الاثنين، 27 سبتمبر، 2010

بالون



الجو لاهب وحار وليس ثمة في العلاء غير الشمس والنسور والسماء.



إنني أطير نحو موتي السريع...

لم يبق سوى القليل من الوقت لأحكي لكم حكايتي، كنت عصارة لبنية ولزجة في جسد أمي أسبح بكل سعادة داخل هذا الجسد الواقف أمام النهر، وكانت أمي العزيزة تشرب من مياهه الندية بنهم كبير، يغازلها النسيم فترقص طربا.. وتخشخش وترن خلاخيل الحياة في قدميها..تتأمل نفسها في مرايا الفضة في الليل ومرايا الذهب في الفجر..كانت تبتسم للشفق عندما يقدم لها مرايا وردية ونحاسية.. زهور المساء نامت على كتفها والسحب فتحت صدورها لتسكب أعذب بلورها عليها وعلى الأمهات الأخريات حيث يحتوي الهكتار الواحد من الأرض على 400 أم مثلها ولكن أجملهن أمي.


إنني أطير نحو موتي السريع...

كم تمنيت أن أكون مثل أمي يجلس تحت ظلي العشاق وأنظر خلسة إلى أحدهم وهو يمسك بيد محبوبته ويطبع قبلة عذبة على جبينها وأضم طيور الجمال والمحبة إلى صدري وتداعب يدي الخضراء خدود الأطفال الناعمة وتخرج الفراشات من تحت التراب الذي يخفي جذوري وعروقي.


إنني أطير نحو موتي السريع...




كان ذلك اليوم باردا جدا كان جسد أمي العزيزة يهتز وشعرت بقطعة صلبة تنهشه وأحدثت فيه ثقبا كبيرا وتدفقت بسرعة إلى الخارج وبدأت رحلتي الجديدة بعيدا عن أمي ورأيت رفاقي يخرجون من الأجساد الأخرى.. يد متعبة تعاني الأكزيما قامت بتجميعي في إناء وسقطت أجزاء مني خارج الإناء فشعرت برغبة كبيرة في البكاء والصراخ فلا أحد هنا ليداوي جروح أمي ولكن البرد منعني فنمت.


إنني أطير نحو موتي السريع.....


صحوت وظننت بأني مازلت عند النهر ووجدت نفسي وحيداً في مكان معتم وبارد كم كانت الحياة جميلة عند ذلك النهر حيث نسمات الهواء البارد والشمس الراحلة تصبغ سطح النهر بلون برتقالي محبب..نظرت حولي فوجدت بعض العمال المنبطحين في الزوايا المعتمة. وسمعت أحدهم يتنهد بعمق ويقول بأسى: نعمل هنا منذ شهور طويلة وإلى يومنا هذا لم نستلم قرشا واحد إلى متى سوف يستمر هذا الحال؟


أياد كثيرة عبثت بي وفصلوا المزيد من أجزائي عني وسمعت صوتا كله جشع يقول: هذه العصارة غنية وفوائدها الاقتصادية كثيرة وتحتوي على العديد من البروتينات المهمة علينا أن نستخرجها والباقي نصنع منه أشياء أخرى.


إنني أطير نحو موتي السريع.....


استمر العبث ولا أدري ما الذي حل بي؟ تغير لوني إلى الأحمر وأصبحت أكثر صلابة ونفخوا هواء فاسدا بداخلي، ووضعوني بجوار ألوان أخرى في محل كبير وكان عزائي الوحيد هو تلكم العيون البريئة التي تنظر إلي من خلف زجاج المحل وتحاول الوصول إلي ولكنها لا تستطيع وخاصة تلك الطفلة الفقيرة ابنه البائع المتجول كنت أحب مراقبتها وهي نائمة على سطح عربة والدها تراقب النجوم وتبتسم، وجاء أحدهم ودخل المحل كانت ملامحه شقية وعابثة.. نقل بصره بسرعة في كل أرجاء المحل ونظر إلي عدة مرات وهو يمسح وجهه بأصابعه المتسخة ودس يده في جيبه وأخرج منها ريالا قديما كان قد سرقه من حقيبة والدته وأخذني معه، وركض بسرعة وهو يمسكني بقوة ،أزعجتني عفونة حذائه وعرق رجليه الكريه تعثر بحجر كبير ووقع على الأرض ووجدت نفسي وحيدا أطير نحو موتي السريع.


إنني أموت..أموت..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق