الأحد، 26 سبتمبر، 2010

الكتاب في قرية وادي قري ذلك الذي تصادقه كل بنات القرية

استطلاع: هدى الجهورية


“لا توجد في بيوتهن أي مكتبة، ولا حتى كتاب واحد للأطفال” هكذا يقول أحمد بن ناصر بن حمد الراشدي مضيفا قوله “عرفتُ ذلك نظرا لصغر قريتنا، ومن سؤالي للأهالي وللفتيات حول وجود مكتبة في البيوت”.
من هنا كبر هاجس الراشدي الذي يعمل باحثا ثقافيا بالمنتدى الأدبي، بضرورة توفير مكتبة في قريته الصغيرة “وادي قري” التي تبعد عن مركز الولاية سمائل ما يقارب 25 كم على الطريق المتجه لولاية نزوى.
يصارحنا الراشدي في بداية حواره معنا أن لمدونة الصديق أحمد المعيني “أكثر من حياة” الفضل في إضاءة فكرة القرية القارئة، وذلك من خلال المبادرات والأفكار الكثيرة التي ينشرها بشكل مستمر، والتي تشجع على تعزيز فعل القراءة، “عندما التمعت شرارة الفكرة في ذهني، بدأت أفكر جديا في مشروع القرية القارئة”.


اقرئي وثقي بنفسك



حكى لنا الراشدي الخطوات التي اتبعها ليتضح في أذهان أهالي القرية، "قمتُ باستطلاع شفهي سألتُ فيه عن الفئات الأكثر تفوقا وحبا للقراءة في قريتنا، أهم من الفتيان أم من الفتيات؟ فجاءت أغلب الأجوبة إن الفتيات أكثر تميزا في الدراسة، وحبا للقراءة وأكثر تقبلا، فقررتُ أن أبدأ المرحلة الأولى من المشروع بإطلاقه للفتيات وحددتُ الفئة المستهدفة من سن 11 سنة فما فوق، وقلتُ في نفسي: إذا صار للفكرة انتشار في القرية، سأطورها في المرحلة الثانية لتشمل الفتيان والفتيات.
بعدها انتقيت من مكتبتي الخاصة ما يقارب ثمانين كتابا ما بين كتب في القصة القصيرة، والرواية، والحكاية الشعبية العمانية والعربية والعالمية، وكتب في تنمية المهارات والذات، وقصص الأطفال. رتبتها بعناية فائقة في مكتبة صغيرة وضعتها في صالة البيت. ثم اخترت ما يقارب خمسة وعشرين كتابا من مكتبتي الخاصة، لستُ محتاجا لها، بعضها جديد وبعضها مستعمل أي قرأته وأريد التخلص منه (كتب في القصة القصيرة والرواية والنقد والمعارف العامة)، فقررت أن تكون هذه الكتب هدايا للقارئات. وقمت بوضعها في طاولة مجاورة للمكتبة الصغيرة، ونسقتها بطريقة بارزة وجذابة. ثم طبعت إعلانا ملونا يتضمن شروط الاشتراك في المشروع، وقررت أن يكون شعار مشروع القرية القارئة هو "اقرئي وثقي بنفسك"، وذلك لترسيخ فكرة النتيجة الإيجابية التي تتحقق من القراءة، وهي الثقة بالنفس وتنمية الشخصية، ووزعت في أماكن معينة في القرية، كما كلفت فتيات عائلتي بالإعلان عن المشروع شفهيا".


اقرأ ثلاثة واربح كتابا



ولم يكتف الراشدي بإتاحة فرصة القراءة وحسب، وإنما وضع محفزات للقراءة أيضا حيث أن كل فتاة تنهي قراءة 3 كتب تربح كتابا هدية تختاره بنفسها من بين الخمسة والعشرين كتابا، ولكن يترتب عليها بعد قراءة كل كتاب أن تكتب رسالة توجهها لمؤلف أو مؤلفة الكتاب، وذلك لكي يتأكد الراشدي من جدية القراءة. "وضعتُ بجوار الكتب أظرف رسائل، لتأخذ كل فتاة ظرفا عندما تستعير الكتاب وتضع فيه الرسالة بعد الانتهاء من قراءته"، ثم أردف قائلا: "وحتى أضمن أن تصلني رسائل مقبولة وجيدة قمت بتنظيم دورة للفتيات من سن 11 سنة فما فوق بعنوان (كيف تكتبين رسالة) لمدة ساعتين في مجلس القرية قبل أن أطلق هذا المشروع". وكان الراشدي قد تعلم ذلك من حضوره لدورة أقامتها الكاتبة أزهار أحمد، لتعليم الأطفال كيفية كتابة الرسائل، وذلك في النادي الثقافي بالقرم، "قمتُ بتقليد وتكرار الدورة في قريتي، وربطها مع فكرة مشروع القرية القارئة".


رسائل صغيرة وآراء



أما عن النتائج التي ترتبت على هذا المشروع فقد أخبرنا الراشدي قائلا: "لاحظتُ إقبالا لا بأس به من قبل الفتيات على استعارة الكتب، وقراءتها، وأكثر ما أسعدني وأبهجني أن بعضهن حصلن إلى الآن على أربعة كتب كهدايا في فترة قصيرة، وقد تأكدت من مدى جديتهن في القراءة، وذلك من مضمون الرسائل التي تأتي مرفقة مع كل كتاب انتهين من قراءته". يصف لغة الرسائل وطريقتها قائلا: "في الأغلب جاءت لغة الرسائل بسيطة وتتضمن الأفكار التي أعجبت بها القارئة والأفكار التي لم تتوافق معها، وشكر لمؤلف أو مؤلفة الكتاب".
وأردف قائلا: "كنتُ حريصا بشدة على معرفة أي المراحل العمرية لديها رغبة أكثر في القراءة وأي الكتب يقبلن عليها بشدة وينجذبن لها حتى أستطيع توفيرها، وأتابع هذا من خلال متابعة دفتر الاستعارة والاستفسار من زوجتي عن ذلك، فلاحظت أن الفتيات من سن 4-10 سنوات لديهن ميل أكبر لكتب وقصص الأطفال وهذا شيء طبيعي يتناسب مع أعمارهن، لجماليتها، ونوعية ورقها والصور الكبيرة والمبهجة التي تحتويها، وكذلك قصر القصص فيها، أما الفتيات من سن 11-15 لاحظت أنهن يقبلن أكثر على القصص والروايات والحكايات الشعبية، و فتيات الجامعة يرغبن في الروايات أكثر من أي شيء آخر. الفئة من سن 11-15 سنة أكثر الفئات مواظبة على الاستعارة والرغبة في الحصول على كتب كهدية.


حماس زوجتي



تساءلنا عن موقف أولياء الأمور من الفكرة، ونحن نعلم تماما أنه ما دام البيت بدون كتب فكيف يستشعر ولي الأمر أهمية الكتاب في حياة ابنته فقال الراشدي: "في الحقيقة لم أجد أي معارضة أو رفض من قبل أولياء الأمور، أولا بحكم الجيرة والقرابة التي تجمعني بهم وما يصاحبها من احترام وتقدير لي ولأسرتي، كما تعودت أنا ومجموعة من الأصدقاء الشباب في القرية على إقامة مثل هذه المشروعات والمبادرات الثقافية للكبار والصغار وللرجال والنساء، والأهالي هم الذين يشجعوننا ويطالبوننا بالمزيد". وعن آلية الاستعارة من مكتبة منزلية قال: "زوجتي هي التي كانت تقوم بإعارتهن وتقديم النصح لهن فيما يناسب أعمار كل واحدة منهن وهي التي تستقبلهن في البيت وتقوم بتسجيل اسم كل واحدة والكتاب الذي استعارته، وذلك بحكم قربها منهن ووجودها في البيت. كذلك طبيعة عملها في رياض الأطفال ومعرفتها بالفتيات وبرغباتهن، جعلها تتحمس لفكرة المشروع وتشجع الفتيات عليه"، وأردف قائلا: "أما أنا فبحكم ارتباطي بعملي الرسمي وارتباطاتي الاجتماعية والخاصة خارج البيت فقد كان دوري كمستشار أفيدهن عن طريق الرد على أسئلتهن، وذلك لقراءتي السابقة لأغلب الكتب الموضوعة للاستعارة، ومعرفتي بمؤلفيها وأحيانا كانت تردني أسئلة عن بقية مؤلفات كاتب ما لا توجد في مكتبة المشروع ، وخاصة من الفتيات الجامعيات فأدلهن على كتب أخرى في مكتبتي الخاصة".



الانقطاع عن الاستعارة



وعن أكبر الصعوبات التي وقفت في وجه المشروع قال: "الانقطاع عن الاستعارة، لذلك سعيت بعد شهر من انطلاق المشروع أن أزور بعض الكتّاب والأدباء، لأحكي لهم عن فكرتي وأطلب مشورتهم وكتبهم كدعم لفكرة المشروع، فقد لاحظت أن تلك الكتب التي حصلت عليها شجعت الفتيات على التواصل والاستمرار، ولديّ خطة لمعرض الكتاب القادم لتزويد كتب الهدايا بكتب قريبة من أعمارهن ودراستهن، وأن أزور كتّاباً وأدباء آخرين لأحصل منهم على دعم.


العريمي والقاسمي



أما الخطوة التي تليت الإقبال الجيد الذي لمسه الراشدي على مكتبته، "قمتُ بزيارة بعض الكتّاب في بيوتهم، وعرضتُ عليهم المشروع، وحصلت منهم على عدد من النسخ من كتبهم ووضعتها ضمن كتب الهدايا، منهم الكاتب والروائي محمد عيد العريمي الذي أهداني نسخا من كتبه، "حز القيد" و"بين الصحراء والماء" و"مذاق الصبر"، والشاعر زهران القاسمي الذي أهداني نسخا من كتابه الأخير "سيرة حجر"، يوجد الآن في بيت كل فتاة شاركت معنا، ومازالت في مشروع قريتنا القارئة ما لا يقل عن 3 كتب.
وعند سؤاله ماذا بعد ذلك ؟ أجابنا: "بعدما لاحظت إقبالا كبيرا من قبل الفتيات على قراءة كتب الأطفال، أرى أن تلك فرصة كبيرة كي أعلن أنني الآن في مرحلة الشروع في تكوين مكتبة خاصة بكتب الأطفال في قريتي، تُقدم خدمات الاستعارة والإهداء للأطفال وللأمهات والآباء فعلى من لديه رغبة للمساهمة، لتزويد هذه المكتبة بكتب أطفال فأنا أرحب به أو لعله يرشدني إلى جهات تساعدني في تمويل المشروع، بكتب أطفال.


أريد كتابا للمعارف




تحدثنا إلى الفتيات المستفيدات من مشروع قرية قري، ابتسام بنت خلفان، 15 سنة قالت: "قبل التعرف على مكتبة الراشدي قرأتُ، مجموعة قصص الأنبياء، وبعض قصص الأطفال، كنت قد اشتريتها أنا وأختي من مكتبة تجارية في سمائل، أما ما دفعني إلى مكتبة الراشدي هو أننا كنا في إجازة صيفية، فأحببت أن أستغل وقت الفراغ وأرفع من مستوى معلوماتي وثقافتي". الكتاب الذي لفت انتباه ابتسام هو: الممثل لأزهار أحمد، "أعجبني فيه كثيرا طريقة حكي القصص وأسلوبها، كما لفت انتباهي كتاب حكايات من تراث الإمارات". أما الكتاب الذي تمنت ابتسام قراءته ولم تعثر عليه إلى الآن، "كتاب في الثقافة العامة يضم معلومات في مختلف العلوم، ولكني سعيدة أني حصلت على 3 كتب هدية ومازلت متواصلة في الاستعارة والقراءة".



"أهل الكهف" في مدرستي


صفاء بنت إبراهيم، 13سنة، كانت تقرأ في السابق كتبا بسيطة في تفسير القرآن، استعارتها من مكتبة المدرسة، "أعجبتني فكرة مكتبة الراشدي، وتواصلت مع زوجته، وقد حصلت على 6 كتب هدايا اخترتها بنفسي". كان هدف صفاء، ودافعها الأول أن تحصل على معلومات جديدة من المطالعة.
لفت انتباه صفاء مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم، "أعجبني الحوار الجميل الذي دار بين شخصيات المسرحية، وحتى أستفيد مما قرأته، لدي رغبة أن أعرض المسرحية على بعض زميلاتي في المدرسة لنمثلها على مسرح المدرسة".


قالت الوردة للسنونو


مرام بنت خلفان،12سنة، في بدايتها الأولى قرأت كتاب الكشتبان الذهبي، وهو عبارة عن قصة أطفال، وكتاب الأميرة والضفدع وقد حصلت عليهما من مركز مصادر التعلم في المدرسة، أما رواية الأم وجنينها فقد اشترتها لها أختها من معرض الكتاب، وكانت تقرأ أيضا مجلة اسمها سندريلا.
أم مرام لها الفضل في اتجاه مرام إلى مشروع القرية، "تحمستُ بفضل أمي، ولأحصل على كتب كهدايا ؛لأنني أرغب أن تكون لي مكتبة خاصة في البيت. وقد حصلت حتى الآن على كتابين ولا زلت أرغب في المزيد".
أما الكتاب الذي أحبته مرام فهو كتاب، "قالت الوردة للسنونو" لزكريا تامر، "أسلوب سرد القصص جميل وممتع، أعجبتني فيه قصة تدور حول الحمار والأرنب تظهر ذكاء الأرنب، وكنت أتمنى أن أجد كتبا حول قصص الأنبياء حتى أستفيد منها في دراستي".



القراءة والحياة


وعن ما تصنعه القراءة من تغيير في حياة الواحد منّا قالت ابتسام أنه أصبح لديها شغف ورغبة كبيرة في الاستمرار في المشروع واستعارة الكتب الجديدة، "قبل إعلان هذا المشروع كنت أعاني من وجود فراغ كبير، ولا أجد ما أملأه به، وقد تعرفت الآن على كتّاب جدد مثل أزهار أحمد وتغريد النجار صاحبة قصص الأطفال، وبشرى خلفان صاحبة قصص صائد الفراشات الحزين، وحسين العبري صاحب رواية المعلقة الأخيرة، وغيرهم وقبل ذلك لم أكن أعرفهم كما حصلت على معلومات جديدة".
لم تكن صفاء ومرام في السابق تهتمان بالكتب أو بالمطالعة، لكنها أصبحت اليوم ممارسة مهمة في حياتهما، وكل واحدة منهما تسعى لأن تكبر المكتبة الصغيرة في بيتها ، بالاستعارة أو الشراء من المكتبات أو المعارض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق