الأربعاء، 10 يوليو، 2013

أضخم مكتبة شخصية في السلطنة







كتب: إدريس بن بابه القراري

قبل أن نبدأ بعرض كنوز أضخم مكتبة خاصة في السلطنة لما تحمله من نفائس قلّ أن تجدها في مكتبة من العالم. أبدأ الحديث(بمقدمة) عن أهمية حفظ التراث الإسلامي، وما أنتجه العلماء وخلّدوه للأجيال، والجهود المخلصة التي ضحّت بالمال والجهد من أجل الحفاظ على هذا التراث، ومنهم معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظّم – حفظه الله تعالى ورعاه – الذي أسس معلما من معالم العلم والمعرفة والثقافة بالسلطنة يتمثل في مكتبة السيد محمد .
من المعلوم لدى كل مسلم أن الله تعالى دعا إلى العلم وحث على السير في طريقه، وجعل ذلك بابا من أبواب الجهاد، بل والاجتهاد، من خلال ما وضّحه نبيّنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في سنته المطهرة من أحاديث تحمل الأمر والترغيب في هذا الأمر، وهو أمر لا مناص منه، بل ولا بد منه، وخاصة في هذا العصر.
ويزداد الأمر أهمية وخطورة – في آن واحد -حينما نرى أن العالم الإسلامي يُقَاوَمُ وبكل شراسة من قبل أعدائه على مختلف المستويات والأصعدة، لذا كان لزاما الحفاظ على هذا الأمر الربّاني وهو طلب العلم؛ لا بالأوامر فقط بل بالعمل الذي يُعَدُّ السَّاعِدَ المتينَ للعلمِ، على اختلاف الأصعدة والمستويات، وباختلاف الوسائل والتقنيات، ومن بين تلك الوسائل: إعداد مراكز للعلم، بكل ما تحويه كلمة العلم من معنى، فلا يتعلق العلم بالتلقي عن الأستاذ أو الشيخ أو المربّي، أو اللجوء إلى مخابر للتحليل والتدقيق والتجربة والإحصاء، أو بالجلوس ساعات طويلة على كراسي المكتبات المختلفة؛ وإن كنّا لا ننكر هذا؛ فهو في الحقيقة ضرب من ضروب طلب العلم، وتحويله إلى معرفة.
فالمعرفة والعلم يجب أن يكونا متلازمين تلازم الماء والهواء ليبقى الكائن الحي حيا، إذ المعرفة ثمرة للعلم والعمل المتلازمين، لذا فإن الله تعالى قيَّضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَنْ يحمي لها موروثها العلمي والحضاري، فيمزج بين التراث الذي تركه الأجداد، وهو العلم الذي سهروا من أجله وبذلوا النفس والنفيس من أجله، فراحوا يدوّنون الكتب والموسوعات، بما تيسر لهم من وسائل بسيطة جدا، لا تعدو أن تكون منتجات محلية من إنتاجهم أحيانا، بل هو الغالب الأعم عند كثير من العلماء، فتركوا لنا بفضل علمهم وجهادهم تراثا علميا ضخما، في مختلف ميادين العلم والمعرفة بداية من العلوم الإسلامية والدينية التي كانت مصبَّ كثير من العلماء، إيمانا منهم على أن هذا هو أول علم ينبغي أن يُتَعَلَّمَ، امتثالا لقول سيد البشرية وخير البرية محمد (صلى الله عليه وسلم) مرورا ببقية العلوم الأخرى، كالفلك والطب والفيزياء والكيمياء، والرياضيات وعلوم الأحياء، وهذا مما برع فيه المسلمون، منذ رعيلهم الأول، فتركوا لنا رصيدا ضخما ومهمّا جدا، وموروثا حضاريا قيِّما لا يمكن التغافل عنه، أو الزهد فيه.
وقد قيَّض الله تعالى لهذا كله من يحميه ويبلِّغه إلى الخلف جيلا عن جيل، محفوظا مصفوفا مرتبا ومصنّفا.
ومن بين هؤلاء الذين قيَّضهم الله تعالى لتحَمُّلِ عِبْءِ هذه المسؤولية، معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي – رحمه الله – (مستشار صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد الخاص للشؤون الدينية والتاريخية)؛ الذي كان من أهل الله تعالى وخاصته، فَهِمَ وَوَعَي حَقِيقَةَ مَا يجب عليه؛ فلم يُثْنِهِ مَنصبه السياسي وانشغالاته الكثيرة والمتعدِّة عن الاهتمام بالعلم والمعرفة إلى أبعد الحدود، فقد كان عَالِمًا وَعَلَمًا بارزا يضاف إلى قائمة العلماء الذين لم ينشغلوا بتدوين الكتب، والمصنفات، – إلا ما ندر -بقدر ما كان عالما بما فيها، ومحافظا عليها.
ومن تمام حفاظه على تلكم المعارف والعلوم، تأسيسه لمكتبة ضخمة تُعَدُّ كَعْبَةً للقرَّاء والباحثين، والزائرين والمطَّلعين، لما تحويه من جواهر ونفائس، قلَّ أن تجد مكتبة في العالم على غرارها، وليس المقصود بهذا شكلُهَا أو نَوْعُهَا، بِقَدْرِ مَا يُقصد من هذا القيمة التاريخية والعلمية لهذه المكتبة، التي تحوي موادَ ثقافية وفكرية وعلمية متنوعة، بداية من المخطوطات النفيسة، والكتب المطبوعة القيمة، والأثريات التاريخية العريقة التي تجسِّد وتحكي تاريخ شعب وأمَّة.
ولإبراز بعض من قيمة هذه المكتبة العريقة للعيان، ارتأينا أن نقدّم في هذا المكتوب بعض معلومات عن المكتبة على الوجه العام، علَّ الله سبحانه وتعالى يمد في الأنفاس ليرى الكتاب الحاوي لكل ما تتضمنه المكتبة النور قريبا، وحسبي في هذا المقال أن أضع النقاط على بعض حروف هذه المكتبة العريقة، والصرح العلمي الأشم.
تسمَّى هذه المكتبة بمكتبة السيد، وقد صار هذا الاسم علما على مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالغلبة، فحينما يطلق اسم «مكتبة السيد» ينصرف الذهن إليها مباشرة دون غيرها من المكتبات، وقد تعارف الباحثون والرُّواد على هذا الاسم، وهي تقع في منطقة الشَّرادي من ولاية السيب، داخل مزرعة معاليه–رحمه الله- وقبل أن نلج هذه المكتبة الزاخرة الوارفة الظلال لنا وقفة
مع مؤسسها معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي فمن هو:


معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، المستشار الخاص للشؤون الدينية والتاريخية لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظّم – حفظه الله تعالى ورعاه- من أسرة جليلة القدر والمكانة، ولد بولاية صور حوالي 1322هـ، وتلقَّى تعلُّمه الأول في نزوى ونشأ بها، واحتك بالعلماء الأفاضل والأماثل، وطالما كان يلتقي بالعلماء فهو من عائلة علم لها سيطها وباعها الطويل في هذا الميدان، وهذا ما كان دافعا وسببا في بروز ونبوغ معالي السيد حتى صار قطبا من أقطاب الثقافة والفكر، لما يحويه من معارف في شتى المجالات والعلوم الفقهية الدينية وكذا العلوم الدنيوية وعلى رأسها علم الفلك.
عُرف بالحكمة والرصانة والمهابة، وله مواقف جليلة يتداولها خلق كثير من بعده، ولا يتسع المقام لذكرها الآن، وهذا ما سنفرغ له بحول الله تعالى بابا خاصا في غير هذا المقام، حتى لا نضيع حقَّ من تعب وسهر وضحّى من أجل أن يبني مجتمعه ويضيف لبنة من لبنات التَّقدم والازدهار في كامل مراحل حياته التي عاشها، مواطنا ومسؤولا سياسيا كبيرا، تشدُّ إليه الرحال للاستفسار والعلم والاستشارة وغيرها.
تولى معالي السيد عدَّة وزارات كان فيها المسيّر المحنَّك، الذي يقدِّر الأمور علة قدرها، فقد عين وزيرا لعدّة وزارات في عهد صاحب الجلالة السلطان قابوس، منها: وزارة العدل والأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة الداخلية، ووزارة شؤون الأراضي، ثم عيّن بعد ذلك مستشارا خاصا لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، وكان هذا في يوم: 25 جمادى الثانية 1399هـ، الموافق 22 مايو 1979م. وقد بقي في هذا المنصب الذي أجاد فيه وأحسن وأبدع في القيام بمسؤوليته إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى وألحقه بالرفيق الأعلى يوم الخميس 22 نوفمبر 2012م.



 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق