الاثنين، 22 نوفمبر، 2010

كموج البحر: "بهرجني" ورؤيته المختلفة




تعرفت على الأديب الإيراني صمد بهرنجي "1939-1968م" من خلال كتاباته المترجمة إلى اللغة العربية وحدث ذلك وأنا طالب في سنواتي الجامعية الأولى إذ عثرت على كتاب بعنوان " حكايات صمد بهرنجي" ترجمة إبراهيم البشمي وإصدار مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر-البحرين، وفي إحدى معارض الكتب الدولية في مسقط بالتحديد في ركن وزارة الإعلام البحرينية حصلت على هدية قيمة بعنوان "أولدوز والغربان" للمؤلف نفسه، ترجمة عبد القادر عقيل وجهود كتاب البحرين تستحق كل الإشادة والتقدير لنقلهم إبداعات هذا الأديب والذي قدم رؤية مختلفة في مجال أدب الطفل.
كما عثرت مؤخرا على كتاب آخر بعنوان "السمكة الصغيرة السوداء" ترجمة نبيلة سلباق برير وإصدار دار الفتى العربي- بيروت، وكان هذا الكتاب ينتظر قارئه بشغف وقد وضع باهمال مع مجموعة من الكتب على رف قديم داخل إحدى المكتبات الشرائية المعروفة في مدينة مطرح وشرف كبير أن أقوم بمسح الغبار عنه -ويبدو أن رحلتي بين الأرفف القديمة والغبار لن تنتهي- حصلت هذه القصة على جائزة أحسن قصة للأطفال في المهرجان الدولي لكتب الأطفال ببولونيا في إيطاليا وتم ترجمتها إلى العديد من اللغات لاحقا ولكن بهرنجي لم يستلم جائزته فقد تم إغراقه في البحر الأسود وشعرت بسعادة كبيرة لعثوري على هذه الترجمة القديمة والجهد الأكثر من رائع.
عثرت على هذه الكتب الثلاث في مراحل مختلفة واستمتعت بمطالعتها وتعرفت على شخصيات المؤلف من خلال حكاياته وقصصه المختلفة ومنها شجرة الخوخ وندفة الثلج والفأر الجائع وبولاد وصاحب علي وياشار وأولدوز والسمكة السوداء وكان الأجمل التعرف على كاتب موهوب نذر نفسه للأطفال،ومؤلفاته تختلف عن بقية المؤلفات التي تخاطب الطفل إذ يقول المؤلف في مقدمة كتابه " أولدوز والغربان": " لقد مضى ذلك الوقت الذي كان فيه أدب الطفل يقتصر على الموعظة وتلقين الأطفال، نصائج جافة في كيفية غسل الأيدي والاستحمام بالماء والصابون... والمحصلة لكل هذا هو ابتعاد الأطفال عن المسائل الحياتية الكبرى التي تمس وجودهم.. لماذا نقول السرقة عادة سيئة؟ لماذا نقول الكذب عادة سيئة لماذا لا نكشف للأطفال عن أصل ومنبع الكذب والسرقة.. نعلم الأطفال الصدق في زمن تكذب فيه العين اليمنى على اليسرى، في زمن الثقة المفقودة حتى بين الأخوان؟"
لقد تجاوزت قصص بهرنجي القصص العادية التي تكتفي بتقديم مجموعة من القواعد والأخلاق على سبيل المثال جاء في حوار الغربان مع الطفلة أولدوز: " إن لم أسرق فسأموت أنا وصغاري من الجوع هذه هي الجريمة يا عزيزتي يجب ان تعرفي أن هذه النصائج الجوفاء لا يمكن أن تمنع من السرقة وطالما ظل الإنسان لا يحب إلا نفسه فستبقى السرقة"
وأما في قصة السمكة الصغيرة السوداء تقول السمكة لأمها: " لا يا أمي، أريد أن أذهب إلى مكان ما، أريد أن اكتشف ما يحدث. إنني أرغب أن أعرف هل الحياة تعني السباحة في مكان صغير ولا شيء سوى ذلك، أو أن هناك سبيلا آخر للحياة في العالم"
نشأ بهرنجي في مدينة تبريز الإيرانية وعاش مع والده وهو يصارع الفقر وبعد الانتهاء من المرحلة الثانوية التحق بمعهد المعلمين ثم بدأ العمل في سلك التدريس حتى نهاية عمره القصير وبقي يعلم الأطفال ويرشدهم ويكتب لهم حكايات جميلة وأول قصة كتبها كانت بعنوان "العادة" سنة 1959 وآخر قصة كانت بعنوان "قشرة البرتقال" نشرها في سنة 1968 وهي السنة نفسها التي توفي فيها غرقا في ظروف غامضة في البحر الأسود وتشير أصابع الاتهام إلى أن مقتله كان بسبب مواقفه وأرائه وهناك وجهة نظر أخرى حول وفاته ويذكر حمزة فراهتي صديق صمد بهرنجي بأنه مات غرقا في نهر آرس- شمال إيران- لأنه كان لا يجيد السباحة ولم يتم اغتياله من قبل الأجهزة الأمنية في عهد الشاه.
وقد حفلت السنوات العشر الأخيرة من حياته بعطاء إبداعي متنوع وعميق وتذكرني نهايته بخاتمة قصته " السمكة الصغيرة السوداء" وعلى الرغم من اختفائها وعدم ظهور أي أثر لها إلا أن سمكة صغيرة حمراء كانت تفكر في القيام بمغامرة شبيهة بمغامرة السمكة السوداء.


بين الأمواج:
" نريد أدبا يقول للطفل أن يكره كل ما يقف أمام تطور الحياة والبشرية"، صمد بهرنجي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق