السبت، 23 أكتوبر، 2010

«دفقات» للظفري.. تأمل في الحب والحياة





في البداية تعاملت مع قراءة مجموعة «دفقات» للشاعر العماني سعيد الظفري، وكأنها للتعرف على تجربة بسيطة، ولكن القراءة أخذت مجرى غير ذلك، فالقصائد أثارت بي حماساً وانفعالاً محرضاً على تلمّس الجدية، والجدة التي ميزت بعض القصائد... فإذا بي أمام تداخل طقسي ملحمي وخطابي غنائي ووجداني صوفي، مفعم باستحضار روحي مدروس، وعمدي لعناصر زادت غزارة الشعرية من الأسطورة، ورمزيات المكان والشخوص التي امتزجت بالشخصي، فرفعت هذا الشخصي إلى حوارية العام الملحق بتفاصيل لكينونات، أعطت لتجليات الحياة بعدها التأزمي المأساوي، مختلطاً بفرح ذلك العارف لمكنونات الألغاز: الشاعر.
قصائد «التغيّر» و«عندما يسقط المهد» و«تمرّد» و«عندما ننكر الأمواج» و«طفولة الأصيل»، هي أسّ المجموعة، وهي افترشت حكائيتها كموضوع شعري. ولقد تماهى هذا الموضوع بتوهّج درامي، ترك للمعنى حرية التعدد والغموض والوضوح، وحتى الاختفاء. وحَسْبُ كل جملة محمّلة بخاصيات تكشف جوهر القول الشعري، ما جعل كل قصيدة تنتهي إلى وحدتها المضمونية، في تحوّلات سياق منتظم بتأطير صوري، وصيروراته تتسلسل وفق نباهة شاعرية، تقصد الوصول إلى غاياتها المعرفية لتعكس الثقافي بالشعري في مضمون يتناغم معنوياً:


وأرى قابيل يناديني


في من تخطب يا هذا؟!


في الدنيا آدم أو حواء


وأخي هابيل المجنون


والكلّ جميعاً قد رحلوا


وكلامك ما عرفوا


هذيان يطلب شرعية


والعالم يقضي بالإعدام


فهنيئاً يا مزن


ويقول في قصيدة «نواح على قيثارة دينار الراوي»:


في عمق سكونك


ما عدتَ تجرّ بكحل العينين جيوش الحاضرة الحبلى


وشموخ إهابك سوف يُصاغ


لم يدروا أنك قدّمت لهم مأساتك


كي يتوكأها مجدٌ بالأمس أضاعوه


القول الحكائي الشعري يدور حول اضطهاد المجتمع لانتماء الرجل الحرّ إلى روح هذا العصر، فالقصاص اليومي حدث متكرر، والشاعر هو ذلك الرجل الحرّ الذي يخترق أسوار الممنوع أو الخطوط الحمراء التي هي حدود العرف والعادات التي تمثّل النظام العام الاجتماعي.
إن واقعاً من الانغلاق والظلامية الطاغية، يسدّ على الشاعر باب وعي تحوّلات الحياة، فهو على الرغم من تأكيد انتمائه للمجتمع متهم ومشكوك بأمره، وأية مناداة له بالتغيّر، تعني الخروج، وتعني مقامرة تستحق مواجهتها، هنا يستنجد الشاعر بالحب وبِجَيَشانِ أحاسيسه الرقيقة، ليعوّض أولاً، وليؤكد على بدائل آنية، فيضفي على قصائده رومانسية وسيولة أحلام، تطغى أحياناً فتبدو القصائد غنائيات للحب وللحرية معاً:


لا تلومي مصبراً في نهار يتعثر


لو تأملت قليلاً


جلّ من في الأرض يسعى نحو لذه


يتمسك الشاعر بمكابرة الواثق بنفسه في تحدّي النقائض المتصارعة في المجتمع، فاضحاً ذلك السوء الذي جعل الحقيقة السوداء، تحلّ محلّ السياق الطبيعي لعدالة سماوية، أرضية كما يراها الشاعر وهو يمارس حضوره البطولي.
وعلى أية حال تقف مجموعة «دفقات» الصادرة عن وزارة التراث والثقافة العمانية لتضيف للشعر العماني زهواً ما، ولو أن الشاعر اهتم قليلاً بقضية الشعر الشكلية، لقدّم ديواناً شعرياً في غاية التألق الشكلي والموضوعي معاً.





أمير سماوي






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق