الاثنين، 5 يناير، 2015

أسنان الوقت، وأمشاط الأيّام



 
                                      عبدالرزّاق الربيعي



لا أعرف لماذا اعتدنا النهوض في الصباحات الأولى من كلّ عام ، منشرحين، مقبلين على الحياة بحماس أكبر، لكن هذا الشعور يتراجع شيئا، فشيئا، ويصل إلى النصف تقريبا، بعد أيّام ثم يتلاشى النصف الثاني من هذا الشعور تماما بعد أسابيع ، ونختم عليه بالشمع الأحمر بعد انتهاء الشهرالأول، أو الثاني، أوالثالث بالكثير، وبذلك يتلاشى تماما شعورنا الجميل الذي غمرنا في الصباح الأوّل، وهو يشبه شعورالتلميذ الذي يلتحق بسنة دراسيّة جديدة، بعد شهور العطلة الصيفيّة ، رغم أنّ بين عشية يوم 31 ديسمبر وصباح اليوم الأول من يناير مجرّد ساعات ، لكنّ الاختلاف في الشعور الذي يشبه وضع نقطة آخر السطر، ثم البدء بسطر جديد، هذا السطرهو اليوم الأول من العام الجديد ، ففيه ننهض متخفّفين من مشاعرنا السلبيّة ، ناظرين إلى المستقبل بعيون مفتوحة، مترعة بالأمل. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: كم سنكسب، وسننجز من أعمال لوحافظنا على هذا الشعور، طوال أيّام العام؟ بالتأكيد الكثير، و هو ليس بالأمر الصعب، ففي مقدور كلّ واحد منّا أن يفعل ذلك، وهذا لا يكون إلا إذا جعلنا كلّ يوم هو اليوم الأوّل من السنة، ونستقبل صباحه، كما استقبلنا صباح اليوم الأوّل من السنة، وعلينا مقاومة الوقوع في دوّامة التكرار ،فهذا هو الذي يفقدنا الإحساس بقيمة الزمن، بل يجعله يمرّ ثقيل الخطى، وكأنّ الدقائق ،والأيّام ،والأسابيع ،والشهور ، ليست مستقطعة من أعمارنا ! فالحياة ليست سوى تلك الثواني ،والدقائق، والأيّام ،والأسابيع ،والشهور،والسنين، والساعة التي نفرّط بها من أعمارنا دون عمل هي خسارة ، وحركة الزمن مستمرّة في كلّ الأحوال ، وهراقليطس يقول:« إنك لا تنزل في النهر الواحد الجاري مرّتين، فهناك مياه تسير به باستمرار» فاستنبط من مقولته الدارسون قانون «التبدل والتغيّر» ، فكلّ شيء حولنا رهن لحركة مستمرّة ، وإذا لم نستثمر الوقت بعمل نافع نكون قد وقعنا في فخ التكرار ، والملل، والسأم، وفي الأثر «من تساوى يوماه، فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه، فهو ملعون ، ومن لم يكن على الزيادة، فهو في النقصان »
ويوصي خبراء التنمية البشريّة كلّ فرد بوضع خطّة سنويّة ، تغطّي كلّ جوانب الحياة بانتظام : الماديّة ، والروحيّة ،والعائليّة ، والاجتماعيّة ، والوظيفيّة ،والترفيهيّة ، مؤكّدين على ضرورة كتابة الأهداف المأمولة في هذه الجوانب، على أن يتمّ شطب كلّ هدف يتمّ تحقيقه لاحقا، ويفضّلون الاستعانة بصور لتعزيز هذه الرؤية، نظرا لأهمّيّة الصور في برمجة العقل الباطن ، وتعزيز الجوانب الايجابية، وتغذيّتها ، وبالتالي تنعكس هذه البرمجة على الحياة، ولتسهيل كلّ هذا ، يوصون بكتابة تلك الخطة ،والأهداف على « بوستر» يجمعها مع وضع تاريخ تقريبي لتنفيذها ، كما يؤكّد الخبراء على وضع أهداف لكلّ أسبوع، وشهر ، فالتخطيط من الأمور التنظيميّة التي يغفل الكثيرون عنها ،فإذا وضع كلّ واحد منّا مثل هذه الخطّة ،في العمل، والحياة العامّة، سنتجاوز الكثير من الأمور التي تشتّت الذهن، وكلما تشتّت تركيزنا لظرف ما ، نستطيع استعادته بالرجوع إلى «بوستر الأهداف »،وهناك برامج خاصّة تستخدمها الشركات، والأشخاص الناجحون، يبدأ العمل بها ، من المراحل التعليميّة الأولى ، في المدارس، وللأسف هذه البرامج نفتقدها نحن العرب ، ولا تلتفت لها مناهجنا التعليميّة في مدارسنا ، فمن الطبيعي أن الكثير من تفاصيل حياتنا ، تخضع للعشوائيّة ، والارتجال ، وما دمنا في بداية سنة جديدة ، من الضروري ، رسم خطط تشغيليّة نجوّد من خلالها عملنا ، ونرتقي بحياتنا إلى الأفضل ،وإلّا سنظلّ ندور في فلك التخبّط ، ودوّامة التكرار، ورتابة الأيّام التي تشبه أسنان المشط !!
 
المصدر جريدة عمان

 

هناك تعليق واحد: