الأحد، 1 مارس، 2015

ملف مدن الكتب: مدينة الأحلام




قام ريتشارد يوث في عام 1961 بافتتاح مكتبة للكتب المستعملة، مستغلا تراجع سوق الكتب في تلك المدة وإغلاق المكتبات بشراء الكتب وجلبها في حاويات إلى مدينته "هاي أون وياي" في بريطانيا، لتُعرف فيما بعد بمدينة الكتب. مثل هذه المشاريع تشعرنا بفرح غامر ونحن نقرأ عنها، ولكن حين يرتد البصر إلى واقعنا في البلدان العربية وندرة وجود المكتبات العامة التي تسقي عطش المعرفة؛ فإن ذلك كاف كي يحيل الفرح إلى غصة ضمن سلسلة الخيبات المعلقة على رقابنا. حين نفكر في مشروع إقامة مدن للكتب علينا أن نفكر أولا في أن مدن الكتب لن تنشأ في عالم خال من المكتبات أصلا، أي في مجتمع لا يقرأ، والسؤال الأجدى: ليس من سيبادر في إنشاء مدينة الكتب؟، ولكن من سيشارك في فاعلية هذه المدن إذا كان المجتمع لا يمتلك ثقافة القراءة؛ لأنه ببساطة ليست لديه مكتبة ولم تنشأ لديه ثقافة القراءة؟
إن توفر المكتبات العامة وانتشارها ليس مرتبطا بوصول المعلومة فقط في ظل ثورة المعلومات، وإنما يكمن أولا في زرع بذرة القراءة ورعايتها حتى تغدو وارفة كسنديانة في كل عقل. وهو الدور الذي ركنته وزارة التربية والتعليم جانبا، والبكاء يطول في محراب أخطائها.
ولو قمنا بمسح لعدد المكتبات العامة الموجود في السلطنة فإن النتيجة ستكون مخيبة، إذ لا تتجاوز المكتبة العامة التي أنشأتها شركة نفط عمان تحت إدارة ديوان البلاط السلطاني، ومكتبة النادي الثقافي وهي مكتبة نوعية إلى حد ما، ومكتبة الجامع الأكبر التي يمكن حصر مجموعاتها في حقلين أو أكثر، وعدد ضئيل لا يتجاوز أصابع يد واحدة من المكتبات الأهلية. هذه ما يمكن أن نطلق عليها مكتبات مفتوحة للمجتمع، أما مكتبات الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية والخاصة فتلك تخدم شريحة الدارسين في أغلب الأحيان.
إن "مدن الكتب" جملة مغرقة في الرومانسية بالنسبة لواقع الحال لدينا، وهي مناسبة جدا للحالمين بهذه المكتبات، بأن يغمضوا أعينهم ويسبحوا في حلم مدينة للكتب، وعالم مليء بالورق والمعرفة، وبشر يتجادلون في أهمية كتاب أو موضوع ما، وشاعر يتحلق حوله عدد من قرائه، ومثقف يبيع كتبه المستعملة ليستبدل بثمنها كتبا أخرى. لأنهم بأي حال من الأحوال لن يبصروا هذه اللحظة، وربما يبصرها جيل لاحق، فالمعطيات الحالية لا تبشر بمكتبة في مدينة، فما بالك بمدينة للكتب. لذا فمن نافل القول طرق موضوع كهذا، إلا إذا كان صاحب الموضوع/الفكرة حالما أكثر مما ينبغي، أو أنه يتمنى الجمل، كي يتحقق له أكل لحم الأرنب. أما عن تأسيس هذه المدن فإنني سأستبدلها بتأسيس المكتبات العامة، ونشر القراءة، وهنا أتساءل عن دور المؤسسات المعنية بشؤون الثقافة قبل مطالبة الأسر الأهلية بإنشاء هذه المكتبات، كأن تنشئ وزارة التراث والثقافة مكتبات تابعة لفروعها الموجودة في المحافظات، أو تبادر جمعية الكتاب بوضع اللبنة الأساسية لمكتبات صغيرة تتبع فروع الجمعية، تقوم فيما بعد المبادرات الشخصية والمؤسسات الخاصة برفد هذه المكتبات بالكتب أو المال اللازم لشرائها. وهذه أمثلة على إمكانية تأسيس مكتبات يأمها مريدو المعرفة. ولكن العذر دائما أن ذلك ليس من الاختصاص، وهنا أتساءل: أين وصل مشروع المكتبة الوطنية؟ أم أنها ستتحقق في خطة 2050.
وبرأيي إن وجود المكتبات الافتراضية لا يلغي المكتبات الواقعية، ولا يسقط دور الكتاب الورقي في نشر المعرفة، فعلى سبيل المثال كل منا يمتلك جهازا يستطيع بداخله أن يتضمن مقتنيات مكتبة واقعية بشكل رقمي، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك، فبالرغم من الثورة التكنولوجية في مجال نشر المعرفة، لا تزال أممنا لا تقرأ. فالمكتبة الواقعية مجال حقيقي يتيح لك تلمس الصفحات ويعلمك الوصول إلى المعرفة عن طريق البحث المضني عنها. وهي ساحة تفاعلية لتبادل الكتب وتداول الأفكار بين مرتاديها، والاستفادة من أنشطتها المختلفة، هذا بالإضافة إلى دورها التنويري من خلال أنشطتها الثقافية والاجتماعية.
أما المكتبات الخاصة التي تضطلع في بيع الكتب، فهي تكاد تكون غير موجودة، باستثناء المكتبات الشرائية التي يبيع بعضها عددا بسيطا من الكتب، كتلك التي يحتاجها الطلاب، أو الكتب الدينية، ونتفا قليلة من المعارف العامة.
وبما أن رقي الدول يمكن قياسه بمدى تعلم أبنائه، ووجود مكتبات تمدهم بالوقود المعرفي، ليسهموا بالمشاركة في دفع التنمية فإن على القائمين على شأن الثقافة التركيز على إنشاء هذه المكتبات والسعي لتوزيعها على رقعة الوطن، وإن كان بشكل مصغر في بادئ الأمر، إلا أنها ستجد من ينميها ويرعاها. وعلى الإعلام أيضا أن يكون مدماكا يدق غفلة القائمين على الثقافة كي يَرْشُدُوا إلى حاجة البشر للغذاء المعرفي، كما أن مؤشرات تدني القراءة في بلدنا هي نتاج غض الطرف عن دور المكتبات.



علي الفارسي
كاتب عماني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق