرا..
أنوّه إلى أن هذه المجموعة هي الكتاب الثاني الذي أقرأه للكاتب، إذ
قرأت له من قبل رواية “نسيا منسيا”، وإن قارنت بين الكتابين فإنني استمتعت بقراءة
القصة أكثر من الرواية، لأن أسلوبه بها كان مدهشا حقا، وأجدني مضطرة للقول إنني
وجدته أقدر على كتابة القصة القصيرة، والتي أبدع فيها فعلاً. كما أنوّه أيضاً إلى
أن هناك إصدارات أخرى للكاتب أرجو أن أطّلع عليها قريبا.
المصدر جريدة الوطن العدد رقم
13349
الاثنين، 10 أغسطس 2020
“ميرنامه” حكاية المثقف وتاريخ الحبر والضوء
الدكتورة
فاطمة الشيدية
لماذا نقرأ الرواية كثيرا؟! ولماذا هي أكثر
الفنون الأدبية مقروئية من جميع اللغات والمستويات الثقافية والأعمار؟! لماذا نلجأ
إليها غالبا حين يحاصرنا الملل أو تستهلكنا العزلة؟! هل لأنها الحياة، أم لأنها
تجميل للحياة، فهي عمل أدبي يتقاطع مع الواقع فلا ينقله كما هو، بل يحكيه ولا
يحاكيه، ينتقده ولا يغيّبه! فهي حكايات لأرواح كانت حية بطريقة ما في زمن ما
بالقرب منا، حكايات تتسرب لأرواحنا عبر النص فتقبض عليها وتتصير جزءا من ذاكرتنا
ووعينا بالحياة! ولماذا نحب رواية ولا نحب أخرى؟ هل الرواية صنعة؟ وهل البعد
الفلسفي مهم للعمل السردي ليجعلنا نفكر ونستشعر آفاقا بعيدة للعمل، ونقدر عمق
الراوي، ووعيه ونثق في تكوينه المعرفي وعمقه الإنساني التأملي؟ وهل اللغة عنصر مهم
في صناعة الرواية؟ وهل الشعرية هي تلك الروح المفقودة في كثير من الأعمال؟ وهل
التاريخ يضع الرواية في مسار الزمن وبالتالي يأخذ الوعي نحو تكرار العظة؟ وهل
السرد لأحداث من الواقع أو من الذاكرة وتجميعها في خيط حكائي يخلق رواية ناجحة؟!
هذه الأسئلة وغيرها تنبثق في روحي ووعيي كلما أنهيت قراءة رواية ما؛ لأجدني أتصاعد
في تأملات ما بعد القراءة عبر روح النص وعلاماته السردية الفارقة.
هذه المرة كانت رواية “ميرنامة” هي فتنة السرد التي أخذتني بين
يديها لزمن ما؛ لتجعلني أتساءل ما أن أنهيتها عن ثنائية الأضداد من معاني الحب
والغدر، والجمال والقبح، وأستشعر روح التاريخ حين يتجلى درسا للحاضر. “ميرنامة”
التي تؤكد لك الفكرة الراسخة؛ أن كل إنسان على هذه الأرض حكاية/رواية تطول أو تقصر
حسب مدة عبوره عليها، رواية تختلف عناصر تشويقها حسب مجريات أحداث حياته، ثمة
حياة/رواية عظيمة، وأخرى بائسة، وثالثة ممتلئة، ورابعة فارغة، وهكذا حسب عمق
العبور ورسوخ الحضور. ولأن كل رواية جزء من الحياة، والحياة موقف، فلكل منا موقفه
الخاص من كل شيء، من الله والحياة والبشر والوجود والعدم والفكرة والحب والقيمة
والواجب والوطن. وهكذا يمكن أن تُكتب رواية/حكاية كل منا عبر رؤية الآخر له؛ بين
مبغض ومحب، ومقدّر وحاقد. وهكذا وعبر صورة الإنسان في مرايا الآخر، تدور رواية
“ميرنامة” للكاتب جان دمو، الكاتب الكردي الذي يكتب بعربية عذبة وجزلة قد يحسده
عليها الكثير من أهلها الأقحاح والذي كتب الرواية بالكردي ثم ترجمها بنفسه للعربية.
يقدّم الكاتب الرواية كاملة في ليلة واحدة، هي ليلة وفاة الخاني
مسموما، فعبر تقنية تعدد الأصوات تتقدم تاريخية العمل، ويحضر تاريخ الشخصية بعمق
عبر رؤية كل من تقاطع معه في الحياة ورأيه فيه. وعبر صورة الشاعر والأمير
بانعكاساتها جمالا وقبحا_ وهل الجمال (أو القبح) إلا في عين الرائي كما يقول
أفلاطون _داخل الشخصيات التي عاشت معه، وهي تتذكره في الغياب الأخير محمولا على
الأكتاف في ليلة ممطرة بحبر أسود كما يجمع المحبون والمبغضون على ذلك. فيمضي في
نعش خفيف محفوظ بعناية الرب ومعجزاته؛ فلا تتسرب له قطرة مطر في حين يغتسل الجميع
بالحبر الأسود الذي يهطل من السماء بعد أن انطفأت كل شموع البلاد لتظلم الدنيا
حزنا وكمدا كقلوب العباد على الفقيد العظيم. وما أن يوضع في قبره المضيء بالعلم
والخير والجمال والعدل، تلك المعاني والقيم التي عاش الخاني مؤمنا بها، وقضى عمره
كاملا معلما لها قولا وفعلا؛ حتى تتداعى صورته في أذهان كل من عرفه، فيتذكره
ويبكيه من جهة ويستحضر تاريخه وحياته قبله ومعه. وعبر موقف كل من يحكيه ويتذكره
بحب أو بحقد، بغيرة أو بتقدير، بإنسانية أو بغدر؛ تتجلى شخصية (أحمد الخاني:
الشاعر/الأمير الكردي الذي ولد سنة 1650 في هكاري، وتوفي سنة 1707 في دوغبايزيد.
وقد عاش ومات كاتبًا وشاعرًا وفيلسوفًا ومتصوفًا) على لسان كل من حبيبته السابقة،
وأصدقائه، وتلامذته وأعدائه، وعبر حكاية هذه الشخصيات؛ تظهر لنا بجلاء تلك الشخصية
التاريخية التي يدور حولها العمل الأدبي المتقن بروح تاريخية وفنية. فتتضح فكرة
العمل وهدفه الذي يتمثّل في استعادة حقبة من تاريخ الكرد يقدمها الكاتب بوضوح عارف
للزمان والمكان بأحواله وشخوصه وناقد له بفساده وظلمه عبر رمزية شخصية “الخانى”
بقوته وصلابته في الحق، ورقته في الحب والشعر، ووعيه وانفتاحه مع الله والإنسان،
وهذا بلاشك هو جوهر العمل وقيمته وغايته. وهكذا حقق الكاتب قيمة العمل التاريخية
وفكرته القومية عبر استحضار جزء من تلك الحقبة وصناعة حكاية تاريخية لشخصية
تمثلها؛ تستند للتاريخ وتتفرع منه وعبره لتكون درسا تاريخيا للحاضر يصلح لكل شعب
وقومية وكيان. إن الرواية التاريخية ليست استنساخا للأحداث وللذاكرة بقدر ماهي
مثال للاهتداء بها، وأخذ روح الأحداث لتكون عظم الرواية ثم يكسوه الكاتب لحما
جديدا لتتشكل ملامحه الخاصة عبر أصابع كل كاتب، وفتنة الخلق الخاصة بكل مبدع. وفي
حين تظل الحكاية أصيلة راسخة في الماضي يأتي النسج مبدعا جديدا خاصا ودافئا فتخرج
من العمل وقد عشت في زمانه ومكانه تماما، وكأنك انتقلت إليه، حتى إذا عدت منه كنت
ممتلئا به عارفا بكل ما حدث هناك، ولكن بوعي جديد وذاكرة بعيدة عنه. وهذا هو سحر
الروايات التاريخية مثل رواية “ميرنامة”.
المصدر:
جريدة عمان بتاريخ 10/8/2020






