الاثنين، 27 فبراير، 2012

هاجس القراءة... نحن من نصنعه



كثيرًا ما كنت أقف أمام تلك المكتبة الضخمة التي تحتضنها غرفة جدي، وأنا لا أزال صغيرة غير مدركة لأهمية تلك الرفوف الغريبة من الكتب على اختلاف أغلفتها، إلا أن الشيء الوحيد الذي كان يثير متعتي هو جدي الذي لا يكف عن قيامه بمعادلته الحسابية في عد الكتب بشكل يومي، خوفا من فقدان أحدها، وإن شعر أن أحد ما دخل غرفته يهم بالصراخ في وجه جدتي المسكينة التي لا تعرف من يأخذ المفتاح منها وهي نائمة، كنت أشتاق للجلوس بجانب جدي الذي يسرد لي حكايات تنقله من الكويت للإمارات والسعودية للعمل، واهتمامه بتعليم أبي وأعمامي الذين دفع بهم للدراسة بالإمارات؛ لأنه كان يرى أن العلم نور، وليس فقط شعارًا نردده بين أنفسنا.
كل تلك التصرفات والمواقف غرست بداخلي حب الاستطلاع والبحث عن السر الذي يخبئه جدي في تلك المكتبة الضخمة التي تضم مئات الكتب والمخطوطات القديمة، وأصبحت كهاجس "تعشعش" في ذاكرتي الصغيرة التي كبرت بعد مرور أعوام من البحث والتفكير؛ حتى وصلت لمرحلة الإدراك المطلق على أهمية الحفاظ على هذه الكتب القيمة التي لطالما استشعرت من خلالها تصرفات جدي الغريبة في ذلك الوقت، كما كان يفعل الجميع لدخول تلك الغرفة فعلت أنا، سرقت المفتاح من جدتي النائمة التي حطمها المرض بعد أن كانت شعلة من النشاط في شبابها، ودخلت لتلك الغرفة وجلست أقلب في الكتب بحثًا عن شيء مفيد ومهم، كانت أغلب الكتب تحمل بين طياتها رسائل قديمة لا تكاد تقرأ بسبب مرور عربات الزمن القاسية عليها، كنت سعيدة أن أرى كل تلك الرسائل والكتب على اختلاف عناوينها كهدايا كان يتبادلها جدي مع أصدقائه من دول الخليج التي عمل فيها.
يا لها من هدايا يثمنه الفرد منهم في الماضي رغم أن الماضي لم يتح لهم الفرص والوسائل التي أتاحها لنا في الوقت الحاضر، ولكن يبقى الفارق في التفكير بأهمية العلم والمعرفة، وتوسيع المدارك والرقي بالأفكار؛ فنحن على الرغم من الوسائل المتاحة لنا إلا أننا لا نملك ذلك الشغف لاقتناء الكتب والبحث بين السطور، فكل ما يخيم على عوالم بعض أبناء هذا الجيل هو أنهم قد وصلوا لمرحله من المعرفة الكافية والإلمام المطلق بكل مجريات الحياة التي لا تجبرهم على القراءة ومتابعة الصحف اليومية، واقتناء الكتب، فلو عدنا للوراء لوجدنا ما يتكلفه الفرد لأجل كتاب في حين نحن نملك كل شيء لشراء مكتبه بأكملها، إلا أننا لا نملك ذلك الشعور الداخلي بأهمية القراءة، تكاد تخنقنا عبارات (الوقت والعمل والأسرة)، وجميعها أعذار يخلقها الشخص لنفسه كي لا يغير ساكنًا ولا يتقدم خطوة للأمام في حياته.
فما يجب أن نقوم به هو أن نقف وقفه جادة مع أنفسنا لمواجهة كل التحديات التي تمنعنا من حمل كتاب والاستمتاع بسطوره وتقليب صفحاته، كما يجب على ولي الأمر أن يجعل من الكتاب هاجسًا لأبنائه يراودهم طوال حياتهم ليضمن في المستقبل وجود نخبة من الشباب الذين يجدون الكتاب سلاحًا ضد كل شيء؛ فهو السلاح الذي بالفعل يجب أن يتحلى به الفرد وسط الانفجار المعرفي الذي نعيشه في هذا العالم، فكلما قرأت صنعت لنفسك محمية من كل المناخات التي قد تعتري جوك.
بقلم مدرين المكتومية، جريدة الرؤية


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق