الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

لسنا معكم أيها السادة الرماديون



 

      رواية مومو من أعظم الروايات الأسطورية التي تمزج الخيال بالواقع، كتبها الأديب الألماني ميخائيل إندة وترجمها باهر الجوهري ، حيث مجريات الرواية تتحدث عن الزمن وتأثيره في حياة الإنسان سواءا كان تأثيرا إيجابيا أم تأثيرا سلبيا وعن أناس الغرب بشكل خاص حيث أصبحوا يتدولوا المقولة الشهيرة لديهم وهي: " لا يوجد لدي وقت" ، وهذه المقولة بدأت تتزحزح لبلاد الشرق بشكل سلس وغير مباشرة، أي أننا لم نسلم من جملة " ليس لدي وقت".
 تبدأ الرواية بهروب الفتاة الصغيرة مومو ذات الشعر الأشعث والملابس الغريبة من الميتم واتخاذها من المسرح الدائري القديم مقرا ومسكنا لها. يقع المسرح الدائري القديم بالقرب من الغابة وبعيدا عن المدينة حيث تقع عدة منازل وأكواخ صغيرة يعيش على إثرها الفقراء. شاهد هؤلاء الفقراء الفتاة الصغيرة مومو وحاولوا إقناعها بالعيش مع احدهم، لكنها رفضت وفضلت العيش وحيدة في أطلال ذلك المسرح. ولكنهم من يتركوها وحيدة، فقدموا لها المساعدة، منهم من بنى لها غرفة صغيرة، ومنهم من أحضر لها طاولة صغيرة للطعام وفراش جيد للنوم فيه، وكانوا يحضروا لها الطعام. وبهذا لم تكن مومو وحيدة بل صار لها أصدقاء أطفال وكبيرو السن. كان لها صديقان مقربان هما: بيبو الكنّاس،رجل طاعن فالسن يكنس شوارع المدينة ونادرا ما يتحدث، وجيجي المرشد السياحي ،شاب كثير الحديث يختلق قصص وأساطير من مخيلته ،له عدة مهن منها: الإرشاد السياحي والحراسة وغيرها الكثير مما يساعده على كسب معيشته، حلمه أن يكون رجل غني مشهور.
كانت لمومو ميزة خاصة جدا تجذب الصغار والكبار إليها وهي ميزة الاستماع، حيث هذه الميزة جعلت كل من يتحدث معها يأتي بأفكار بديعة و خيال واسع جدا، وتأثير هذا الاستماع تخلل أصدقائها الأطفال، فأخترعوا ألعابا بسيطة وجميلة استطاعوا من خلالها أن يأتوا بأفكار مميزة جدا. ولم يتأثر الأطفال فحسب وإنما الكبار أيضا، فحدث شيء عجيب، كل من كانت لديه مشكلة كان يذهب لرؤية مومو.
بعيدا جدا عن المسرح الدائري وفي أعماق المدينة كان هناك جيش كبير من الناس الرماديين، أناس غير عاديين يرتدون ملابس رمادية، قبعة رمادية، يحملون حقيبة رمادية، يكتبون ملاحظات على دفتر ملاحظات رمادي، يركبون سيارات فخمة رمادية، و يدخنون سيجارة رمادية اللون. سكان المدينة لم يكونوا على دراية بما يحدث ذلك الوقت أو بالأصح لم يلاحظوا وجود نوع من هؤلاء الأشخاص. كان للرجال الرماديين مقر سري يستخدمونه لأخذ وقت الناس وإعطائهم شيء ما بالمقابل، وهذا المقر يسمى بـ " بنك توفير الوقت". في الحقيقة الرجال الرماديين يعيشون على زمن الناس وكلما امتلكوا زمن أكثر، كلما عاشوا مدة أطول وكثُر عددهم.
تستمر أحداث الرواية حيث كانت مومو جالسة على أحد كراسي المسرح القديم وحيدة تتأمل ما حولها عندما أتى إليها العدو المجهول. مومو لم تكن تعلم بما يجري داخل المدينة ولم تكن لديها أدنى فكرة بأن عدوها الوحيد هم الرجال الرماديين. شاهدت أمامها رجلا يخرج من سيارة فخمة رمادية اللون، يرتدي بزة رمادية، يحمل حقيبة رمادية ويدخن سيجارة بلون الرماد.أخرج من حقيبته دفتر ملاحظات رمادي، كتب فيه بضع كلمات وأدخله. بدأت مومو تشعر بالقلق والبرد والخوف عندما رأت أن هذا الشخص يعرف عن حياتها وكل شي وأحضر لها دمى بحجمتها لتلعب معها، بحيث يقل تواصلها مع أصدقائها بحجة أن الوقت مع الأصدقاء ضائع، وبهذا يستطيع الرجال الرماديين الاستفادة من وقت مومو المتبقى والذي ستدخره لهم بطريقة غير مباشرة. ولكن الحدث الأهم ، أن الرجل عندما رأى مومو بدأ يتحدث للا وعي عن خططهم وعن نشأتهم والسبب في ذلك هو تأثير مومو عليه وفائدة الانصات والاستماع للمتحدث. وبذلك كشفت مومو أخطر عدو لها.
أخبرت مومو أصدقائها المقربين ، بيبو الكنّاس وجيجي المرشد السياحي، عن الأحداث التي دارت بينها وبين الرجل الرمادي، فقرروا إخبار أصدقائهم الأطفال ومساعدتهم على كشف سر أولئك الرجال لأهل المدينة. فبدأوا بإقامة مظاهرات عديدة ووضع لافتات تحذيرية عن الرجال الرماديين ، ولم يهتم بالأمر سوى الرجال الرماديين وملك الزمن وهو شخص يدعى "الأستاذ زيكوندوس مينوتيوس أور".
بعد فترة تم القضاء على الرجل الرمادي لأنه أفشى السر في قاعة المحكمة الخاصة بهم والتي ظهرت فجأة أمام ناظري بيبو فوق أعلى قمة للقمامة، وقرروا البحث عن مومو للقضاء عليها قبل أن تصل إلى الأستاذ أور، ولكن مومو لم تعلم بأن هذا العدو قرر القضاء عليها. لذلك كانت جالسة كالعادة مع بيبو وجيجي يتشاورون بشأن القضاء على الرجال الرماديين وبعد أن ذلك كلا من بيبو وجيجي، بقيت مومو وحيدة . في تلك الأثناء أتت سلحفاة صغيرة أمام مومو، وظهر على درعها الصلب كلمة بضوء خافت "تعالي معي". قررت مومو اللحاق بالسلحفاة ، فقطعت مسافات طويلة داخل المدينة دون أن ينتبه لهما أحد، ودون أن تصدمهما أي سيارة مع العلم أنهما كانا يمشيان ببطء شديد ولكن يبدو أن السلحفاة ليست بسلحفاة عادية. استمرا بالمشي طول الليل حتى شاهدت مومو شيئا غريبا، شئ لم تره حتى في أحلامها. رأت بيضة بيضاء هائلة الحجم فوق قاعدة ضخمة مكعبة الشكل من الحجر الأسود، والمنازل كانت بلون أبيض يكاد يخطف الأبصار وشوارع هذه المدينة كانت خالية تماما، كل شئ كان ساكنا لا يتحرك ولا حتى أصغر لفحة هواء. في تلك الأثناء اكتشف أحد الرجال مكان مومو وسارعوا بسياراتهم الرمادية إلى تلك المدينة البيضاء، ولكن الغريب أنه عند وصولهم لمشارف المدينة البيضاء لم تستطع سياراتهم الحراك ووقفوا هناك عاجزين عن اللحاق بمومو. استمرت مومو بالمشي خلف السلحفاة حتى وجدت لافتة مكتوب عليها " حارة لم تكن أبدا". عندما دخلت إلى حارة لم تكن أبدا، لم تستطع الاستمرار شعرت وكأن تيار قوي يمنعها من المشي، فظهر على ظهر السلحفاة بضوء خافت " امش بالعكس"، وعندما استدارت مومو ومشت بالعكس استطاعة الاستمرار والمشي بدون أي صعوبة حتى وصلت إلى بيت كبير جدا مكتوب عليه "منزل اللامكان"، عندما دخلت الي ذلك المنزل وجدت مساحة كبيرة ممتلئة بالساعات ورجل طاعن في السن يدعى المايسترو آرو، أنه المتحكم بالزمن، هو الشخص الذي يوزع الزمن للناس عامة ، اراد من مومو أن ترى زمنها وعندما اخذها دُهشت بالمناظر الجميلة التي شاهدتها من بركة وقبة تسقط منها اسطوانة من النور مع صوت جميل لا يطرى على المسامع ورأت ازهارا ذات الوان متناسقة ، كلما ذبلت زهرة خرجت اخرى جمالها ضعف جمال الاولى، لم تصدق مومو ما رأت وكيف أن الأشرار الرماديين بهذه القساوة ليسلبوا مثل هذا المنظر الرائع. حينها قررت أن تتعاون مع الاستاذ آرو ليقضوا على هؤلاء الأشرار، حيث أخبرها الماسترو انه سوف يوقف الزمن لكي لا يستطيع اولئك الاشرار العيش على زمن الناس وعطاها زهرة "زهرة الساعة" لكي تستطيع التحرك بزمنها وبذلك تستطيع العثور على مخبأهم السري وتطلق سراح أزمنة الناس. لم يكن لمومو مساعدين غير الزهرة والسلحفاة حيث استطاعت العثور على المخبأ السري "بنك توفير الزمن"، في حين أن عدد اولئك الأشرار بدأ بالتناقص لأنهم لم يستطيعوا العيش مدة أطول بسبب نفاذ السيجارة، حيث أن تلك السيجارة خُلقت من أوراق زهرة الزمن ، وبما أن الزمن توقف لم يعد للأزهار وجود إلا الأزهار المسروقة من الناس والتي تم الاحتفاظ بها في خزينة كبيرة في بنك توفير الزمن ولكن لا يمكن فتحها بسبب توقف الزمن. تستمر الأحداث النهائية من رواية مومو في خروجها من قصر اللامكان وحارة لم تكن أبدا ولحاقها بالأشرار إلى المقر السري، عند عثورها على المخبأ السري رأت ستة من الرجال الرماديين يتفاوضون على بقاء ثلاثة منهم ليوفروا بضع سيجارات قبل نفاذها وقد بدا عليهم القلق الشديد ، عندها، انتهزت مومو الفرصة وتوجهت نحو الخزانة لتفتحها، حيث لمست باب الخزانة بالزهرة كي يفتح، وعندما فتح الباب ظهرت الدهشة على وجه مومو ووجوه الرجال الرماديين حيث لم يبقى منهم سوى ثلاثة رجال، ظهرت أزمنة الناس على شكل فراشات تتطاير بسرعة الريح وبدا الرجال بالتلاشي شيئا فشيئا حتى اختفوا تماما. وبذلك استطاعت مومو، تلك الطفلة الصغيرة الهاربة من الميتم أن تنقذ العالم بأسره وتنقذ أصدقائها والأستاذ آرو. وبدت الفرحة على وجوه الناس ووجه كلا من بيبو الكناس وجيجي المرشد السياحي عند رؤيتهم لمومو.
الهدف من الرواية هى إدراك مدى أهمية الوقت في تقسيمه بين الجد واللعب ، العمل والراحة، وإدراك ماهية الزمن الحقيقي، أي أن الزمن ليس محصور فقط على الجد والعمل والاهتمام بالمستقبل، وإنما أيضا توفير مساحة منه في لقاء الأصدقاء وصلة الرحم والترفيه عن النفس.   
قراءة إلهام المخيني
فائزة بجائزة ساعي البريد للقراءة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق