الاثنين، 12 مارس 2012

كتاب ينسف الروايات التوارتية والإسرائيلية حول أصول الفلسطينيين القدماء



يعتبر كتاب الباحث والأديب الفلسطيني زكريا محمد (نخلة طيء؛ كشف لغز الفلسطينيين القدماء) والصادر بطبعته الأولى في 264 صفحة من القطع المتوسط عام 2005 عن دار الشروق للنشر والتوزيع، واحداً من أهم الكتب التاريخية التي صدرت في القرن الواحد والعشرين، حول الميثولوجيا والتاريخ الفلسطيني القديم، وأصول القبائل والشعوب التي سكنت المنطقة، وحملت المنطقة أسمها (فلسطين).
فالكتاب الذي يعتبر ثورة على السائد في التاريخ، أو كما يراه زكريا نفسه وقوفاً ضد التيار، يحاول دحض الروايات التاريخية القديمة حول أصول الفلسطينيين معتبراً إياها مرتبطة بقراءات خاطئة بشكل متعمد ذات أبعاد سياسية، ويضاف لأهمية الكتاب إلى جانب النظريات التاريخية التي استند فيها لقراءة النقش التاريخي (نقش عقرون) -النقش المكتشف عام 1996- وهو أول نقش فلسطيني حقيقي يتم اكتشافه حتى الآن، لأن الكتاب يحتوي كذلك قاموساً مصغراً لعدد من المفردات التي لا تزال تستخدم حتى الآن في الريف في الفلسطيني، وجذورها، للتدليل على صحة القراءات الجديدة التي خرج بها زكريا للنقش، حول الأصل العربي لهذه القبائل.
يبدأ موضوع الكتاب الذي تزينه عشرون صورة لنقش عقرون وحروفه، بالإضافة لمنتجات أثرية فلسطينية قديمة، من مقدمته حول أصل الفلسطينيين القدماء، أو الفلست كما يسمون عند الباحثين. فالنظرية التي كانت سائدة حولهم تقول انهم قدموا من جزيرة كريت في البحر الأبيض المتوسط، والقريبة من اليونان، أو من جزر بحر ايجة، أو من سواحل غربي الأناضول، وأنهم، بالتالي، يونانيون أو شبه يونانيين، وأهمية الناحية الميثولوجية في الكتاب أنها تعيد تأصيل مفردة أسم الشعب (فلسطينيون) فإذا أخذنا بالسائد بأن اصل التسمية جاء من قبائل بالستية، فيعني أننا نعطي المسمى بعداً يونانياً، وهذا ما ينفيه زكريا تماماً، معتبراً أن للتسمية بعداً ميثولوجياً دينيا، لها علاقة بالآلهة التي عبدها سكان هذه المنطقة بالإضافة لأسم القبيلة التي عبدت هذا الإله..
وما أراده زكريا محمد من كتاب "نخلة طيء" هو تقديم الأدلة المنطقية والعلمية على بطلان هذه النظرية، وعلى أنها نظرية ذات بعد سياسي دعمه المنادون بإقامة وطن قومي لليهود بفلسطين، بغرض فصل الفلسطينيين عن جسدهم العربي، وقطع الجذور التاريخية للفلسطينيين الحاليين، عبر فصلهم عن أجدادهم القدماء.
ويدعم محمد نظريته بالإضافة إلى نقش عقرون الذي أعتبره من أهم ما قدم به الفلسطينيون أنفسهم، مدعماً روايتهم في النقش بنقوش فرعونية أخرى دللت على ذات المعنى بالعودة إلى هيرودوت في كتابه: "ويسكن البلاد الممتدة من أرض الفينيقيين حتى حدود مدينة كاديتس (غزة) السوريون الذين يسمون (الفلسطينيون)"، وهو ما يتقاطع مع رسومات المصريين القدماء على جدران مدينة حابو، التي نقشت بعد ما يدعى بغزوة شعوب البحر. وفي تكملة وصف المؤرخ اليوناني تقول بما لا يدع مجالاً للشك أن أقرباء الفينيقيين أو الفلسط، أو أقرباء الاثنين معاً، هم الذين كانوا ما يزالون يقيمون على ساحل البحر الإرتري حتى وقت هيرودوت. والبحر الإرتري هو البحر الأحمر.
ونقش عقرون الذي أكتشف عام 1996 - ولا يزيد عدد حروفه عن ثمانين حرفاً - في ما يعتقد انه مدينة عقرون الفلسطينية القديمة. بحسب ما قرأته المؤسسة الآركيولوجية الإسرائيلية قراءة خاطئة بشكل متعمد، مستندة في قراءتها للنقش على الرواية التوراتية، أدى الى زيادة حالة غموض أكبر حول تاريخ هذا الشعب القديم، وإلى تثبيت دفعه باتجاه الأصل الايجي اليوناني.
فالكتاب هو إعادة قراءة لنقش عقرون، أو تصحيح قراءته عبر نقض القراءة السائدة. فيقول زكريا في الكتاب، أن ثمة أربعة أخطاء حاسمة وجوهرية في القراءة السابقة للنقش، التي قام بها "سيمور غتن" رئيس مؤسسة اولبرايت:
ولها الخطأ في قراءة اسم صاحب النقش. فقد قرأ اسمه على انه (أكيش) في حين انه (كيرت). وقد حدث ذلك من اجل الإيحاء بتاريخية العهد القديم، لأن القراءة للنقش اعتمدت على العهد القديم وما ورد فيه من روايات. إذ انه ذكر ملكا لـ (جت) يدعى (أكيش).
ثانياً: الخطأ في توقيت النقش، والتي جاءت بناءً على القراءة الخاطئة للاسم فقد وقت النقش بالقرن السابع قبل الميلاد. ذلك انه ورد في غزوة اسرحادون بن سنحاريب الآشوري، في غزوته في نهاية القرن الثامن، اسم (إكوسو). وقد افترض أن هذا الملك هو ذاته المذكور في نقش عقرون.
وحين يثبت أن قراءة الاسم خاطئة، أي أننا أمام (كيرت) وليس (أكيش)، فإن التوقيت الموضوع سينسف. فقد وقِّتَ النقش بناء على القراءة الخاطئة للاسم، ويعرض الكتاب ما يكفي من الدلائل التي تشير الى أن النقش هو من إنتاج الفترة بين القرن العاشر والثاني عشر قبل الميلاد. وهذا يعني انه اقدم نقش الفبائي في فلسطين على الإطلاق، ما سيؤدي الى إعادة كتابة تاريخ الكتابة الالفبائية في فلسطين.
الخطأ الثالث هو تحويل اسم القبيلة، أو الشعب، الذي ينتمي إليها صاحب النقش الى اسم المدينة، بحيث قُرِأَت كلمة (صقرن)، التي تعني (صقريين)، أي المنتمين الى قبيلة (الصقور) الى (عقرن). أي انه تمت قراءة الصاد عينا من اجل القول بأنه تم تثبيت هوية المدينة باعتبارها مدينة (عقرون) الفلسطينية الشهيرة التي تقع في أطراف منطقة الرملة عقرون القديمة.
أما الصقريون المذكورون في النقش فهم من يسمون خطأ عند الباحثين بـ (التكر). إذ يجب قراءة الحرف الأول من اسمهم صادً. عليه فهم (صقر) مفرد صقريين وليسوا (تكر). وهم قسم محدد من الفلسطينيين القدماء.
بينما جاء الخطأ الرابع متعلقاً بقراءة اسم آلهة المدينة، حيث أبدل ما يفترض أنه اسم المدينة إلى اسم شعب أو قبيلة،. وأيضاً في قراءة اسم الآلهة التي كرس لها المعبد حيث قرأت صفتهم كاسم ، فيرى أن ما اعتقد انه اسم الآلهة إنما هو وصف لها يشمل اسم الشعب الذي يعبدها. ذلك أن اسم (بتجيه، فتجيه). Ptgyh والذي ورد في تقرير ون-ام-ديامون المصري في القرن الثاني عشر قبل الميلاد بصيغة: Pe Tigayah ليس اسم آلهة، بل هو مصطلح مكون من كلمتين: به طيايه. وهذا يعني سيدة الطياية، أي سيدة قبائل طيء وأفرادها، مع ملاحظة أن ياء طيء المشددة كانت تنطق جيما أو قريباً منها (طجايا). ونحن نعلم أن العرب والبدو عموما كانوا يسمون طيايه في القرون الأولى الميلادية. فاسم قبيلة طيء، أو شعب طيء غلب عليهم لأنها كانت أقوى قبائل الجزيرة العربية.
عليه فالنقش مكرس من (كيرت بن صدي بن يسد بن ادا بن يعر لعظيمة الطيايه، سيدته). أي أن (بتجيه ليس اسم الآلهة كما ظن سيمون غتن. أما اسمها الحقيقي فهو (الطرقة)، وهو اسم النخلة بلغة طيء القديمة، أي لغة الفلسطينيين القدماء.
أي أن النقش تعرض لمحاولة غير بريئة لتلفيق تاريخ فلسطين من خلال استخدام النقش كمجرد تفسير للعهد القديم، إلا أن النقش قدم الكثير من المعلومات حيث حل لغز اسم “الفلسط”. وتالياً أصلهم. كما كشف الاسم الذي أعطوه لأنفسهم، مبيناً أن اسم الفلسط هو اسم أطلقه عليهم الآخرون، كذلك حل لغز اسم قرينهم، شعب التكر الذين ذكروا في النقش، وحدد طبيعة العلاقة بين الشعبين كذلك فتح الباب لفهم ديانتهم.
بناء عليه فالفلسطينيون القدماء لم يسموا أنفسهم باسم (الفلست، الفلسط) مطلقاً، لقد كان هذا اسماً أطلقه عليهم الآخرون، وخاصة المصريين القدماء الذين كانوا جيرانهم الجغرافيين الذين وردت هذه التسمية أيضاً لديهم في نقوشهم، وهو حاصل جمع اسم اله قبيلة طيء المركزي (فلس) مع اسم القبيلة (طيء): فلسطيء. والاسم بذلك يعني طيء التي تتعبد الفلس، أي أن القبيلة ربطت بإلهها. أما هم فقد سموا أنفسهم (طيايه= طجايه)، وهو جمع لـ (طي) لا غير.
مما يعني أن الفلسطينيون القدماء هم الشعب القديم جداً (طيايه)، الذي تحول إلى قبيلة عربية قبل الإسلام، والذي كان مقره الأساسي في جبلي اجأ وسلمى في هضبة نجد، لكنه كان شعبا عظيما ممعنا في الغزو كانت فروع منه قد انتشرت بين فلسطين والعراق قبل الميلاد.
أما الفصل الأخير من الكتاب والذي جاء سياسياً بعنوان "ترانسفير تاريخي" ليرد زكريا به على كلام رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير التي قالت: "بالاستاين هو الاسم الذي أعطاه الرومان لأرض إسرائيل بهدف معلن: إهانة اليهود..فلماذا، إذن نستعمل هذا الاسم المغيظ الذي وضع لإذلالنا...." ، واصفاً هذا الكلام بأنه مجرد كلامٍ عنصري لا يستند لأي حقائق تاريخية، ولا يهدف سوى لخدمة سياسة دولة إسرائيل التي تود أن تثبت أي حقٍ مزعوم في أرض فلسطين.

بقلم مهند صلاحات



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق