الاثنين، 10 سبتمبر، 2012

أَرْبَعُونَ حَقًّا سُمِّيَتْ أَبَاطِيلَ







                                                                    
                                                                  بقلم محمد جمال صقر

قيل وأنا صَبيٌّ أُنْصِتُ: إن المخدَّر يبوح بما ينبغي ألا يبوح به؛ فلما احتاج الطبيب إلى تَخْدِيري فَزِعْتُ إلى أمي خوفًا على أسراري، فما زالت تَعُدُّها عَلَيّ؛ فكيف بالمُسَرْنَمِ! زعم وليد النبهاني في حاشية اسم كتابه ذي الأربعين سرنمة (أُقْصُوصَةً)، عن "معجم الفلسفة" متصرفا- أن السرنمة "رد فعل عصابي يغادر فيه النائم سريره وينهمك في مظهر من مظاهر النشاط يعتقد أنه يهدف إلى إشباع رغبة أو تفريج توتر"! وما هي فيما بدا لي غير كلمة منحوتة من الفِعْلَيِن ["سَارَ، يَسِيرُ، سِرْ"، و"نَامَ، يَنَامُ، نَمْ"]؛ فإنَّ قائم العُصَاب إذا قامَ هَتَفَ بالنائم أَنْ: سِرْ، فيسيرُ، حتى إذا ظَنَّ أنه يَقْظَانُ هَتَفَ به أَنْ: نَمْ، فينامُ، وهكذا دواليك، حتى يَذِلَّ المَهْتوفُ به!
وإذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، فإذا كان أفق بوح المهتوف به أَرْحَبَ من أن يَحُدَّه حَدٌّ، فَيَا ما أَحْوَجَ عبارته إلى أن تضيق! ولكن دعوى القصة بسطر واحد التي ادعاها وليد النبهاني، كدعوى القصيدة ببيت واحد؛ ينبغي ألا يُعَدَّ من القِصَص السطرُ الواحد، كما ينبغي ألا يُعَدَّ من القصائد البيتُ الواحد؛ كيف يستطيع هذا البيت الشعري: "لِأَنَّنِي أَمْشِي أَدْرَكَنِي نَعْشِي"، أن يُمَغْنِطَ إحساس المستمع فيتبعه إلى حيث يذهب! أم كيف يستطيع هذا السطر النثري: "للجدران آذان، وللجارة لسان. أين سيخفي الأعمى عورته؟"، أن يُحِيطَ المتلقي بدائرة حكائية كاملة تمنع مخالب الواقع من أن تصل إليه! ولكنها الكتابة الجديدة التي يسابق فيها الكتابُ الشعراءَ إلى الأماسيّ، بنصوص قصيرة الأطوال مثيرة الأفكار حيوية الأساليب فَعَّالة التِّقَانات.
وينبغي أن نعترف لوليد النبهاني، بخصب الينبوع الذي يستقي منه أفكار نصوصه؛ فهي كثيرة مختلفة، لا يكاد يجف ما يستمده من تأمل أحوال الإنسان والحيوان، حتى يسترفد أحوال النبات والجماد -مثل نصوص "هكذا فكر بالون"، و"فلج"، و"مزمار داود"- فيَسْبُرُ منها ما لا يلقي له أحد بالا، وكأنما ينكشف عنه حجابها، فيسمع لسان حالها! ولا تشغله الجغرافيا إلا مثلما يشغله التاريخ، فيربط أحداثه المتنافرة بعضها ببعض ربطا فنيا لا يخلو من سخرية -مثل نص "تملُّك"- فإنه إن لم يفعل أَكْمَدَ نَفْسَه، ولم تَتَغَيَّرِ الأحداث- حتى إذا خشي تكرار الأفكار سَطَا على الحِكَم المطمئنة قديمة وحديثة -مثل نصي "الغنيمة"، و"بديهة"- فبعثها من مرقدها، في صُوَرٍ إيحائية ساخرة. ولا بد لمن يقرأ قوله في نص "بديهة": "الذبابة تطير منذ مدة والضفدع ذو اللسان الطويل لا يستطيع أن يلتقطها طائرة بسبب بطء بديهته ستسقط الذبابة في الأرض كي يلتقطها الضفدع وستزحف بديهته ببطء إلى أن يحدث ذلك"، من أن يستحضر في وقت واحد معًا قولَ الغابرين: ["إِنَّ الرَّأْيَ إِذَا أَقْبَلَ عَرَفَهُ الْعَالِمُ، وَإِذَا أَدْبَرَ عَرَفَهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ"= "شَرُّ الرَّأْيِ الدَّبَرِيُّ"]، وقول الحاضرين: "يفهمها وهي طايرة"! ويغالب السِّينيمائيِّين على انتباه المتلقين، بنصوص تتخذ من الأفلام السينيمائية أَنْفُسِها مادَّتَها، فتُفَكِّكها وتُحَلِّلها وتُركِّبها بهواها على رؤاها، فتنتصب مرة أخرى فوق الأفلام كلها، بقامات أرفع من قاماتها وسَطَوات أَوْقَعَ من سَطَواتها.
وفي هذه الكتابة الجديدة تجتمع الأضداد:

1      التحدي الفني الذي جمع في بناء النص بين عمل الكاتب من داخله وعمل القارئ من خارجه في وقت واحد معا -مثل نص "حمال الأرز والراوي ذو الضمير الغائب"- وقد نشأ هذا الأسلوب طريئا بريئا، ثم طغى به وليد النبهاني على النَّصِّ. ومن التحدي الفني أسلوب العنونة الذي تردد بين إشراك العنوان في النص حتى لَيُمْكِنُ عَدُّه فقرة من فقره -مثل نص "هكذا فكر بالون"- فلولا العنوان لاستغلق فهم النص، وبين موازاة النص بالعنوان حتى لَيُمْكِنُ تَرجيحُه عليه -مثل نص "قارئ السماء عراف المطر"- فقد امتطى العنوان الصورة اللطيفة إلى شبه الحكمة المَثَلِيَّة الآسرة، فأما متن النص نفسه فلم يتجاوز محاولة اصطناع المُلْحة! وربما كان الألغازُ من هذا التحدي الفني -مثل نص "سفرجلة"- ولا سيما أن نصوصه مغرية غير مستغلقة، من شاء استمتع بتحريرها وتوجيهها، غير مبال بما يمكن أن يقصده بها صاحبها.

2      النقد الأدبي الذي يقضي بين القَداميّين والحَداثيّين -مثل نصوص "في البدء الآن"، و"الخصيان"، و"فتنة الناقد"، و"غبار"- ويوحي بأن "الآن" كان ينبغي أن يكون "في البدء" -وإن مَلَّ الحَداثيُّ أحيانا، فتَمَنَّى القَدَاميَّةَ، وطَفِقَ يَتَقَلَّب على نَارَيْهِما!- ويدل على افتتان الناقد بنقده وإنكاره لغيره -إذ يتلجلج في أحوال الآراء بين التوفيق والإخفاق، ولكنه لا يرى غير نفسه في عين نفسه- وعلى أن الكاتب الكبير هو نفسه كاتم أنفاس الكاتب الصغير، وإن ادعى غير ذلك!
لقد ضَفَرَ وليد النبهاني في ضَفيرة سَرْنَمَاتِه، خُصْلَتَيْنِ مِنْ عَمَلَيِ الفنان الكاتب (التحدي الفني) والعالم الناقد (النقد الأدبي) جميعا معا، ثم ألجم بضفيرتها خصومه، حين سبق إلى الحديث عنهم إسكاتا لهم، بمثل قوله في "فتنة الناقد": "كان خطأ مقصودا بعناية حين استبدل بمبخرته وتعاويذه كتبا ينقدها وبالرغم من عدم أهمية ذلك فإنه لا بد من ذكر السبب الذي جعل المشعوذ يرتكب هذا الخطأ حتى لا يقال بأنني أخفي الحقائق دائما فقد سمع الناقد الأدبي حين كان مشعوذا أن الكتاب لا يؤمنون بما يفعله المشعوذون لكنهم يستطيعون أن يؤمنوا بما يقوله النقاد أما الخطأ الأكبر في نظر الناقد فهو أنني أخبرتكم بهذه الحقيقة في قصة قصيرة للغاية مع أنه كان من الأفضل لي أن أكون مشعوذا حتى تصدقوا ما أقوله لكم بعناية أكبر"!
وليس لقارئ أن يلومه على ما فعل، ما دام قد أقامه في حال مُرَكَّبَةٍ لم يَكُنْ لِيَقُومَ فيها- ولا أن يشتغل بنقده الأدبي عن تحديه الفني؛ فإنه إذا قال له: أنا أرى، قال له: وأنا لا أرى!

ولكنه يستطيع أن يُعَلِّقَ على "سرنماته" ما يأتي:

1      في الاستفتاح بنص ألف ليلة وليلة مَنْعُ قراءة القصة من ذوي قارعة الطريق والنساء والجواري والعبيد والسفهاء، وقَصْرُها على الأمراء والملوك والمفسرين وغيرهم؛ وهل "غيرهم" هذه إلا ذوو قارعة الطريق والنساء والجواري والعبيد والسفهاء!

2      على رغم أن المزمار هو وحده أعلق الآلات الموسيقية بالعازف، لم يستطع العازف أن يحميه -نص "مزمار داود"- فقد ذهب يستميل الملك، فاستماله الملك!

3      فُصِلَ بين الفكرة والعبارة، وكأنما تَخْطُر الأولى فجأة، ثم تُجَهَّز لها الثانية، كما يولد الولد ثم يُجَهَّز له ثوبه -نص "فكرة"- وهذا قياس مع الفارق؛ فإن الفكرة والعبارة كالروح والجسم، لا كالجسم والثوب!

4      لا بأس بالرمز إلى تَدْجِين الشعب بالحياة الرخية، وأنه لم يلبث أن شمل قادة الإصلاح أنفسهم -نص "كيف استراح الديك من صياحه"- ولكن الطريف أن الدجاجة التي تبيض ذهبا نفسها، لا تبيض حتى يخالطها الديك، فأما المدجنون بالذهب فلا يعبؤون لشيء!

5      شيء خفي من تحري التحدي، في "فرقعة" رمضان عظام رقبته ومئذنة المسجد أمامه قد تهدمت -نص "المؤذن"- وقد كانت رقبته عند الناس كالمئذنة، فمئذنته باقية، ومئذنتهم بائدة!

6      لا بأس بالرمز إلى أن من ظلم الصهيونية الباغية، أن تمنع الحقيقة عن شعب الكيان الإسرائيلي، خوفا على ما يفتضح له من أكاذيبها -نص "جدار عازل"- ولا بالرمز كذلك إلى أن للحقيقة وسائلها التي تُحَيِّرُ عند ظهورها توقعات الظالم الباغي!

7      استعمال "في" بدل "إلى" -نص "بروس واين كما ينبغي"- استعمال موفق، يوحي بأنها لم تغادر أماكنها أصلا.

8      "هناك من قال حين مات" -نص "الأعمال التي لا تكتمل"- أجزل من "حين مات هناك من قال"، و"بالرغم من كذا كذا" -نص "فتنة الناقد"- أجزل من "بالرغم من كذا فإنه كذا"، و"في حجم هذه القصة وبراعتها" -نص "ذكرى بعيدة ذكرى قريبة"- أجزل من "في حجم وبراعة هذه القصة"، و"رأس الرجل ولحيته" - نص " تقاطع خطوط"- أجزل من "رأس ولحية الرجل"؛ فلا خير في الفَصْل بين المُتَّصِلات!

9      عبارة "كانت تلك التجربة غامضة أو غير موجودة" -نص "ذكرى بعيدة ذكرى قريبة"- مثل عبارة "كانت غير كائنة"، وهو من السخرية بمكان!

10  في عبارة "قيد الأرض" -نص "قيد بن آدم الأرضي"- مناصاة عبارة "قيد الأوابد" من أولها، وعبارة "ملح الأرض" من آخرها- وما أحكمها مُناصاةً مُؤْسِيَة!

11  استعمال "صدفة" بدل "فرصة" -نص "ألف موعد وصدفة"- استعمال موفق بدلالته على الرضا بالعجز، فضلا عن توفيق استعمال "في" بدل "على"، بدلالته على اللصوق بالمكان!

12  أهو تقاطع -نص "تقاطع خطوط"- أم تقابل!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق