الأربعاء، 26 يونيو 2013

الحقيقة والكتابة




الغرض من وجود الوصف في أي نص أدبي هو رفع مصداقية النص لدى القارئ.

لا يكاد يخلو أي نص أدبي، سردي أو شعري، من سطور أو فقرات أو ربما صفحات من الكتابة الوصفية، سواء تعلق الأمر بوصف الشخوص أو الأمكنة أو الحالة الشعورية.

ورشة "الحقيقة والكتابة" هي ورشة مصمّمة بغرض التعرف على أنواع الكتابة الوصفية في النص الأدبي، وكيف يمكن زيادة فاعليتها لكي تحقق الهدف منها، دون أن تسهم في إضعاف النص أو استهلاكه.

سيتم في الورشة التعرّف على نماذج "فعالة" للكتابة الوصفية لأدباء عرب وعالميين مثل ماركيز، فيسوافا شيمبورسكا، أروندهاتي روي، الطاهر بن جلون، قاسم حداد، كما سيتم التطرق إلى الممارسات التي يمكن أن تضعف فعالية الوصف.

تتضمن الورشة جانباً تطبيقياً، حيث سيقوم المشاركون في اليوم الثاني بتجربة الكتابة الوصفية على ضوء ما تمت مناقشته وقراءته في اليوم الأول.

 للاستفسار والتسجيل: رابطة الأدباء، العديلية، مقابل نادي كاظمة، ت: 22518282

سعر التسجيل: 40 دينار.

مدة الورشة: السبت والأحد 6 و 7 يوليو، للفترة من 5-8 مساءً.

مكان الورشة: قاعة الدورات في مبنى رابطة الأدباء.

 

 

السبت، 18 مايو 2013

طيف عبد الناصر يلوح في الربيع العربي




                                                                        
                                                         


 

                                                                         قراءة هيثم حسين



 
                                                                       سليمان المعمري

يستهلّ الروائيّ العُمانيّ سليمان المعمريّ روايته «الذي لا يحبّ جمال عبد الناصر»، «الانتشار العربي، بيروت، 2013»، بافتراض فانتازيّ فحواه نهوض الزعيم المصريّ الراحل جمال عبد الناصر من قبره، وطلبه من الحارس في عالم البرزخ السماح له بالخروج، وتردّد الحارس ثمّ القبول بإرجاعه شرطيّاً، إذ اشترط عليه الالتقاء بأحد كارهيه، وهو بسيوني سلطان؛ رجل مصريّ يُقيم في عُمان، يعمل كمدقّق لغوي في إحدى الصحف «المساء»، وحين يقبل عبد الناصر بالشرط يخرج من قبره ليزور بسيوني ويحاوره، ولكنّ اللقاء يتسبّب لبسيوني بالصدمة والإغماء ودخول المشفى. بسخرية ممزوجة بالأسى تكبر دوائر الفانتازيا المتداخلة مع الواقع، يقدّم الروائيّ صوراً للعصبيّة والتعصّب، بالموازاة مع السماحة والتفاهم، من خلال شخصيّاته بعامّة، وبسيوني بشكل خاصّ، وعبر شبكة العلاقات التي تربط بين الشخصيّات، ذلك أنّه بعد انتشار قصّة بسيوني ومرضه المفاجئ إثر صدمته برؤية الزعيم عبد الناصر أمامه، يحتلّ الواجهة، ويكون نقطة الوصل بين الماضي والراهن، وذلك بعقد بعض المقارنات، ثمّ محاولة الاتّعاظ والاعتبار.
تحتلّ أوضاع العالم العربيّ إبّان الثورات العربيّة محور الاهتمام والنقاش، لأنّ الجريدة تضمّ فريقاً من العرب من عدد من الدول العربيّة، السودان، تونس، مصر، عُمان، وتكون النقاشات متركّزة على راهن الثورات والنبش في الأسباب والنتائج، والعودة إلى جذور المشاكل المستعصية التي راكمها الطغيان والاستبداد.
ينوس بسيوني بين الحضور والغياب، يتناوبه الحبّ والكره، يتنازعه الواقع والخيال، يرهقه الماضي والحاضر، يضنيه تضييع المكتسبات الثوريّة بعد تحصيلها، يتناهبه الانتماء والغربة، يحتفظ بولائه لجماعة الإخوان وهو الذي يزعم أنّه لا ينتمي إليها، وتكون له أسبابه لكره عبد الناصر، ذلك أنّه ينحدر من عائلة إقطاعيّة تسبّب عبد الناصر بإفقارها بعد انتزاع أملاكها وتوزيعها على الفلّاحين، كما يكون لديه سبب آخر وهو معاداة عبد الناصر للإخوان المسلمين وإعدامه سيّد قطب، ما يبقيه لدى بسيوني العدوّ الأبديّ الذي يتعاظم كرهه في قلبه، ولا يفكّر أن يصفح عنه أو يلتمس له أيّة أعذار.
ينوّع الكاتب في رواته، يمنح الشخصيّات فرصاً للتعبير عن ذواتها، يقدّم كلّ فصل على لسان شخصيّة تتحدّث عن ذاتها، وعلاقتها مع محيطها، ولاسيّما مع بسيوني، تجدها متماهية معه في بعض التصرّفات ومختلفة في أخرى، ما يبدي الصور المختلفة للانطباعات عن بسيوني والمواقف منه ومن توجّهاته، وهو المتعصّب لرأيه وماضيه وأحكامه.
الشخصيّات التي تتكلّم بصوت مسموع، تجهر بالمهموس وتبوح به، ولا تتكتّم على المخبوء والدفين، بل تقدّمها بشفافيّة، لتكون مرايا الأفكار والمخاوف الموجودة. من الرواة: «الراوي العليم، جار النبيّ بسيوني سلطان، رئيس القسم الدينيّ، المصحّح السودانيّ، المصحّح التونسيّ، رئيسة القسم الاقتصاديّ، زينب العجمي، عبدالله حبيب، بسيوني سلطان، وغيرهم..».. بحيث أنّ كلّ واحد من هذه الشخصيّات يكون الشاهد على مجريات وأحداث مختلفة يسردها مكمّلاً مشاهد لوحة الواقع وخريطة المتغيّرات، وفق مكافئات سرديّة تتقابل وتعبّر عن تناقضات الواقع وما يعترك فيه من نقائض.
الجريدة التي تشكّل دائرة الأحداث، تكشف ممارسات تتمّ في أروقة التحرير يساهم الإعلام في ترويجها ونشرها، وما يشترك فيه من تحايل على الناس في بعض الأحيان، وتظهر التجاذبات التي تموج بها، بين طريقة صياغة الخبر، وانتقاء مفردات دون غيرها، للتخفيف من الدلالات أو توجيهها باتّجاه آخر، ويكون بسيوني الذي يعمل كمدقّق لغويّ فيها الأداة المنفّذة لبعض تلك الحالات، مدفوعاً بتعصّبه الدينيّ من جهة واللغويّ من جهة أخرى، فارضاً نفسه كرقيب لا كمدقّق فقط، ما يتسبّب للجريدة ببعض المشاكل والمشاحنات في كثير من الحالات، ويعكس من خلال ذلك صراع الحداثة والتعصّب والتضييق في الصحافة، كما يكون نافذة للإطلال على واقع الصحافة وما يتعرّض له من ضغوطات، وما يعتريه من فساد ومحسوبيّات.
يسلّط المعمريّ في روايته الضوء على الاختلافات التاريخيّة والخلافات المذهبيّة التي تصطخب بها المنطقة عامّة، وعُمان بالمثل، ويكون التركيز على عُمان باعتبارها مركز أحداث الرواية، ومكان اجتماع الشخصيّات بعيداً عن أوطانها، ما يمنحها فرصة للمراقبة عن بعد، وإبداء الآراء دون أن يكون لها تأثير واقعيّ فعّال، وتكون المحاججات المسرّبة، سواء بين الأطراف الدينيّة أو الاجتماعيّة أو الطبقيّة سبلاً لاكتشاف الحروب الخفيّة التي تدور داخل الشخصيّة نفسها، وبين الشخصيّات فيما بينها.
بسيوني الحامل التاريخيّ لحقده المتعاظم وكرهه الذي لا ينضب، يبتهج بوصول مرسي إلى سدّة الحكم في بلاده، ويرغم ابنه على التصويت له ويسعى لفرض رأيه على صديق ابنه أيضاً، لكنّه لا يفلح في ذلك، ما يخلق شرخاً في علاقته مع ابنه وصديقه، وباعتباره محور الاهتمام ومركز تحريك الخيوط التي تعود إليه من خلال الراوي العليم، فإنّه يتبدّى ديكتاتوراً بدوره، حاملاً للفيروس وناقلاً له، لا يخفّ حقده بالتقادم بل يكتسب ديمومة وتجدّداً، ويكون معبّراً عن حال المتوجّسين من إعادة الماضي حيث تمّ إقصاؤهم فيه، في حين أنّهم لا يلتفتون إلى توجّسات الآخرين بالخشية على المستقبل، من خلال زعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وإرغام الآخرين على الالتزام بها، وممارسة الإقصاء والتهميش بحقّهم في خطوة ثأريّة لا تليق بالثورة.
في الختام، يظلّ بسيوني متأرجحاً بين الصحو والغياب، وتتأخّر نهضة عبدالناصر الذي يعاود المحاولة بعد سنين طويلة، بحسب الراوي العليم، وذلك في إشارة رمزيّة إلى إدامة الاستعداء، وفشل المصالحة التاريخيّة المنشودة، مع عدم إغفال إصرار الراحل على العودة لتحقيق النهضة التي ينشدها، والبحث عن سبل لتحقيقها ومدّ يده لتجسير الفجوات وتبديد الضغائن ونشر التسامح للانطلاق نحو الغد بثقة وقوّة.

ما يزال الأستاذ هيثم حسين متعاونا مع المدونة وهناك المزيد من القراءات للأعمال الأدبية العمانية

الأحد، 12 مايو 2013

المكتبة للمجتمع





تنظم جامعة السلطان قابوس ممثلة بمكتبة مركز المعلومات في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية برنامج المكتبة للمجتمع وذلك لمدة عام كامل وهو عبارة عن مجموعة من الفعاليات والأنشطة داخل المكتبة موجهة لطلبة المدارس ومؤسسات رعاية الطفولة والمراكز الصيفية بهدف غرس حب الاطلاع ورفع قدرة الطالب على التثقيف الذاتي وتحويل الطالب من مستهلك للمعلومة الى منتج ومصدر لها و التشجيع على زيارة المكتبات واحترام الانتاج العلمي للمؤلفين والناشرين والمخترعين وإكساب الطالب عادات اجتماعية حسنه عن طرق التعاون واحترام الأنظمة والتعليمات والتقيد بها وامتلاك المهارات الاساسية لاستخدام المكتبات حتى يخرج لنا جيل واع ومثقف. يأتي تنظيم هذا البرنامج بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم وبرعاية الشركة العمانية لإدارة المطارات، ويشارك في تنفيذه أمناء المكتبة وفنيو الحاسب الألي وفنيو وسائل التعليم.كما يبلغ عدد الطلاب المشاركين 26 طالبا من الصف السادس الابتدائي، ويقام البرنامج مرة واحدة كل اسبوع وقد تم اختيار يوم الخميس لإقامته ويبدأ في الساعة التاسعة صباحا وينتهي في الثانية عشر والنصف ظهرا ً أما الزيارات من خارج مسقط تبدأ من الساعة الواحدة ظهرا وحتى الخامسة عصرا ويوفر البرنامج وجبة افطار للمشاركات الصباحية ووجبة غداء للمشاركات المسائية. بالنسبة لأنشطة البرنامج فتتضمن حصة تدريس داخل المكتبة، ويقدم من خلالها منهج دراسي عبارة عن تعريف الطالب حول أهمية التأليف والقراءة ، لماذا نقرأ؟ ، أنواع المكتبات ودورها في تنمية المجتمعات وجملة من النصائح التربوية حول القراءة، كما يطلب منهم التوجه إلى الارفف للبحث عن مجموعة عناوين واستخراج عنوان الكتاب واسم المؤلف والرقم الدولي بالإضافة إلى بعض المعلومات الواردة في الكتاب , وأخيرا كيف نفرق بين الكتاب والمجلة والجريدة وغيرها من مصادر المعلومات وينتهي النشاط بواجب عبارة عن مجموعة أسئلة تحل داخل المكتبة. أيضا من فعاليات البرنامج نشاط بعنوان "اصنع بيدي" وتوفر أدوات تعليمية من خلال هذا النشاط لتنمية مهارات الطالب كالفخار وأدوات التركيب العلمية التي تنمي مهارات التركيز عنده ويطلب منهم صناعة أو تجربة علمية ذات علاقة بالمكتبة والكتاب. وأما نشاط "ارسم مكتبتي" فيقوم الطلاب  من خلاله برسم احدى زوايا المكتبة كالارفف أو قسم الاعارة أو مدخل المكتبة والقصد هنا طبع صورة المكتبة في ذهن الطالب إذ أن تركيز الطالب على رسم المكتبة ولمدة نصف ساعه يساعد على بقاء صورة المكتبة لديه. في ختام البرنامج ستوزع شهادات المشاركة وهدايا لجميع الطلبة المشاركين.

الثلاثاء، 30 أبريل 2013

لعبة قصصيّة لمّاحة




                                       قراءة هيثم حسين
 
 
 
                                     القاص حمود الشكيلي
يرمز القاصّ العمانيّ حمود حمد الشكيليّ في مجموعته «النهايات ليست مفتوحة»، «فضاءات، عمّان، 2013» إلى ثنايّات متداخلة في بعضها مؤثّرة في القرّاء والمتلقّين، باعتبارها مركزيّة التأثير في البشر، يترصّد مصائر الكائنات الورقيّة التي يرسمها، يختلق لها حيَوات، يُوهم بالواقعيّة في الوقت الذي يبعدها عن الواقع، وذلك في لعبة قصصيّة لمّاحة، والبحث عن العالم القصصيّ وعن «الكذبة» الحقيقيّة في عالم الأدب. يذكّرنا في هذه التقنية بكتاب «الحقيقة الرومنسيّة والكذبة الروائيّة» للناقد الفرنسيّ رينيه جيرار.

-        فخّ العتبات:

عبر ملاحظة تركيز القاصّ على العتبات وتكثيفه لنصوص التمهيد التي يمهّد بها لدخول عالمه، ويعبّد الطريق أمام القارئ لمقاربة القصص والحكايات المُستجلاة عبر الحقائق المطروحة، دون أن يعني ذلك أيّ فرض أو تقييد، بل يستبطن التأويل والتوجيه عبر سبل القراءة والدخول في غابته.
لا يقف فخّ العتبات عند العنوان «النهايات ليست مفتوحة» الذي يشي أنّ هناك متحكّماً في العالم، أو عن شيء قدريّ ربّما أو سلطة نافذة لا مجال لتغيير قراراتها المكتوبة المفروضة، وهذا بدوره يثير سؤال الحياة والموت ضمن دائرة الثنائيّات المطروحة، لتكون البداية مستوحاة من النهايات المغلقة. ثمّ يلي ذلك تمهيد بآية قرآنية «ويأتيه الموت من كلّ مكان وما هو بميِّت» إبراهيم آية 16، ويأتي الإهداء تالياً ليبدّد شيئاً من الغموض البدئيّ، إذ يهدي القاصّ مجموعته إلى روح صديقه علي المعمري، ويتبع إهداءه بمقطع للشاعر محمود درويش يقول: «الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء»، ليكشف النقاب عن حزن دفين يشكّل حافزاً ومحرّضاً، ومنهلاً للتثوير والمعارضة في الوقت نفسه. ويتبعه بجملة للشاعر أمل دنقل: «أنا انتظرت أن يموت الموت: أن يموت». ليزيد من قتامة المشهد، حيث الموت مخيّم وفارض نفسه كشخصيّة وفعل وبداية ونهاية..

ثمّ يكون المقطع التالي الذي يمهّد به للدخول إلى مسارب قصصه للبسيويّ يخاطب قراءه، يقول فيه: «لكلّ بيت على الأرض/ سأزوّر من موتكم قصصاً/ عسى أن أحيا بها..». وهنا ينجلي شيء من الغموض، عبر قرار مُتَّخذ مُستلَهَم من المقطع، وهو الرسالة التي يطلقها في فراغ الأمكنة والأزمنة وفضاءات الوجود، من خلال قرار تزوير القصص من الموت، في محاولة لاستعادة القدرة على الحياة. وكذلك يمهّد للفصل الثالث بمقولة لمحمود درويش حول فكرة الموت نفسها: «لم أولَد لأعرف أنّي سأموت/ بل لأحبّ محتويات ظلّ الله». وكذلك تكمّل مقولة الروائيّ اليابانيّ هاروكي موراكامي التي يمهّد بها للفصل الرابع: «يجب أن ننظر إلى الموت لا بوصفه نقيضاً للحياة، بل بوصفه جزءاً منها». لوحة الحياة التي يرسمها، وإن كان عبر كتابة الموت أو الكتابة عن الأموات.
الجدلية الوجوديّة نفسها، عبث المصائر مع معابثة الموت والتحايل عليه، ضرورة الاستمرار، كلّها أواليات تحتّم اتّخاذ قرار الكتابة، وكأنّه يستعيد بطريقة أو أخرى مقولة ماركيز «عشت لأروي..»، في إشارة إلى العيش ليقصّ، في مسعى أن تكون القصص وسيلة لاستعادة المفقود المنشود.   
يفكّ الشكيليّ ألغاز العتبات، يكون التخصيص مجالاً للتعويم والتعميم معاً، سوى أنّ قرار الحزن والرثاء يظلّ حاضراً بقوّة، وإن كان من خلال تداعيات العاشق أو المشتاق أو الملهوف أو المتلصّص أو المفقود أو أيّ صفة أو فعل آخر من أفعال الجنون المتعقّلة بين ثنايا القصص.

ويثبت مرجعاً يؤكّد اشتغاله على ثنائية الحياة والموت عبر تأكيده أنّه «تمّ بعث وإعادة خلق هذه الكائنات من نشور العدم إلى حياة القصّ في الفترة الواقعة بين 12 مايو 2010 حتّى 12 مايو 2012، لذا كلّ طين هذا الحبر من صنع خيال كاذب، ومن ابتكار مزوّر رأى الموت مراراً فدفنه بالكتابة في هذه القصص..»، ويكون في إثباته هذه «الحقيقة» محاولة تحدّ أدبيّة للموت، وقرار تأكيد أنّ الحياة تكمن في الكتابة، أو «في مكان آخر» وفق تعبير كونديرا، حيث إحياء الشخصيّات تأبيد لها في القصص، وإماتة لسلطة الموت في الإنساء والنسيان. وتكون الكتابة مخلّدة ومضادّة للنسيان المُميت بدوره.
ويختار كذلك نوعاً مختلفاً من الفهرسة، نوع ينطوي على فخاخ بدوره، مستكملاً عملية استدراج القارئ وممارسة التشويق وإثارته بحثاً عن الكامن الخفيّ والمخبوء، محدّداً «شواهد المقبرة» كبديل عن الفهرس، ومحدّداً ستّة عناوين: رياحين الموت، أقدام تحفر قبوراً، في انتظار ضيف ثقيل، المستعجلون على موتهم، شخوص وأمكنة، وليّ أمر البلاد المتخيّلة.
ينثر القصص على الفصول، بطريقة غير متساوية، ولا يكترث للمعادلة بينها، كأنّه يستكمل الفخّ نفسه عبر خلق بلبلة ما، يعيد ترتيبها لاحقاً، يهندسها عبر شخصيّاته التي تدور في فلك السارد الأنا الذي يتمحور العالم حوله، ويختطّ خطّه بين شعاب الواقع والخيال جنباً إلى جنب. فالفصل الأوّل يضمّ ثلاث قصص، والثاني ستّ، والثالث ستّ، والرابع أربع، والخامس أيضاً أربع، في حين أنّ الأخير يضمّ قصّتين فقط. يكون بينها فاصل واصل يجسّر المسافات، فالموت بكامل عدّته وعتاده ملقٍ بظلاله على العوالم والشخصيّات، وعلى النقيض منه يأتي التشبّث بالحياة المتخيّلة كدأب على الاستمرار والتفاؤل برغم سوداويّة الواقع وقهره.

-        ثورة الأموات/ الأحياء:نأن ّال

في ختام قصّته «الصرخة» يحتلّ الدويّ الكامن نهايتها وتكون الثورة الجمرة، حيث يوجب القاصّ البحث عمّن أمات الأموات، «يأمل البشريّون من ربّهم ألّا يموتوا بهذه الحالة، وعلى الآدميّين ان يتّحدوا لتدوين أغرب حالات الموت، منشئين موسوعة بعنوان «الذين ماتوا على غير العادة». على مَن يموت فينا أخذ هذه الموسوعة، كمشروع لفكرة مساءلة مَن أمات هؤلاء بهذه الصور البشعة؟». ص20 – 21. يختزل هذا المقبوس التساؤل الاستنكاريّ الباحث عن إجابة شافية في ضبابيّة الواقع وعبثيّته، وكأنّ من شأن الإجابات أو المحاولات أن تخفّف من حدّة الموت أو «توقفه أو تؤجّله».
تتتالى إيقاعات تناول الحياة ومفارقاتها، سواء كان ذلك عبر تصوير امرأة عابثة ملتهية عن ابنها أو عبر انشغالات صغيرة عن أمور هامّة، ليصل إلى ذروة التوجّه إلى المتلقّي ومخاطبته وجهاً لوجه على ملعب الورق، مزيحاً الستار عن الفواصل بين العالمين، ليجد القارئ نفسه أمام مواجهة الكاتب وشخصيّاته، مقتحماً عوالمه دون حجب، وذلك في «قصر السّيب» حين يقول: «وأنت تقرأ الآن هذه القصّة ستعرف أنّ زمن الحدث المنقول من الحقيقة في شارع قصر السّيب إلى الكذب الذي أمارسه مع الحروف على لوحة المفاتيح هو الصباح، لكنّك لن تعرف متى هو زمن ممارسة اللاحقيقة مع الحروف التي أيّد بها عالمي الخاصّ، كما أنّك لن تعي ما إذا كنت قد أخبرت أحداً عن الذي رأيته قبل نقله من وقاعه الحقيقيّ إلى خيالي الذي أمارسه معك...» ص 27 – 28.
في هذه المواجهة يدخل القاصّ قارئه كلاعب في القصّة، وذلك باللعب على وتر الإيهام بالحقيقة من جهة وبلبلة التصوّرات المسبقة من جهة أخرى، بحيث يبقي تساؤل الشخصيّة الحقيقيّة والمتخيّلة مفتوحاً على مصراعيه في ذهنه، ومتنقّلاً بين زمن القصّ وزمن وقوع الحكاية، وزمن الكتابة وزمن القراءة، ليجد نفسه أمام فضاءات أزمنة لا تتسوّر ولا تتقيّد، ويكون ذلك استكمالاً للعبة الحقيقة القصصيّة والكذبة الرومانسيّة التي تحدّث عنها جيرار في كتابه السابق الذكر.
يمكن الوقوف على أكثر من نقطة تستحقّ التأويل والدراسة في هذه المجموعة اللافتة، إذ أنّ انهمام الشكيلي بألغاز الوجود والعدم، على طريقة إدواردو غاليانو في كتابه «مرايا»، يحضر بالموازاة مع حرصه على تصوير دواخل الشخصيّات، ورسم جاليّات منتقاة، ونجد كذلك أنّ وصف المكان العُمانيّ حاضر بقوّة في عدّد من القصص، فتارة يصف شارعاً ما وحركة الناس الدائبة فيه، وتخيّله الأرواح الهائمة سارحة بين جنباته، وتارة أخرى يتغلغل في أروقة مشفى أو قصر أو بيت أو مقبرة، ليرصد ما يمور به الداخل، ليكون صورة مقابلة عن الخارج، في تفعيل للثنائيّات التي ابتدأت بالموت ومرّت بوصف مفارقات من الحياة ومشاهد ومقتطفات تؤكّد الانحياز للأمل برغم الأسى القارّ في النفوس، وعودة إلى نقطة البداية/ الموت، لتكون النهايات غير المفتوحة مغلقة بدائرة النار والموت، ويكون البشر وقود تلك الدائرة الناريّة. 

الاثنين، 29 أبريل 2013

لغتها المُحكمة مَعبرها ومِرساها





                                                              
                                                                    قراءة  هيثم حسين




 
                                                             الكاتبة السورية نادين باخص


تبدو الشاعرة السوريّة نادين باخص في مجموعتها الشعريّة «أُخفي الأنوثة» مهجوسة بهاجس الانتصار للذوات المشيّأة، ويكون في حديثها عن التشيّؤ الحاصل محاولة شاعريّة لتبديده مع ما يصاحبه من أسى ومرارة.
باخص التي سبق لها أن نشرت رواية «وانتهت بنقطة»، تعود إلى عوالم الشعر عبر «أخفي الأنوثة»، لتقدّم ذات الشاعرة المتماهية مع العالم المحيط بها، وتكون لغتها المُحكمة مَعبرها ومِرساها في عوالمها الأدبيّة، إذ أنّها تولي عناية خاصّة باللغة، إلى درجة تتبدّى فيها في بعض المقاطع متصوّفة تتغزّل باللغة ككائن مؤنسن.
تنشغل الشاعرة في مجموعتها بمواضيع تتأرجح بين العامّ والخاصّ، تبدو في معظمها حالات نفسيّة، تنفتح من خلالها الدواخل على بعضها بعضاً في حواريّات ومناجيَات ودفع نحو التسامي في حالات بعينها.
بتأويل العنوان «أخفي الأنوثة» تتكشّف رغبة الإخفاء المعلنة عن الصدمة من الإشهار السابق أو الإعلان السالف، بحيث أنّ هناك قراراً ضمنيّاً بالإخفاء ردّاً على الممارسات التي تتمّ باسم الأنوثة وردّاً على الهدر الذي تقابَل به، والإقرار أو الإخبار بإخفاء الأنوثة يبدو تمسّكاً معلناً بالإشهار والتحدّي للإخفاء، وكأنّ إثبات المثبت نفي له في حالة كهذه، وأمّا السؤال عن السبب فينفتح بدوره على الكثير من التأويلات والتبريرات والعلل، ففي عالم يعتبر الأنوثة تهمة أو عورة ينبغي إخفاؤها أو «وأدها» بطريقة معاصرة لأنّها تسبّب «وجع» الرأس للبعض، تتقدّم الصورة المضادّة، لتعلن أنّ الإخفاء صنو الإظهار، وأنّه يستحيل ذلك، وأنّ النهوض بالفعل التالي وهو التحدّي يستهلّ بالقصيدة، وتكون قصيدتها «أجواء» استيحاء لتناقضات الواقع وفجائعه.
تدرج الشاعرة قصيدتها «أُخفي الأنوثة» في المتن، وتنصّص جملة قصيرة معرّفة: «سيرة الشعلة حين تتقنّع بالرماد»، وتورد تالياً تحذيراً من كثرة الشهرياريّين، ليأتي بعد ذلك التباهي بالأنوثة بعيداً عن أوهام الرجل بالإغواء والاستعطاف، وتعرّف الأنوثة تعريفاً خاصّاً: «ليست الأنوثةُ دموعاً سخيّةً/ ولا كعباً عالياً/ تنتعله الفتياتُ/ والنساءُ بالضرورة/ الأنوثةُ بطاقةٌ شخصيّة/ لا أُبرزها/ إلا حين تومئُ/ بالشوق../ وتأشيرةٌ مخصّصةٌ/ للسفر في عينيك». وتستكمل لعبة التعاريف لتصل في نهاية القصيدة إلى كشف النقاب عن لعبتها الأثيرة عبر التصريح: «هذه لعبتي: الأنوثةُ هي ما خفي/ ليست ما ظهر».
وفي قصيدتها «أشياء للغياب»، تنطلق من راهنية تفهّم معاني الكآبة، لتنتقل في عوالم الاغتراب والاكتشاف، حيث سلسلة من المشاعر تتداخل لتشكّل عالماً مستقلّاً يعلو فيه صوت الصدى المتعاظم داخلها. يبدو تخفّفها من أعباء الذاكرة المشحونة بالأسى والفجائع، يكون الانسلاخ عن كلّ شيء بداية للعثور على الذات والتعرّف إليها من جديد، وإكسائها حللاً مختلفة، كأنّها بصدد رسم هيكل لوحدتها، عبر إصغائها إلى عقرب الوقت الموقّت على إيقاع الشوق المتعاظم. والشوق في القصيدة شوق متمايز، يبحث عن منطلق وملتقى، شوق عابر للزمن، يكتسب ديمومته وتجدّده من الذات والذاكرة: «الآن طرَدْتُ الخلايا والروحَ والعقلَ/ وجلَسْتُ وحدي/ أُصغي لساعةِ الشوقِ/ تُطلِقُ إنذارَها الأخير../ وأراجعُ صوراً/ بدونا فيها رفّين في مكتبةِ شاعرٍ رحل/ تاركاً رفوفَه لثقَلِ الزمنِ/ يتكفّلُ بليّ أعناقها/ فتكفّ عن التوازي/ وتحقّقُ أقنومَ اللقاء../ للوقتِ قرطاسيّةٌ،/ وللذاكرة مِشْجَب/ أعلِّقُ عليه ما تبقّى من أمسِ أنفاسِكَ/ وأُسقِطُ بدفاترِ الرَّسمِ والألوان/ تاريخاً لم يقرأكَ، مُبدعة آتياً هو أنت..».
تنوس الذات الشاعرة بين الغياب والإياب، بين التجلّي والتخفّي، وحين ترهن بعض الاشياء للغياب، تتبدّى بصورة الباحث عن فكّ رهن ما، تسلّم للغياب اشياءه ليتبدّد عنها ويغترب بدوره عن أشيائها، بحيث تحضر فلسفة إعطاء بعض الشيء لتحصيل الكلّ، كأنّما هناك التفاف شاعريّ على الغياب، في محاولة للتخفيف من حدّته وتأثيراته: «يؤرجحُني البُعْدُ/ وأعرف/ لا ضرورةَ لواوِ عطفٍ تربطُنا/ ولا حرفَ جزمٍ يُسكِّنُ آخرَ ما تحرَّكَ فينا من جنون../ سيغلبُ النعاسُ على الحبرِ/ وستنطفئ أنفاسُ الشاي/ لكنَّكَ/ ستبقى اشتعالَ الأسرارِ في جدراني/ وسيبقى مركَّبُ صوتِكَ/ سِلْمُ أفكاري الوحيد..».
كما تحضر اللغة ككائن مؤنسن من قبلها، تشخّصها لتؤدّي أدوراً واقعيّة في القصيدة، وكأنّها تستلهم من أجواء الرواية، وتأتي أنسنة اللغة عبر اختيار بعض التفاصيل، كالحروف أو الضمائر لتنوب مناب الكائنات المحلوم بها، محاولة لرسم العالم الشاعريّ الذي لا يكون بديلاً عن الواقعيّ بأيّ حال من الأحوال، لكنّه يعكس الكثير من المرارة والصدمة من بؤس الواقع وكآبته المستفحلة التي تستشفي منها عبر الحديث عنها ومجابهتها والتصدّي لها كحلّ مؤقّت للاحتفاظ بالتفهّم واستحضار الغائب واستنهاض همّة العاشق وحثّه على البقاء أو العودة، لأنّ الانتظار مضنٍ، وبالتالي لا بديل عن التلاقي مهما طال الزم أو استطال الغياب: «تخدَّمَ انتظاري كاهناً يُبارِكُ ساعاتِه/ والشوقُ فيَّ/ خلعَ ضميرَ الغائبِ/ كي يتناسى أنَّ صوتَكَ ليس هنا../ في وجهكَ أستودع لغتي/ فجنينُ الروحِ أتمَّ شهرَه التاسعَ في جوفِ ما قبلَ الحبر../ أقرأُ في يديكَ خرافاتِنا/ يومَ أغرَتْنا الرّيحُ فتعلّقنا بحبلِ غسيلٍ/ لم نكترث بصدئه،/ فخلعتَ قميصكَ وارتديتَني/ وأضرَبْتُ عن تمشيطِ شَعري/ كي لا تُهرهرَ بقايا أصابعكَ من سواده المُفْتَعَل../ من يومها، والرّيحُ عاصفةٌ/ فلا أنتَ عُدْتَ لقميصكَ/ ولا شَعري عرف نكهةَ الأمشاط../ لكنّي صِرْتُ أفهمُ معنى الكآبةِ/ حينَ تغيب..».
يتجلّى انهمام باللغة الشاعريّة يصل إلى درجة التغزّل، عبر التلاعب الموفّق بالصور وابتكارها، وضبط اللغة والمفردات وفق إيقاع متصاعد، لكنّها تتحكّم بها وتبقيها رهن الحالة، لا تنساق وراءها، ولا ترتهن للعبة بانقياد فوضويّ، تبقي الاتّقاد متفعّلاً من خلال الاستئناس بحواريات الدواخل والأشياء، حتّى أنّ المفاهيم تكتسب كينونة شعريّة، قد ترتقي لمصافّ الكهنة أو الملائكة، وتكون الوحدة ملاذاً، كما يكون التمحور حول الأنا الشاعريّة المجنّحة وسيلة للتماثل مع المتلقّي في مسعى مبرّر لإبهاره.
لا تحصر الشاعرة الأنسنةَ باللغة والمفاهيم، بل تتعدّى ذلك إلى التراب، إذ نرى أنّ التراب يختنق في قصيدة «اختناق التراب»، كأنّها تواجه العدميّة بالعودة إلى الأصل الصلصاليّ للبشر، ومن خلال التذكير بالروح المنفوخة في التراب يكون الشعور بالاختناق كحالة من حالات الإخفاء، أو التجلّي الحياتيّ نفسه من خلال خاتمة القصيدة التي تنفي أيّ شيء «سوى اشتهاء التراب».
«مذكّرات أنثى يجيدها القلب»، «ما بعد الصلب»، »هذا الرجل لي»، «خطايا المسوّغات»، «حين تسقط أسوار المدينة»، وغيرها من قصائد المجموعة التي تبلغ إحدى عشرة قصيدة تكمّل لوحة العالم الذي ترسمه الشاعرة، وتبحث فيه عن إعادة الاعتبار للقيم المهدورة، وبثّ روح الشعر لأنسنة الأشياء ردّاً على تشييء الإنسان الحاصل.

 

 

الأحد، 28 أبريل 2013

قراءة في ديوان المصطلم



 
قراءة: هيثم حسين 


 يختار الشاعر العمانيّ عبدالله البلوشيّ لمجموعته الشعريّة «المصطلم» عنواناً أقرب إلى العنوان الروائيّ، ويتجلّى التقارب أكثر حين محاولة التأويل والتنقيب في بعض المرامي التي ينشدها الشاعر من اختياره لهذا العنوان الذي يبدو غريباً في تركيبته البنيويّة، إلّا أنّ الغموض يتبدّد رويداً رويداً ليحلّ محلّه سؤال البحث عن الآخر في مرآة الذات الشاعرة، وسؤال التماهي والحلول والإحياء والترميز. ذلك أنّ «المصطلم» يعرف بأنّه أحد الألقاب التي أطلقت على الحلّاج (858 – 922 م) الذي قضى بطريقة مأسويّة، والذي يظلّ من الشخصيّات الأكثر إشكاليّة عبر التاريخ الإسلاميّ.   
يتحرّك الشاعر البلوشيّ تحت هيمنة اسم الحلّاج وأفعاله البطوليّة وقصائده الزاخرة بالجميل والمبتكر والجريء، ويبدو مشغوفاً به مستمتعاً باقتفاء أثر كلماته وأصدائها عبر الحقب، ابتداء بالعنوان، مروراً بالإهداء الذي يقول فيه: «إلى الحسين بن منصور رماداً في النهر وروحاً في السماوات»، ومروراً بالقصائد (المبتدأ، المنتهى، من الفيض) التي تناجي الحلّاج وتستأنس بحضوره الطاغي فيها. فنقرأ في «المبتدأ»: «ليس ثمّة ما أكتبه عنك/ سوى وجهك المضاء في الريح/ وأنت تقطع الطرقات بقلبك الغضّ/ من معبر إلى آخر/ كمثل ورقة أينعت في بحيرة دم». ما يؤكّد أنّ الحلّاج مبتدأ القول ومنتهاه/ خبره. وتحضر المخاطبة والمناجاة والاعتراف بانعدام الحياة أمام هول المصاب وفداحة الخسارة، ومن هنا تكون الكتابة الشعريّة وسيلة متاحة لاسترداد تلك الشخصيّة الفذّة ونفخ روح الشعر فيها، عبر إحياء المآثر، وذلك في مسعى لإعادة العمل برؤاه وتصوّراته الثوريّة، وإعلاء لمذهبه الصوفيّ في الحبّ والتوحّد مع الذات الإلهيّة، وما شكّله من شرارة للتثوير اللاحق، بحيث أنّه غدا علماً لا يمكن القفز على اسمه أو تجاهله.
لا يقف الأمر عند استلهام مآثر الحلّاج واستذكار مناقبه، ولا توظيف فضائله لغايات معاصرة، بل يتعدّاه إلى استقاء مقاطع من رؤاه التأمّليّة في ديوانه «الطواسين»، حيث يحضر فيض صوفيّ وتمثّل لحالات الوجد والشغف، ويكون الاستئناس أحد تجلّيات الاقتداء، وربّما أحد نيّات الافتداء في حال الإمكان، ثمّ يكون البوح مرسال الشاعر إلى شاعره الأثير، مبرهناً له، ولأعدائه وأصدقائه ومحبّيه، أنّ آثاره ما تزال باقية فعّالة ومؤثّرة بجدّتها وجرأتها. ومتحدّياً فكرة إبقائه بعيداً عن الضوء، وكأنّ من شأن ظهوره حجب الأضواء عن الآخرين الذين يسعون لحجبه وإبقائه بعيداً على أمل إبعاد شبح تأثيره، يقول: «يريدون أن يبقوك بعيداً/ أو ربّما على مقربة من أجسادهم/ تلك التي تقطّعت من فرط بكائهم الليليّ/ إذ لم يكن أمامك سوى الرحيل إلى منائر الضوء/ لترجع بعدها مرتدياً بظلّ الليل/ وموقناً أنّ الخلاص غائر بعمق السماوات». ص13.

تحتلّ ثنائيّة الظلّ والضوء الكثير من المقاطع، تفرش ظلالها وأضواءها بنوع من التعاقب والتواتر، تتكرّر في عدّة مقاطع، وكأنّ الهمس ينوس بين الظلّ والضوء، وكأنّها تدليل على أنّ كلمات «المُصطلم» تظلّ في الضوء وتتصدّر المشهد مهما حاول أعداء الضوء والنور التعتيم عليها وإبقائها بعيدة قابعة في الظلّ عسى أن تظلّ حبيسة ظلمتها وظلامها. نراه حاضراً بصيغ متبدّلة، تارة تسكره الظلمات، وتارة أخرى ينبلج عمره، ثمّ نراه يصفه بنديم الليل المتهجّد في العراء.. وغيرها من التوصيفات التي تضفي عليه حالة من الأمْثَلة والفرادة والتميّز، وذلك في تحدّيه حالات الاغتراب والاستلاب الحاصلة معه، والتي ضيّقت عليه حتّى أودت به، وهو المنفيّ خارج الأزمنة والأمكنة، يجد مستقرّه في أرواح الشعراء وعشّاق الحقيقة، الذين يستلهمون من فيوض المعرفة وينهلون من ينابيع عطائه المتجدّدة.
نداءُ الغائب المستحضر يتخلّل صفحات المجموعة كلّها، يبلغ ذروته في صرخة الشاعر المدوّيّة وندائه الأخير لشخصيّته الأثيرة: «أناديك من أعلى سلّم الكون/ قلت اكفني كلّ هذا الخوف/ أنا القريب كأنّني الغائب/ وأنا الذاهب إلى مستقرّ دائم/ ثمّة أستظلّ بشعاع نجمة لامعة» ص 87. يستعين به ليبدّد وحشة أيّامه ولياليه ويدلّه إلى طريق النور بعيداً عن ظلمة الواقع وظلّه.
 
يستطرد عبدالله البلوشيّ في مناجيَاته للحلّاج، والتي تعبّر عن اشتياق دفين دائم الاستعار لا يهدأ للتماهي معه، ولو من باب القول الممكن، وكأنّه يعمل بالمثل القائل: ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه. وكأنّه بصدد تقصّي الحالة والنبش في الخلفيّات التاريخيّة، وإدانة التكفير ومزاعم الزندقة والهرطقة، وتبديد حالة احتكار النطق باسم الإله، أو المعاقبة تحت زعم الدفاع عنه، وهو الذي لا يحتاج إلى تلك الطرائق البائسة في الدفاع، والتي تسيء لقيم الدين أكثر ممّا تزعم حمايتها له، ويكون في سعي الشاعر لإحياء بعض من شؤون الحلّاج تنقيب عن الشجون الكامنة ومَتْح من بئر الذات المتماهية مع الآخر المنشود رمزاً وغاية في ذاته. 

لا يقتصر التداخل الأجناسيّ بالاقتراب من عنوان روائيّ، بل إنّ تقنية إحياء شخصيّة تاريخيّة بصيغة أدبيّة تتجلّى كتقنية روائيّة، وقد تكرّرت في العديد من الروايات التي تقارب التاريخ، أو تستذكر شخصيّات تاريخيّة مؤثّرة، ويمكن هنا التذكير بالعديد من الروايات التي اعتمدت هذه اللعبة الفنّيّة، والتي تكمن خلفها الكثير من المرامي الواقعيّة والمستقبليّة، سواء كان ذلك من باب البحث عن اعتبار واجب للشخصيّة أو ردّ اعتبار واحتفاء بها ولها. وفي كلّ الأحوال تكون الشخصيّة؛ موضع الاعتبار والاحتفاء، محتلّة الحيّز الأهمّ ومنفتحة على تأويلات المبدعين ومتفعّلة بتأثيرها عبر إبداعاتهم وكتاباتهم. وفي حالة «المصطلم» يلوح طيف رغبة في الانتماء للفعل البطوليّ للحلّاج، مع تركيز بادٍ على إبداعاته الشعريّة الثوريّة.
يشار إلى أنّ «المُصْطلم» صدرت عن دار «الانتشار العربيّ - بيروت» بدعم من مدوّنة «ساعي البريد».